الرئيسية » مقالات » تشافيز.. وكعكته..!

تشافيز.. وكعكته..!

بالنظر إلى التطورات الكثيرة الجارية في منطقتنا من آواسط آسيا إلى المحيط الاطلسي، والتي
يمكن أن تتحول في أية لحظة إلى تطورات خطيرة. لهذا قد يكون من المفيد أيضاً متابعة بدرجة ما
التطورات الجارية في الضفة الأخرى من الأطلسي، فبينما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
يحاول إعادة روسيا إلى مرحلة ما قبل بروسترويكا، عبر إقصائه لمنافسه من المعارضة عن
الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد مؤخراً، بحرمانهم من الإعلام والدعم والحركة.. فقد
استعاد ذاكرتنا جراء تلك السياسة عما كان زعماء السوفييت يفعلونه تجاه من لا يساق ورائهم..
وفي موازاة ذلك أطلق الديكتاتور الفنزويلي “هوغو تشافيز” مؤخراً بأن هذا القرن سيكون قرن
تطبيق الاشتراكية، التي يعني بها العودة إلى حنين الديكتاتورية بنسقها الشيوعي، بعد أن فطمت
معظم المجتمعات بعد أن ذاقت منها ما ذاق، والتي خلفت آثاراً هشة هائلة على مستوى تركيبة
المجتمعات وتوازنات النظام الدولي وبين استراتيجياتها، ومازال أغلب المجتمعات الشيوعية لم
تتخلص من وطأة كابوسها، والطريف في الأمر هو أن (بوتين) نفسه طلب من الاعلام الروسي أن لا
يظهره مع “تشافيز” لدى زيارته الصيف الماضي لموسكو، معتبرا بأنه لا يرغب بأن يظهر شخصية
شعبوية كـ”تشافيز” !!.
ففي الثاني من الشهر الجاري أجري في فنزويلا استفتاء شعبي حول تعديل دستوري، بموجبه يتاح
للرئيس البلاد إمكانية تعديل (70) مادة تقريباً من دستور الشعب الفنزويلي، وكذلك بمنحه فرصة
إمكانية الترشح لأكثر من ولاية رئاسية، ويؤدي في النهاية إلى إقامة نظام اقتصادي اشتراكي
الذي يتغنى -تشافيز- به ليلاً ونهاراً.
بيد أن نتائج الاستفتاء التي هبت رياحه بما لا تشتهيه سفن شافيز، فقد تركت لدى تشافيز
انطباعاً بأنه من الصعب عليه، من الأن فصاعداً، إقناع أي شخص بالسماح له بتمديد وتوسيع
سلطاته.
وأراد شافيز من خلال هذه اللعبة إلغاء الحد الأقصى الذي ينص عليه الدستور للمرات التي يمكنه
أن يترشح فيها للرئاسة، لأن الاشتراكية الاقتصادية التي عمل في بنائها “شافيز” أفضت منذ مدة
إلى تزايد التضخم بنسبة في البلاد بنسبة 25%)، بالإضافة إلى نقص في الايرادات السوقية.. كل
ذلك بفضل سياسة حكومته في المراقبة الشديدة للأسعار.. علماً بأنّ صادرات فنزويلا النفطية
التي تبلغ (38) مليارا سنوياً وشعبه ما يزال يعيش تحت خط الفقر!
والذي حضّني إلى كتابة هذه السطور في الحقيقة، هو ما نشرته صحيفة “الانديبيندت” البريطانية
“كاريكاتورا” ساخراً يصور به دعوة الرئيس الفنزويلي إلى استفاء شعبي تصويراً لا يخلوا حيناً
الطرافة، وبعض الآجايين من الظرافة، وفي كثير من الآحايين من السخافة في تلك الدعوة للحصول
على صلاحيات وسلطات أوسع مما هي في يديه.
وفي الكاريكاتور بدا فيه “هوغو شافيز” متربعاً على كرسي أمام طاولة عليها كعكة كبيرة
للمناسبات (كاتو) على شاكلة خريطة أمريكا اللاتينية، في إشارة إلى شهية “تشافيز” وتطلعه
لتقوية نفوذه السياسي في القارة. ويظهر أيضاً في الكاريكاتور وهو يقطع بالسكين الذي بيده
اليمنى جزءاً من الكعكة، في الوقت عينه أبقى “تشافيز” على يساره الشوكة مغروسة في الجزء
المتبقي منها.. وما أن يتناول قطعة منها سرعانما يبدأ بمراجعة ما حاول التهامها، بعد أن
يتراجع قليلاً نحو الوراء.. وقد أخذ يعطس بعدها.. إلى أن تخرج اللقمة الأولى من الكعكة من
فمه التي حاول التهامها، وتتطاير في الهواء بعد أن كادت يلتهمه.. وعلى القطعة المتطايرة
–كتبت- كلمة “فنزويلا”، كناية عن رفض هذا البلد الخضوع التام لشهيته السياسية الجارفة
للسيطرة عليها، لا بل لالتهامها.
كان تشافيز سيتجاوز كل الحدود بسعيه إلى وضع اليد على كامل السلطات التنفيذية، لو جاءت نتائج
الاستفاء لصالحه، ولأصبح الباب مفتوحاً على مصراعيه لحكمه الديكتاتوري.. لهذا إن نتيجة
الاستفتاء تحسب لصالح تطلعات الشعب الفنزويلي المتقاطعة وما يتطلع إليه رئيسهم. إذ أدرك
الناخبون أن عليهم ألا يتركوا الدستور الصحيح في يد الشخص الخاطئ. لهذا فقد دفع تشافيز من
جرائها الثمن، وفقد الهالة التي كان يضفيها على صورته بوصفه شخصاً لا يقهر.
وهذه الهزيمة بطبيعة الحال هي عبرة لأمثاله من كاسترو و بوليفار.. وباتت لديهم فسحة كافية من
الوقت، ليفكروا ملياً بستقبل شعوبهم وشعوب العالم، لأنّ من بديهيات الاشتراكية أن تبنى
بالحوار وليس بالقرارات الفوقية.