الرئيسية » مقالات » رداً على تلفيقات طرد العرب من كركوك

رداً على تلفيقات طرد العرب من كركوك

هناك دائماً وعلى مر التاريخ من يحاول تشويه الحقائق وطمسها بديماغوجية مبرمجة ومدروسة، واللعب بالكلمات والضرب على الأوتار العاطفية لفئة أو شريحة ما لتمرير سياسات معينة، وتحقيق طموحات تتوافق مع نزعاتهم السياسية أوالقومية أو الطائفية .
والقرار المتخذ من قبل لجنة تطبيع الأوضاع في كركوك وغيرها من المناطق المستقطعة من إقليم كوردستان ضمن سياسة وجريمة التعريب الصدامية وقبلها العارفية، وأستناداً إلى المادة 140 الدستورية قضت إحدى فقراتها بإعادة العرب الوافدين إلى مناطق سكناهم الأصلية وتعويضهم مادياً ومعنوياً، والقرار لا لبس فيه ولا أي غموض، فقرار العودة ينص وبصريح العبارة ” على من يرغب العودة اختياراً ” أي ليس هناك أجبار أو طرد للعرب من كركوك كما يحلو للبعض أن يلعب دور البطل القومي في هذا الزمن الضائع، ليس لغاية في نفس يعقوب، بل لإقرار وترسيخ سياسة التعريب الإجرامية. وأن من يتحدث عن حق سكنى العراقيين في أي بقعة من أرض العراق هو محق في ذلك، ونؤيده بدون تردد، بل نحن من يطالب بذلك، لكن الوضع مختلف في كركوك التي مورست فيها سياسة التطهير العرقي عن سابق إصرار وتعمد، ولا يمكن القبول أبداً بسياسة الأمر الواقع وتغيير الطابع الديمغرافي لهذه المدينة تحت واجهة شعار مزيف ” العراق لكل العراقيين ” ككلمة حق يراد بها باطل، وكذلك تحت واجهة شعارات عاطفية مضللة يراد بها تكريس سياسة عنصرية خاطئة قامت بها عقليات شوفينية قذرة لم تقيم وزناً لمبادئ حقوق الإنسان حتى ولو بنسبة واحد بالمئة، وباعتقادي كان الأجدر بهؤلاء الذين يصورون عودة الوافدين إلى مناطق سكناهم الأصلية طواعية وبمحض إرادتهم بسياسة تطهير عرقي معاكسة أن يتخذوا موقفاً أكثر إنسانية ويترفعوا عن السير على خطى الأسلاف المخجلة لأي إنسان لديه القليل من الشعور الإنساني النبيل، أما الإصرار والمضي قدماً وبإصرار على نفس النهج الشوفيني البائد في إبتلاع حقوق الآخرين، لا نرى له مبرراً غير النزعة القومجية وحب المشاكسة والعناد، فقط من أجل العناد، مطبقين الطرفة القائلة ” حتى لو أيطير خروف ” .
وصحيح أن هناك عشرات الألوف من الكورد يعيشون اليوم في باقي المناطق العراقية كبغداد والحلة مثلاً دون مشاكل تذكر، لكن وبالمقابل هناك عشرات الألوف أيضاً من العرب يعيشون في أربيل ونواحيها وكذلك في دهوك والسليمانية دون أن يشكل ذلك أي حساسية أو مشكلة ليس بسبب الوضع الاستثنائي الذي يمر به البلد من إرهاب ودمار، بل بسبب أن هذا هو الوضع الطبيعي الذي يمكن أن يعيش فيه العراقيون، وهذا حق مكفول في المواثيق الدولية والشرائع السماوية وفي الدستور العراقي أيضاً، وناهيك عن هذا وذاك أنها الأعراف والتقاليد والروح العراقية الطيبة، هذه الروح القوس قزحية النادرة في المنطقة .
