الرئيسية » مقالات » حول المؤتمر الصحفي لاتحاد الصناعات العراقي

حول المؤتمر الصحفي لاتحاد الصناعات العراقي

في الجادرية , وعلى كورنيش نهر دجلة , بناية انتقل إليها مرغما كما يبدو , اتحاد الصناعات العراقي , بعيدا عن مواقع العمل والإنتاج , البيع والشراء , حيث كان مقره السابق يتوسط ساحة ألخلاني , حيث قلب وامتدادات الأسواق الصناعية والتجارية ضمن العاصمة بغداد , بناء واسع شاهق , لم توفره أيادي التخريب والتدمير والحوا سم , بعد السقوط 2003 , لتتبعثر وتحترق وتسرق , كافة الوثائق والملفات والأثاث وباقي الموجودات , وامتدت أياد حتى إلى المتعلقات المادية خاصته والمودعة في مواقع أخرى , مما اضطر إدارته للبحث عن مستقر مؤقت هو اقرب إلى المنفى , في وقت تتطلب ظروف البلد وأحوال الناس , أن يكون بينهم وقربهم جسر للتواصل مع الإدارات الحكومية , وما تستطيع تقديمه من خدمات لقطاعات العمل الإنتاجي المختلفة , الخاص والتعاوني والمختلط .
العجيب إن دعاوى ومشاريع إعادة الاعمار والتأهيل , والتطوير ورصد الميزانيات , وجذب المساعدات الدولية , التي يتنادى لانجازها وتوفيرها , القابضون على مفاصل السلطة والقرار , لم تصل ولحد اليوم ومن بعد السقوط 2003 , إلى اتحاد الصناعات أو منتسبيه و أل(36) إلف مشروع إنتاجي متوسط وصغير , حرفي أو ورش ومعامل مسجلة تمتد من بغداد المركز لتنتقل شمالا وجنوبا ,متوقفة في أغلبيتها الساحقة عن العمل لظروف خارجة عن إرادتها , يحاول الاتحاد تحديدها أولا ومن ثم دراسة طرق معالجتها مع المنتسبين , والتواصل مع الدوائر الحكومية المعنية , ومسؤوليها , لوضعهم أمام الصورة القاتمة , والغائبة عن تصورهم للواقع الصناعي بدرجاته المختلفة وفي عموم العراق , ونبدأ معهم بالخطوة الأولى .
يوم الثلاثاء 11122007 , بادر اتحاد الصناعات العراقي بعقد ندوة صحفية لبحث معوقات العمل الإنتاجي في العراق , حضرها عدد كبير من أصحاب المشاريع المتوقفة عن العمل والراغبين في إعادة الروح والإمكانية والأمل , لهم ولمن حولهم ومرتبط بهم من البشر أولا , ثم للمكائن التي علاها الصدأ وغطاها الغبار, سنة بعد أخرى , ويملأهم التساؤل عما يمكن لاتحادهم أن يحاوله في سبيلهم , وعن الدرب الذي يجب عليهم السير فيه ليعودوا على الأقل مثلما كانوا , لا كما هو حالهم الآن , طاقات معطلة تستهلك أكثر مما تنتج , بعد أن كانت لهم دوما , إضافات وإسهامات كبيرة للناتج الوطني وفي مسيرة الاقتصاد السلعي المصنع العراقي .
الاتحاد يتحرك ويحاول , ضمن الإمكانات الذاتية من إعادة إنماء وانتشار هيكلية تكوينه سواء في بغداد أو سائر المحافظات التي له فيها غرف صناعية تمثل القطاع الخاص وترعى مصالحه في الهيئات واللجان العربية والعالمية المختصة بشؤون العمل والتجارة والصناعة , كما وتشمل النشاطات , الاشتراك في إعداد التشريعات والقوانين المسيرة لسوق العمل العراقي , كتطوير مسودة جديدة لقانون الضمان الاجتماعي , وتدوين بنود قانون عمل جديد في طور التشريع .
