الرئيسية » مقالات » العدالة حين تغيب مع عبدالله أوجلان

العدالة حين تغيب مع عبدالله أوجلان

لم يمكث على طول التاريخ الأنساني متهما مثل الفترة التي مكثها السيد عبد الله أوجلان ، ولم يبق متهما ، والمتهم بريء حتى تثبت أدانته ، طوال تلك السنوات الحالكة ، في زنزانة منفردة ، وسط سجن معزول ، في جزيرة معزولة عن العالم لايصلها البشر .

يصاحب هذا صمت مريب من منظمات وتجمعات ومؤسسات تدافع عن حق الإنسان ، لاتجد في عبد الله اوجلان سمة من سمات الحقوق التي تزعم أنها تدافع عنها ، مع إن عبد الله أوجلان لم يطالب سوى بمطالب أهله من الكورد في تركيا ، وهي مطالب جلها من الحقوق الأساسية التي قررتها الشرائع ، وأكدتها المواثيق الدولية ، ونص عليها الأعلان العلمي لحقوق الإنسان .

الصمت المريب من خلال السكوت على مهانة الإنسان وغياب العدالة وحقوق الإنسان في قضية عبد الله اوجلان ، موت الضمير الأنساني في هذه القضية التي حكمها الجنرالات ، والتي نسفت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان كل قراراتها ، ولم تعد ذات قيمة ، غير إن سطوة الجنرالات صبت كل حقدها وظلمها على عبد الله اوجلان ، بعد إن تجرد من كل الوسائل التي يملكها ، ولم يتبق له سوى ضميره وصوته وقلمه الذي لم ينضب .

وعبد الله اوجلان المولود في الرابع من نيسان 1949 في قرية من قرى تركيا ، كان قد طرح العديد من المبادرات السلمية الرامية الى وضع خطوط عامة لحل المشكلة الكوردية في تركيا ، وطرح حلولا من شأنها إن تحقن الدماء بين القوات الحكومية وبين الأحزاب الكوردية التي تطالب بحقها في الحياة ضمن الدولة التركية .

وبدلا من الأنصات ودراسة تلك الحلول لجأت السلطة التركية المحكومة بعقلية الجنرالات والمشبعة بالشوفينية المقيتة التي لن توصل تركيا بأي حال من الأحوال الى طريق معبد وسهل وحضاري يتماشى مع الزمن ، لجأت الحكومة التركية بتأثير تلك العقليات الى أهمال كل الحلول التي من شأنها أن تحفظ دماء ابناء تركيا من كل القوميات ، وبلغت الغطرسة التركية إن تتجاوز حتى على حدود العراق بزعم وجود مقاتلي حزب العمال الكوردستاني على الأراضي العراقية ، غير أن ما فات تلك العقول أن القضية لاتموت بهذا الشكل ، وان الحقوق لايمكن أن تنتهي بهذه الصورة ، وستبقى حقوق شعب كوردستان مخرزا يقض مضاجع الجنرالات دائما ، يؤرق ضمائرهم ويحملهم كل تلك الدماء التي تزهق تحت شعار أن لاحقوق ولاحريات الا بأرادة الجنرالات .

ومهما كانت النتائج فأن بقاء عبد الله اوجلان منذ شباط من العام 1999 وحتى اليوم موقوفا دون محكمة أو محاكمة ودون قرار قضائي يدلل على حجم المهانة الإنسانية التي وصلتها تركيا .

إن المراهنة على الخلافات بين قيادات الأحزاب الكوردستانية في تركيا مراهنة خاسرة ، ويمكن للعاقل في تركيا أن يلمس حجم التكاتف والتوحد الذي يعم أرجاء كوردستان – تركيا ، من اجل المطالبة بتلك الحقوق التي يطالب بها الكورد .

لاشك أن بعض الأصوات الخيرة في تركيا وفي المنطقة العربية تطالب بشدة بتقديم السيد أوجلان الى المحاكمة المدنية العادلة ، وتطالب بتوفير كل مستلزمات القانون التي تتوفر لأبسط المتهمين ، وان تزيل السلطة التركية حالة الأحتقان والحقد المتورم ضد الشعب الكوردي ، وان تلجأ الى حلول أنسانية أخرى من شأنها أن تخدم المستقبل الأنساني لتركيا ، غير أن الموقف الدولي من قضية عبد الله اوجلان يبقى لغزا تتحكم به الصهيونية العالمية والولايات المتحدة الأمريكية ، ومن المحزن أن نقول بأن المجتمع الدولي لم يرتق بعد إلى المستوى الذي يستطيع به وضع حد للجرائم التي ترتكب بحق الشعب الكُوردي في تركيا . بحيث نستطيع القول ان تلك العقول التي لم تزل تحكم تلك الشعوب لم تتعلم من دروس الطغاة والدكتاتورين والشوفينيين ، ويمكن ان يكون الساسة الأتراك نموذجا لمثل تلك العقليات أزاء ما يحدث في تلك المنطقة الملتهبة ، والتي يريدون زيادة لهيبها ، والتي تعاظمت في زيادة الظلم ضد عبد الله اوجلان وملابسات قضيته التي أكل الدهر عليها وشرب ، ولكنها لم تزل باقية في ضمائر العديد من متابعي حقوق الانسان .