لكن وكما ذكرت أعلاه بأن الوضع في كركوك استثنائي بكافة المقاييس، ومن غير المقبول إنسانياً وقانونياً أن تعيش فئات عراقية معينة على حساب فئات أخرى من أجل فرض سياسات عنصرية وشوفينية لتغيير الطابع الديمغرافي لمدينة معينة كما هو حاصل في كركوك وتوابعها وأخواتها، أما المناداة بإبقاء الوضع كما هو عليه هو تكريس لسياسة شيطانية حقيرة خططت لها عقول شريرة ونُفذت بشكل سادي وإجرامي قل نظيره في العصر الراهن ومن يدافع عن تلك السياسة ويحاول تكريسها بالوسائل الديماغوجية لا يقل شراسة وعنصرية وشوفينية وحقارة عن من نفذوا سياسة التعريب ..
وأن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية من سياسات عنصرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة يعتبر لا شئ قياساً بما قام به صدام وأعوانه في كركوك وخانقين وسنجار.
أن العرب العراقيين الذين جلبوا إلى كركوك ويقدر عددهم بأكثر من 350000 ثلاثمائة وخمسين ألف بُنيت لهم دور وأحياء سكنية على أراض ٍ ليست من أملاك الدولة ” بغض النظر عن مساحات قليلة جداً ” بل مملوكة لكورد رُحلوا وهُجروا وطردوا ورميّ بهم خارج كركوك بدون رحمة، وجردوا حتى من آثاث منازلهم والأفرشة وكافة مستلزمات العيش … أن أصحاب تلك الأراضي من الكورد والتركمان لا يزالون يعانون من استحواذ الآخرين على ممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية مع إصرارهم الشديد لإعادة حقوقهم المسلوبة، ولعل الصدام المسلح الذي وقع بين أبناء قرية بشير التركمانية المحاذية لكركوك قبل حوالي سنة ونصف مع بعض العشائر العربية التي تقطن في أراضيهم وتستغلها أقتصادياً وسكنياً فيه الكثير من المعاني التي يجب أن يأخذ بها اللبيب والعاقل والحريص على مستقبل العراق .
وإن التحايل والمماطلة والالتفاف على المادة 140 من الدستور العراقي ومحاولة تمييعها وعدم تطبيقها في مدتها الزمنية فيه الكثير من الخطورة، ويبدو أن الساعين لتشويه الواقع وتعطيل فقرات المادة المذكورة وعدم تسمية الأشياء بمسمياتها لم يستوعبوا للآن الأسباب الحقيقة التي أوصلت العراق لهذا المأزق، والمطلوب هنا هو قراءة متأنية لتاريخ الدولة العراقية الحديثة ودراستها واستنباط الدروس والعبر منها والخروج بحلول إنسانية قابلة للتطبيق بنكران ذات، أما التشبث بالشعارات وشحن النفوس الضعيفة واللعب بالزيت والنار على برميل من البارود يقيناً بأنهم لم يتعظوا بدروس التاريخ، وسيجلبون الكثير من الويلات والمآسي التي لا تخطر ببالهم، حيث أن سهولة إشعال الحرائق ليست بنفس سهولة إخمادها لاحقاً.
الغالبية من العرب الوافدين إلى كركوك كأدوات لتطبيق سياسة التعريب ضمن مغريات مادية ووظيفية يصرحون اليوم جهاراً بأن النظام الساقط أتى بهم قسراً، أو أستغل وضعهم المعيشي السئ ليطبق أجندته الشوفينية، مؤكدين أنهم يرومون العودة إلى مناطق سكناهم الأصلية وبمحض أرادتهم مقابل تعويضات مادية أيضاً وحق التصرف بممتلكاتهم في كركوك وبيعها أو إيجارها وأستثمارها، وكذلك الحصول على قطعة أرض سكنية مع نقل وظيفته إلى مسقط رأسه أو أية وظيفة أخرى، ونحن نرى بأن قرارهم هذا فيه الكثير من الحنكة والشجاعة وبُعد النظر، ويدل على أصالة معدنهم، وهم مشكورين عليه …. لذا الحديث عن طرد العرب من كركوك غير صحيح ومغرض ومحاولة لدق الأسفين بين العرب والكورد، ويراد به خلق المشاكل