الرئيسية » مقالات » هل بين القوى الإسلامية السياسية المتطرفة فاشيون؟

هل بين القوى الإسلامية السياسية المتطرفة فاشيون؟

حين اتهم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قوى إسلامية سياسية متطرفة بكونها فاشية , هبَّت تلك القوى المقصودة وغيرها محتجة على تلك التصريحات ومؤكدة أنه كان يقصد الإسلام كله والمسلمين كلهم. ثم ادعت بأن هذا التصريح يعتبر بمثابة إعلان الحرب على الإسلام والمسلمين في جميع أرجاء العالم! وبما أن الرئيس الأمريكي مسيحي متدين , فهذا يعني أنه إعلان حرب المسيحية الدولية على الإسلام الدولي. والسؤال : هل هؤلاء الناس الذي ناهضوا موضوعة الرئيس الأمريكي على حق؟ إنهم على خطأ فادح , وهم مسئولون على ما يجري في العالم الإسلامي من جرائم أو سكوت على ارتكاب الجرائم.
كل إنسان عاقل يتابع نشاط قوى الإسلام السياسي المتطرفة والإرهابية يدرك بأن هذه القوى تنطلق من فكر شمولي يعتمد العنف والقوة والقتل , وهي تمارس الأساليب الفاشية في التعامل مع الإنسان والجماعات والمجتمع بشكل عام , فهي ترفض الآخر والرأي الآخر , وترفض المؤسسات الدستورية والحياة الديمقراطية , وترفض ممارسة حقوق الإنسان , وترفض حرية المرأة وحقوقها وتريد السيطرة على السلطة بأي ثمن متهمة الجميع بأنهم كفرة ومشركين ما داموا لا ينتسبون إليها ولا يرتبطون بمذهبها ولا يؤمنون بطريقتها في العمل والحكم.
وكل إنسان عاقل قد تابع ما جري حتى الآن في البصرة , وفي بعض المدن العراقية الأخرى , لوجد أمامه قوى إسلامية سياسية متطرفة وإرهابية شيعية وسنية مارست القتل على الهوية الدينية والهوية الطائفية والهوية القومية في آن , قتلت العربي السني المخالف لها وقتلت العربي الشيعي المخالف لها , كما قتلت المسيحي والصابئي والإيزيدي , وقتلت الكردي الفيلي الشيعي والكردي السني المختلف معها , وقتلت العلماني والديمقراطي واللبرالي , قتلت من هو ليس معها حيثما وجد ودمرت كل شيء من أجل إشاعة الفوضى والإرهاب في البلاد.
إذ كيف نفسر ما جرى ويجري في المدن العراقية المختلفة من قتل فردي وجماعي , كيف نفسر تهجير المسيحيين والصابئة من البصرة وبغداد وغيرها , كيف نفسر قتل الأيزيدية في الأقضية التابعة لمحافظة الموصل , كيف نفسر قتل الشيعة في مثلث الموت , أو قتل السنة في وزارة الصحة العراقية وفي بعض المعتقلات ورميهم على قارعة الطريق , وكيف نفسر حرق المساجد والجوامع والكنائس , أو كيف نفسر حرق محلات بيع الخمور أو غلق البارات وغلق محلات حلاقة النساء , وكيف نفسر أيها السادة في بغداد فرض الحجاب على النساء المسيحيات في البصرة , إذ عليهم أن يختاروا بين أحد أمرين إما الموت أو الحجاب , وهو تهديد مباشر لترك المدينة والذهاب إلى منطقة أخرى من العراق إلى كُردستان العراق وإلا فالموت نصيبها ؟ إن لم يكن كل ذلك ليس بأساليب شمولية قهرية فاشية ضد الإنسان وحريته وعقيدته , فما هي إذن؟
حين كتبت ” سلسلة مقالات حول ” البصرة الحزينة … البصرة المستباحة .. ” قبل سنتين أكد الكثيرون صوابها , وخاصة أهل البصرة ذاتها , وشتمني واحد من أهلها “التقدميين!” معتقداً بأني أريد أن أسيء إلى البصرة الفيحاء بأهلها الطيبين السمحين والظرفاء , ولم يعتذر حتى الآن عن تلك الشتيمة! ها نحن نعيش الفاشية التي تنفذها عصابات إسلامية سياسية متطرفة منفلتة من عقالها , وهي ليست من التيار الصدري وحده , بل معه قوى أخرى , لأن أغلبها يقف مناهضاً لأتباع الديانات الأخرى والمذاهب الأخرى في العراق ويسعى إلى جعل البصرة فيدرالية للشيعة فقط , وهذا هو الأسلوب الذي مارسه آخرون من قبل في مناطق أخرى من العراق , في كركوك مثلاً لتهجير الآخرين وتغيير البنية الديموغرافية وليحلو لهم الجو , ويحلو الجو لإيران في آن واحد ولتنطلق منها إلى بقية أنحاء العراق بأمل أن تفرض نظامها السياسي الثيوقراطي الرجعي والشمولي على العراق أيضاً.