ماذا عن الحكومة العراقية الحالية وسياستها الاقتصادية وموقفها من العمل الإنتاجي والعمال , ومقدار رغبتها في التعاون , فالاتحاد قدم العديد من المذكرات , بدء من رئيس الوزراء , ثم من يليه في تراتبية المسؤولية عن خدمة الصناعة والإنتاج في العراق , والاتحاد مستمر في التواصل والحوار مع مفاصل الدولة المختلفة , وشرح رؤيته العملية لطرق استنهاض العمل الإنتاجي الخاص , ومنها مطالب الحد الأدنى لمنتسبي هذا القطاع الرائد في تفعيل مسيرة الاقتصاد الوطني العراقي , فما الذي يطلب الاتحاد من الدوائر الحكومية المعنية أن تفعله ؟
1- وضع الضوابط للاستيراد والتصدير المنظم وفق القانون .
2- إعادة فتح المناطق الكمر كية ومخازنها وتفعيل قانون التعرفة الكمر كية لفحص النماذج من قبل التقييس والسيطرة النوعية .
3 تزويد المناطق الصناعية بالكهرباء خلال أوقات العمل , وتزويدها بالدهون والمحروقات .
4- إعادة هيكلة المصرف الصناعي لتمويل القطاع الخاص بالقروض بفوائد ميسرة , تتحمل ميزانية الدولة الفروقات واعتماده كصندوق للإقراض الصناعي للقطاع الخاص بصورة دائمية .
5- مطالبة اللجنة الاقتصادية (الحكومية) بتخصيص المبالغ اللازمة لاستيراد المواد الأولية للقطاع الخاص بسعر تفضيلي للدولار مقابل الدينار كما كان معمول به قبل 2003 للتمكن من التطور بنوعية الإنتاج وكميته وأسعاره , بما ينافس إنتاج دول منظمة التجارة العالمية .
6- إشراك الاتحاد باللجان الاقتصادية مع أصحاب القرار ( وهم هنا من موظفي الدولة صغارا وكبارا ) , وتسهيل حصول القطاع الخاص على القروض المالية والمساعدات الدولية , واعتماد مبدأ الشفافية .
7- مطالبة الحكومة ووزارة الصناعة بتشغيل مصانع القطاع العام كأساس ستراتيجي لرفد القطاع الخاص بالمواد الأولية , والعمل على فك ارتباط هذه المشاريع بالدولة من خلال شركات من القطاع الخاص , أو مبدأ التأجير أو بيع جزء من أصولها للعراقيين أو للشركات الأجنبية بمشاركة العراقيين .
8- المطالبة باستحداث وزارة للصناعات الصغيرة , لتتمكن وزارة الصناعة والمعادن من تشغيل الشركات التابعة لها لتقليل ولايتها للقطاع الخاص .
9- الاهتمام الحكومي بتأسيس مناطق صناعية كبيرة ومتطورة والاهتمام بتهيئة البنى التحتية للمناطق الصناعية القديمة .
10- إعطاء الأفضلية للقطاع الخاص (العراقي) في المشتريات والمناقصات الحكومية والعمل بمبدأ التعهدات الثانوية بين القطاع العام والخاص .
ماسبق ورقم هو تلخيص وإيجاز لخطة عمل يود اتحاد الصناعات العراقي , أن تمد له الدوائر الحكومية يدها للتعاون , وتحقيق المستطاع منها , إن صفت النيات , وكان الهدف هو خدمة الشعب والوطن العراقي .