والفتن تزيد من مشاكل العراق، وعندما نقول مثل هذا الكلام لا نطلقه جزافاً، بل لأننا قريبين جداً من وضع كركوك، ونعلم تفاصيل ما يحدث يوم بيوم ونستطيع القول بأن النفوس تغلي وهي على أحر من الجمر بإنتظار إحقاق الحق لا سيما أن المماطلات الحكومية بتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي وقبلها المادة 58 من قانون إدارة الدولة زادت من الشكوك والريبة من طبخات خبيثة تطبخ في مطابخ أقليمية وداخلية، كما أن أصحاب الأراضي الزراعية من العشائر الكوردية المسلحة ترى أراضيها وممتلكاتها تحت تصرف أناس آخرين دون وجهة حق، ولولا سيطرة الأحزاب الكوردية على الموقف لاندلعت الحرب الأهلية في كركوك ممتدة إلى ديالى والموصل وتكريت ومن ثم إلى باقي إنحاء العراق بأسرع من لمح البصر، ثم أن المادة 140 لا يتعلق بكركوك فقط بل يشمل جميع الجغرافية العراقية، فعلى سبيل المثال أن مساحة كربلاء الشيعية قبل عدة عقود كان حوالي 50000 خمسين ألف كم مربع ، أما اليوم فلا يتجاوز الخمسة آلاف كم مربع، حيث تلاعب النظام المقبور بالحدود الإدارية لمنطقة كربلاء وأستقطع منها مساحات شاسعة وألحقها بمحافظة الأنبار السنية من منطلق طائفي بغيض، مع العلم بأن الرمادي لم تكن بحاجة إلى أراضي أضافية بغرض توسيعها أو جعلها محافظة كما فعل ذلك مع النجف على حساب كربلاء أيضاً، ونعلم بأن أهالي كربلاء يطالبون أيضاً بتطبيق المادة 140، لتعديل الحدود الإدارية لمحافظتهم، لا سيما بعد أن أرتفعت أسعار الأراضي في كربلاء نتيجة السياحة الدينية عشرات الأضعاف عما كانت عليه سابقاً .
فالحديث عن كركوك والمسافة ما بين الواقع المعاش على الأرض وبين ما يقال ويشاع لا يمكن تخيلها من لم يعش في كركوك ولا يعرف تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع الكركوكي، ولا يكفي أن يمدك شخصاً ما بالمعلومات عن بعد مهما كانت مهمة .
ومن جهة ثانية، وخلال السنوات الأربع الماضية ما أنفكت بعض الأصوات النشاز تصرخ وتولول بأن الحزبين الكورديين جلبت آلاف مؤلفة من كورد البلدان الأخرى من أجل تكريد كركوك ، كما ردد آخرون الأكاذيب والدعايات التي تطلقها ما يسمى بالجبهة التركمانية المرتبطة مباشرة بالمخابرات التركية، حول غلبة الشعب التركماني في إحصائية عام 1957 والطابع التركماني لمدينة كركوك، ومجئ الكورد إليها بعد ثورة الرابع عشر من تموز .
نقول لهؤلاء جميعاً :
لماذا تخشون أذن من اعتماد إحصائية عام 1957 ؟؟؟ لتحديد مصير كركوك طالما أن الغلبة فيه للشعب التركماني، وأن تلك الإحصائية تعتبر من أوثق الإحصائيات التي أجريت في العراق الحديث والمعاصر، كما أن بغداد تحتفظ بالنسخة الأصلية لتلك الإحصائية، وعلى أي حال فهي موجودة وبحلتها الملكية على شبكة الإنتريت، وفي أرشيف الكثير من المكتبات العامة الإقليمية منها والدولية. ” يعني والله حرنا وياكم ـ فهل تريدون تطبيق القصة الشائعة علينا ـ تريد أرنب أخذ أرنب ، تريد غزال أخذ أرنب ”
فيا ناس يا محترمين الكذب عيب وحرام وغير حضاري، فالعرب الوافدين سيعودون إلى مناطق سكناهم الأصلية طواعية مفضلين العيش بين أهاليهم وذويهم وعشائرهم، كما أن بعضهم لا يزال متمسكاً بالعيش في كركوك وهم كثر ولا يتجرأ أحد على أن يمسهم بأذى أو طردهم .
يعني وبالخط العريض وكما يقول المثل العراقي : خلوا الله بين أعيونكم من تحجون ” 
ـ السويد