ما يغب عن عقل القيادة التركية حين تعتقد ان قضية شعب كوردستان في تركيا ترتبط بشخص عبد الله اوجلان فتزيد من عزلته وتضغط عليه نفسيا وماديا ، وتمنع عليه ابسط الحقوق ، وفي تلك الحال تزيد من أعتقادنا بأنها تحاول التفكير بعقلية متخلفة لايمكن ان تنسجم مع الزمن ولاتفيد المستقبل التركي ابدا .

ما يغب عن بال تركيا انها حين تنتفخ اوداجها ، وتنشر قواتها أعتمادا على تلك الترسانة التي قامت ببنائها على حساب دماء ابناء تركيا وجوعهم وعوزهم وتشردهم ، فأنها مثل البالون المنتفخ لاتلبث ان تعمل اشعة الشمس فعلها فتعيدها إلى حقيقتها .

الحياة اليوم لاتنتهي عند نهاية عبد الله اوجلان ولا في زيادة عزلته وظلمه ، ولا في محاولات أضفاء نوع من طلاء الحقيقة لأظهاره كأرهابي يريد ان يحقق مأرب خاصة ونزعات متطرفة ، بعكس حقيقته في الدفاع عن قضية نبيلة وكبيرة سيحمل مشعلها كل كوردي في تركيا ، وستبقى متوهجة في ضمير كل كوردي في العالم ، فالحقوق مسألة لايمكن لن تغيب ، وماحققه الأعلام الأمريكي والتركي والأسرائيلي لن يتمكن أن ينتصر على قضايا الشعوب .

أن تركيا تقف اليوم موقفا حاسما تجاه مستقبلها ودعوات أحزابها السياسية في بناء تركيا ، او الوقوف بشكل قمعي أزاء قضية الكورد في بلدها ، وتتحول إلى منطقة ملتهبة تخسر بها اولادها مثلما يخسر الكورد أولادهم ، وتخسر معها تركيا جزء كبير من مستقبلها .

ويمكن ان يكون تحقيق الكورد للفيدرالية في العراق حافزا لمطالبة الاكراد في تركيا بمثل تلك الحقوق ، كما أن معالم القضية الكوردية التي وصلت إلى المحافل الدولية ساهم في أظهار حقيقة تلك المطالبات ، وأزاء عدم تقبل تركيا للأقرار بتلك الحقوق يعني انها تتحمل نتائج ذلك الأصرار والنهج الشوفيني الذي سيضر بتركيا اكثر مما يفيدها .

أن الهوية الكوردية في تركيا باتت واضحة ، كما أن الظروف الذاتية والموضوعية لن تبقى كما تريدها تركيا والولايات المتحدة واسرائيل في المنطقة ، فثمة متغيرات كثيرة ومهمة جرت في العالم ، على تركيا ان تدرك انها ازاء حقوق دستورية تدخل ضمن تفاصيل الحياة التركية ، ويبدو ان سياسة مجلس الأمن وعقلية الجنرالات ستبقى الى مدة غير قصيرة تتحكم في سياسة تركيا ، الا ان بعض العقليات الموجودة يمكن ان تنقلب على تلك السياسات وفقا لمتغيرات الزمن والتطور الحضاري للأنسان .

وتبقى قضية عبد الله اوجلان جرصا يدق في ضمائر المهتمين بقضايا حقوق الأنسان ، والسكوت عن بقاءه في المعتقل يشكل جريمة وخرقا للقوانين والدستور التركي بحد ذاته ، كما أن تعذيب الأنسان ومهانته بهذا الشكل يجعل من القيادات التركية متهمة بجرائم ضد حقوق الأنسان ، ومن يدقق في القضية بشكل تفصيلي يجد ان السيد عبد الله اوجلان اليوم محتجزا بشكل تعسفي دون محاكمة ودون قرار حكم قضائي ، في قضية لم تبان معالمها او تفاصيل سندات الأثبات ومعالم الأتهام ، غير ان المدة من 15 فبراير 1999 حيث تم القبض عليه في كينيا في عملية مشتركة بين قوات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ووكالة الإستخبارات الوطنية التركية (MIT) وبمساعدة المخابرات الاسرائيلية ، وتم نقله بعدها جواً إلى تركيا للمحاكمة بطائرة خاصة، حيث وُضِعَ أوجلان في الحجز الإنفرادي في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة في تركيا منذ أن قبض عليه وحتى اليوم ، تعد حكما مسبقا دون محاكمة وأمتهانا للأنسان .