قد يجد القارئ العزيز العادي غير المتابع للشأن الاقتصادي , أو غير المهتم أصلا بشروحات تنقصها الجاذبية , وتعكس واقع مر يقترب من درجة المأساة , قد يجد عدم رغبة في المتابعة , ثم استيعاب جمل ومصطلحات تتطلب إجهاد العقل وعمق التفكير لأجل فهمها وتفهم معاناة أصحابها , وقد نعطي هذا المواطن المبتلى عموما في عراق اليوم , والراغب في قراءة وأخبار مسلية تنسيه تعاسة يومه , ولكن مابال الحكومة ودوائرها تمارس نفس (التفهم) والهروب لدرجة أن لايحضر مسؤول (مهم) مناقشات مؤتمر اتحاد الصناعات ؟ وهم السباقين للمؤتمرات وحضورها خاصة ماكان مكان انعقاده الخارج! ولكننا شعب الداخل وهذه مطاليبنا كمصنعين وعاملين في قطاعات الوطن الخاصة , فإذا كانت للحكومة نظرة مستقبلية فان عراق اليوم الذي له صفة مراقب في منظمة التجارة العالمية , وينتظر العضوية الكاملة بعد عدة سنوات , فالواجب الآن بذل الممكن من الجهد على الأقل لتهيئة القطاعات الصناعية والاقتصادية للدخول إلى هذا المعترك الدولي , متسلحين ببنية تحتية صلبة لن نتوصل إليها مادامت الدوائر الحكومية لاتتجاوب حاليا مع صرخات المتابعين الاقتصاديين التي تشير إلى إن أكثر من 70 % من المعامل متوقفة ويتآكل معداتها الصدأ , والبطالة تتزايد , بسبب الاستيراد العشوائي غير المنظم علما إن من أولويات مبادئ ومعايير القبول واستمرار التواصل مع الحكومات المعنية لمنظمة التجارة العالمية هي .
1- منع إغراق الأسواق المحلية بالسلع المستوردة .
2- عدم السماح بالاستيراد بزيادة عن الحاجة السنوية
3- عدم استيراد بضائع تنافس المنتج المحلي مادامت له نفس المواصفات ونسب التقبل .
كما إن وثيقة العهد الدولي الموقعة بين الحكومة العراقية ودول العالم المانحة والمساندة لتطور وتقدم شعب العراق , تضع في طليعة المطالب والأمور الأساسية المطلوبة من دولة العراق هو تفعيل دور القطاع الخاص وجعله صاحب قرار متمكن في مسيرة اقتصاده لا مجرد متلقي ! .
هل ماتفعله مثلا وزارة الصناعة العراقية يدخل ضمن هذا السياق حينما ترفض مقترحات المصنعين العراقيين واتحادهم في مسائل عدة من بينها قضية قروض الصناعيين في بغداد والمحافظات وتسهيل منحها , وتقليل اشتراطاتها , كإخراج المصرف الصناعي من مجرد كونه مصرف تجاري عادي حاليا وإرجاعه إلى ماكان سابقا من التساهل والمساهمة في إسناد تقدير حاجة الصناعي حين استيراد المواد الأولية اللازمة للمنتج وكذا المكائن والمعدات , مع تقليل الفائدة التي تزيد عن ال 6% وجعلها 2% على أكثر تقدير حين المنح . فهل اليوم الموعود هو بعيد حين تفهم وزارة الصناعة إن دورها هو التسهيل لا التوجيه للصناعة والإنتاج والعاملين فيها , وان عليها إشراكهم في مناقشة وإقرار خططها وبرامجها , والتوجه الجاد نحو إحياء وتشغيل المعامل الكبيرة المنتجة للمواد الأولية اللازمة لإدامة عمل المنشات الخاصة الصغيرة والمتوسطة الأكثر عددا وانتشارا والأقل قدرة مادية ومؤسساتية من قطاعات الدولة المدعومة والمتوقفة عن العمل والإنتاج حاليا , كمعامل الحبيبات البلاستيكية أو صناعة الورق , أو الكيمياويات , فالصناعات الصغيرة والمتوسطة الخاصة والمقدر لها ليس في العراق فقط ولكن حتى في بلدان العالم المتطورة , وحسب احصائات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية , تشغيل أكثر من 50% من العمالة في العالم , وتنتج مانسبته 70% من مجمل الإنتاج الصناعي , فهل ستحسب حكومتنا الموقرة , الجدوى الاقتصادية , وعدد الأيدي العاملة , التي ستمتصها وتغذيها هذه الصناعات بسيطة التكاليف , بدل المجاهرة والتفاخر بعدد من دخلوا برنامج الرعاية الاجتماعية للعاطلين , والمتزايدة أعدادهم سنة بعد أخرى ! وما تضاف أليهم من أسماء وهمية مقدرة بالآلاف وعلى ذمة مؤسسات النزاهة الحكومية ,.
