الرئيسية » مقالات » كلمات -171-

كلمات -171-

قرار جرىء للحكومة بتهديم كل المدارس الطينية في العراق الجديد!!
في خطوة جريئة نابعة من عمق المسؤولية الوطنية والإنسانية، تجاه الطلبة حملة مشاعل العلم، والمستقبل في العراق الجديد، قررت الحكومة العراقية بجلستها المنعقدة بتأريخ 12.12.2007 ، تهديم وإلغاء المدارس الطينية في انحاء العراق كافة، سواء المشادة قبل عهد الطغيان الصدامي أوبعده، وإقامة مدارس جديدة بدلا منها، بتصاميم حديثة وجذابة منحت مناقصاتها لشركات أجنبية!
ويأتي قرار الحكومة منسجما مع التزاماتها الوطنية والأخلاقية، واستحقاقات الحملة الإنتخابية، حيث قدم الشعب العراقي التضحيات الغالية وانتخبها، كذلك مع ميزانية العراق البالغة 48 مليار دولار للعام 2008 ، وحاجة الطلبة إلى نسيان الماضي الطيني كالح اللون، الذي يذكّر بالثكنات العسكرية ومواضع الحروب الصدامية في الجبهات، ما كان له أبلغ الأثر على نفسية الطلبة ومزاج المعلمين، ناهيك بقلق الآباء على مستقبل أبنائهم العلمي بين الحيطان الجرداء!
تهنئة حارة لطلبتنا الأعزاء وكادرنا التعليمي…
فقد ذهبت إلى غير رجعة ايام تدهور التعليم في العراق، بسبب الحروب والدكتاتورية والإحتلال، وما تبعه من نهب وسلب للمدارس والجامعات ومراكز التعليم الأخرى، ومانتج عن ذلك من ضياع قسم كبير من لوازم التعليم، فيما أمضى طلبتنا سنوات طويلة من أعمارهم، تائهين بين دخان الحروب والتشرد والضياع والجوع.
ولت الأيام التي كان فيها بعض المدارس عبارة عن خيام مصنوعة من وبر الجمال، يتبرع لها الأهالي بالمقاعد والسبورات والطباشير، وقيام العشائر في الجنوب ببناء المدارس من جيوبهم، وكان العديد من الطلبة يضطر إلى الوقوف على أرجلهم لعدم توفر المقاعد، تحت سقوف تشخب منها مياه الأمطار!
كما وعاد الطلبة من سوق العمل الرخيص إلى مدارسهم : عادوا من معامل الطابوق وبيع الرصاص وأكياس النايلون والخردوات وتصليح السيارات، والدهون والزيوت وبناء البيوت وسواها من الأعمال الشاقة، بعد وضع قوانين وتشريعات تحضر عمل الأطفال، وهكذا أدخلت حكومتنا الوطنية الفرح والسرور في قلب المواطن العراقي – حال بقية خلق الله في الدول النفطية ذات الميزانيات الفلكية – بمشاهدة أكبادنا العراقية تمشي على الأرض، مجتازين الطريق إلى المدرسة ببدلاتهم زاهية الألوان، وضحكهم المجلجل ومرحهم ومشاكساتهم !
ولأول مرة في تأريخ العراق ستدخل في المدارس الجديدة أجهزة الكومبيوتر الحديثة، مجاراة للثورة المعلوماتية في العالم المتحضر، وسيتم توفير وسائل الإيضاح الملونة التي تشرح قلوب الطلبة، وتفتح عقولهم لمزيد من الرغبة في التعليم.
وزيادة في تركيز الطلبة على دروسهم وهم في كامل طاقتهم الذهنية، ومتابعة الدروس وعدم الشرود بسبب سوء التغذية، وعودة إلى ماضي التعليم المشهود له في العراق قبل مرحلة صدام، قررت الحكومة كذلك إطلاق مشروع التغذية المدرسية المجانية لجميع الطلبة، لتثبت للجميع أنها مخلصة لمواطنيها، الذين انتخبوها واستأمنوها على حياتهم وتعليمهم وحاضرهم ومستقبلهم .
أما زيادة رواتب المعلمين والموظفين العاملين في المؤسسات التعليمية فقد كانت بمثابة لبنة بناء أخرى في هرم المشروع التربوي، فقد منح المعلمون أجور إضافية للنقل من أماكن سكناهم إلى مدارسهم ومخصصات مغرية، وبنيت لهم بيوت وصار الجميع يلهج باسم الحكومة، من شمال العراق إلى جنوبه!
12.12.2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كتبتُ هذا المقال بعد عودتي وعائلتي مساء اليوم من حفلة اقامتها المدرسة النرويجية، التي يتعلم فيها طفلاي (آدم وليليان) هنا في ضواحي أوسلو (Godlia skole)، بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة، وعادة القوم هنا أنهم يتهيأون لهكذا مناسبات دينية، قبل اسابيع من حلولها ويتبادلون الهدايا، على كل حال كنا مبهورين زوجتي وأنا بنظافة الصف وجدته وترتيبه، والوان جدرانه الزاهية، بماعلق فيها من صور ولوحات ملونة رائعة!
في فترة الاستراحة جلسنا مع آباء الطلبة وأمهاتهم وتناولنا (الكيك) والقهوة والعصائر، بعد فعاليات مسرحية وأناشيد الأطفال الجماعية للمستقبل والحياة الرغيدة والنعمة والرفاهية في النرويج، كان الصف مزودا بكل مايحتاجه الطلبة من خرائط وأجهزة عرض (السلايدات) ورفوف و(كومبيتورات) ووسائل إيضاح وغيرها، وعلى أحد الجدران من جهة اليمين سُجل إسم كل تلميذ وتأريخ ميلاده ووضع داخل رسم ملون لحيوان أليف، باختصار كان الصف مهرجانا من الألوان الطفولية إنعقدت فيها أجواء من المرح والسعادة.
بعدما وصلنا إلى البيت أدرت زر (الكومبيوتر) كالعادة وطالعت أخبار العراق، فماذا وجدت!!؟
وجدت صورة بائسة لصف في إحدى مدارس الرفاعي المبنية من الطين!، تأملت الصورة طويلا مع زوجتي وعقدنا مقارنة بينها وبين صورة الصف النرويجي الذي كنا فيه قبل قليل، فتألمنا كثيرا على حياة اطفالنا الأعزاء ورثينا لحالهم، ومايعانونه في برد الشتاء وحر الصيف في المدارس الطينية كالحة اللون، ولعل الحكومة تتشجع بعد هذا المقال وتصدر قرارا صريحا بهدم كل المدارس الطينية، وبناء مدارس حديثة وملونة محلها ضمن خطة إعمار العراق للسنوات القادمة!!
** قد لا تصدق اذا قلنا لك ان لدينا حاليا (1012) مدرسة طينية تنث غبارها على (113594) طالبا عراقيا و(7079) من الملاكات التعليمية في اربع عشرة محافظة عراقية.. لكن عليك ان تصدق لأن تلك الارقام مأخوذة عن تقارير رسمية وضعتها وزارة التربية. وعلينا ان نعلم ان اولى المحافظات في عدد المدارس الطينية هي ذي قار (الناصرية) اذ تحتوي على (234) مدرسة يتعلم فيها (22285) تلميذاً ويدرّس فيها (1448) معلماً…من مقال صلاح حسن السيلاوي المنشور في عدد من المواقع والصحف العراقية.