ورغم كل ما يحصل في العراق , ورغم كل مظاهر الطائفية المقيتة في العراق , يرفض مستشار الأمن القومي الشيعي السيد الدكتور موفق الربيعي , الذي وقع البيان الشيعي السيئ الصيت قبل سقوط النظام , أن يقال بأن الحكومة طائفية وأنها قائمة على أسس المحاصصة الطائفية. إذن ما هي طبيعة النظام القائم في العراق حين يسكت على مثل هذه التجاوزات التي نفذ مثلها نظام صدام حسين المجرم , وحاول خاله الدكتاتور والفاشي المعروف خير الله طلفاح , ولكن باتجاه شعر الشباب وملابس النساء , لكنه فشل فشلاً ذريعاً. أليس الحكم في العراق قائم على أسس المحاصصة الطائفية , ألم يأخذ السيد المستشار مركزه الراهن بناء على القسمة الطائفية للمستشارين في فترة المستبد بأمره پاول بريمر؟ الغريب في الأمر أنهم يمارسون الطائفية وينكرون وجودها , وهو أمر أسوأ بكثير مما لو مارسوا الطائفية واعترفوا بوجودها.
كيف نسمي أولئك القتلة الأشرار الذين أرسلوا انتحاري قاتل إلى الجزائر ليختطف أرواح العشرات من الناس الأبرياء وجرح المئات في واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالنساء والرجال والأطفال؟ أليس هذا من الأساليب الأكثر فاشية ودموية؟ كلنا يعرف بأن الفاشية نظام سياسي , أسلوب في الحكم , رفض للحرية الفردية والديمقراطية والمؤسسات الدستورية , ورفض للآخر والرأي الآخر والإقصاء والقتل العمد وممارسة اشد أشكال وأساليب التعذيب.
نحن أمام انفلات المليشيات الطائفية المسلحة في البصرة والتي يمكن أن تتسع لتشمل كل الجنوب وتنتقل إلى بغداد , نحن أمام عودة الإرهاب من الشبابيك بعد أن أغلقت بعض الأبواب بوجهه , وما حدث في مصافي الدورة وفي غيرها من الأحداث الحزينة يدلل على أن هؤلاء القتلة ما زالوا أحراراً يستخدمون بنيتهم التحتية للتنقل والحصول على المعلومات وملاحقة من يريدون قتله , كما حصل مع مدير شرطة الحلة أو غيره أو تفجير مواقع حين تغمض عيون الرقابة الحكومية عنها. ومن هنا جاء التحذير الذي وجهته في مقالين متتاليين حول أهمية وضرورة الحذر وعدم النوم على إكليل الغار ف بغداد.
أيها السادة ! لا يمكن الوصول إلى حلول ناجعة مع استمرار المحاصصة الطائفية والمشاريع الطائفية والحكم الطائفي , لا حلول ناجعة دون مصالحة وطنية فعلية وعميقة , لا حلول ناجحة وغياب الديمقراطية وغياب عمل وجدية المؤسسات الدستورية , ولا حلول عملية إذا استمر التفكك الحكومي على حاله الراهنة واستمر وجود وعمل المليشيات الطائفية المسلحة. والحل يبدأ بمعالجة هذه الأمور على نحو خاص , إضافة على مكافحة البطالة وتحسين الخدمات وزيادة الإنتاج وتحسين الدخول الشهرية والأجور للعاملين .. الخ.