ثم ماهو دور اللجان الاقتصادية لمجلس الوزراء وباقي الدوائر الحكومية , ولماذا تقتصر على موظفين فقط ولا تشرك في جداول أعمالها الكفاءات الاقتصادية والصناعية سواء كانت من داخل اتحاد الصناعات العراقي , أو النقابات العمالية , أو أي قطاع آخر من المجتمع المدني , ليتكامل دور الشعب في تسيير عمل مؤسساته .
وهل من المعقول مثلا , إذا رغبنا بالسير نحو الاندماج والتكامل مع بنى الاقتصاد العالمي أن تخصص لميزانية القطاع العام المدمر 350 مليون دولار فقط لاغير , ضمن ميزانية يطلق عليها اسم انفجارية , تأتي وارداتها للأسف من مصدر واحد هو النفط , بعد أن عجزت الحكومة الحالية كما يبدو عن تفهم دور الإنتاج السلعي العراقي ودعمه في كافة قطاعاته , بحيث أصبحنا لانسمع من أخبارهم السارة إلا ماستطاعوا زيادته من كميات التصدير البترولية , ونسبتها بائسة هي الأخرى , وحدث ولا حرج عن التفاصيل ! .
وفي عودة أخيرة إلى المؤتمر الصحفي لاتحاد الصناعات العراقي , والألم الذي تحدث به المنتسبين عن الإهمال والفساد والرشوة الذي يغلب على طريقة تعامل الدوائر الرسمية معهم , والسلبية الطاغية في فهم واقع وظروف قطاعات الإنتاج العراقية , فلماذا تبلط أرصفتنا البغدادية مثلا بالطابوق والشتايكر الأجنبي , ومئات المعامل المحلية متوقفة عن الإنتاج والعمل لضعف التمويل ومن ثم الطلب ؟ , المسؤول يتحجج بان الأجنبي ارخص ثمنا وأسرع في التجهيز , والمصنع المحلي ستسمع منه القصة المعتادة عن أسعار الوقود المرتفعة , وانقطاع تجهيز الطاقة الكهربائية , وازدياد أجور العمالة , والاهم من هذا وذاك هو فقدان الأمن والأمان اللازم لإدامة التشغيل المريح , ويتبعهم في الشكوى أصحاب المطابع ومعامل الحلويات والخياطة والسراجة والنسيج والقائمة طويلة يزيدها الانقطاع شبه التام للتواصل بين المسؤول الحكومي , والأهالي في المجتمع المدني , فما هو الحل ؟ .
وبأي مقترحات خرج الصناعيون من ندوتهم ؟ كثيرة هي محاولات تجاوز الواقع الراهن , فمن تشكيل وفد لمقابلة رئيس الوزراء , والإيصال المستمر للصوت لدى الدوائر الرسمية وبذل كل جهد مستطاع , وأخيرا وليس آخرا تحديد موعد للقاء آخر في الشهر القادم لتحديد الخطوات المستقبلية وقياس نسبة التجاوب الحكومي , وما نتأمله أن لا يفتر الحماس , وتضيع وتتطاير مع الريح جهود عودة الصناعات العراقية إلى سابق عهدها ومن ثم تطويرها للحاق ولو قليلا بمن سبقنا من دول العالم .