الرئيسية » مقالات » الصديق – rezgar.com – عقبال 100 سنة!

الصديق – rezgar.com – عقبال 100 سنة!

ما أجمل حروف حوارك أيها المتمدن, “بسيطة كشفافة العين ومعقدة كتركيبها”, هي حديث الكلمات وقوتها, هي الصراخ الصامت.
من حروفك كتبوا المقدسات وفي بحر كلماتك تعمّدت قطرات حوارنا الذي نتعلمه ونتلقفه قطرةً قطرة.
حوارك واضح وصريح, بلا تلفيق ولا تنقيح ولا تلميح, لكنك ممنوع أيها الفصيح من دخول بلاد التصحيح.
تملك أنت وجوه كثيرة للحقيقة, قاسية عنيدة ملوّنة ورقيقة, ورغم إيمانك بالداروينية لكنك لا تؤمن بالاستنساخ والأصولية..

أمثلة لا تحصى للحوار وممارسته, الاصطفاء الطبيعي للكائنات الحية هو صراع من أجل بقاء الأفضل, الأفضل على التأقلم والقادر على الحياة. إن ذلك الصراع هو شكل من أشكال الحوار الطبيعي والذي بدأ صقله وعقلنته مع تطور الإنسان إلى كائن إجتماعي مفكّر, أي أن الصراع من أجل البقاء صار يأخذ نوعاً من الصراع من أجل إثبات الذات والسيطرة والنفوذ.
وفي عصرنا هذا صار الحوار المتمدن ـ العقلاني هو حوار من أجل حياة أفضل مع الاحتفاظ على كرامة وقيم الإنسان, أي أن الحوار ما عاد من أجل القضاء على الآخر والانتصار عليه بل هو من أجل إيجاد وسائل وطرق مشتركة للعيش المشترك وعدم إلغاء الآخر.
وللحوار أشكال عديدة, منها مثلاً الحوار الذاتي, ومنها حوار الخالق “بين المؤمن وربه”, وهناك حوار الشرطي مع المواطن العادي, وأشكال عديدة للحوار بين الأفراد سواء كانوا أحبة عشاقاً أو منافسين وقديسين أو أعداء ألداء ….,
لكن لابدّ أن يكون لكل حوار هدفاً ما, وأهميته لا تلغي أنه هناك أهدافاً مضحكة للحوار.
+ تسأل مضيفة الطائرة أحد الركاب إن كان يرغب بأكل شيء ما, ويسألها ما هي الخيارات(الأصناف التي يمكن طلبها)؟ ويكون جواب المضيفة “نعم أو لا”! ـ هذا شكل للحوار أيضاً ـ, تمّ تطوير هذا الشكل من الحوار في فرع فلسطين.
+ يدخل رجل عجوز مع زوجته إلى عيادة الطبيب كي يكتب له وصفة دواء(روشيتة), ويسأل الطبيب الرجل عن الدواء الذي يريد, ويجاوب العجوز الطبيب بسؤاله” شو إسم شجرة الورد الحمرا اللي تعطي ورودها رائحة طيبة ونزرعها بجنب الدار؟”, ويرد الطبيب تقصد يا عم شجرة”جورية؟”, بعدها يلتفت العجوز لزوجته ويقول لها “جورية شو إسم الدوا اللي لازم يكتبو الدكتور؟” وهذا الحوار يشبه حوارات بعض المعارضات التي تحتاج لجورية وجوريات!
+ “وما خلقنا الإنس والجن إلاّ ليعبدون”, المعذرة من كل المؤمنين لكنني لا أفهم أية حكمة من كون سبب وجودي في هذه الحياة هو العبادة, ولا أفهم جدواها بالنسبة للعابد والمعبود. حوار راعي القصر مع رعية النصر .
ربما يكون كل أو بعض ما طرحته أعلاه هراء, لنتحاور إن كان عندنا بعض الوقت ففي النهاية كل واحدٍ منّا سينهي الحوار ويرحل صامتاً سواء بعد خمسين عاماً أو بعد مئة وخمسون عاماً!
ما أخشاه وأرجو أن أكون مخطئاً أن الحوارات الفقهية التي يبادر فيها الصديق غسان المفلح قد تحتاج لبعض الوقت, على كل حال عمر طويل أستاذ غسان!

يقول أحد أعظم شعراء هنغاريا اتيلا يوجف:
“لماذا عليّ أن أكون مستقيماً .. ونهايتي لا محال في التابوت!…..
لماذا لا أكون أنا مستقيماً .. ونهايتي لا محال في التابوت!”….
وهل أجمل من هذا الحوار الذاتي, الحوار الذي يختزل كل قيم الإنسان وكتبه المقدسة والمنجّسة!

الفرق بين الحوار المتمدن والغير متمدن هو أنه في المتمدن يستطيع أن يتحاور المتدين مع الكافر, الغني مع الفقير, الصغير مع الكبير, الفيل مع النملة, الأسد مع الخروف….
في الحوار المتمدن لا وجود لصوت البندقية, لكنه مليء بضجيج الكلمات وصرير الأقلام لا السيوف, وصراع الحروف وغبار معاركه تملأ “ساحة الوغى” المتمدن, في الحوار المتمدن لا وجود للدماء أبداً, لكنك تمشي في وديان من الحبر, لا وجود للرصاص لكن صوت الكلمات تصمّ الآذان, في الحوار المتمدن لا وجود للأوامر والعساكر.
وحتى الذي “يخسر” الحوار فإنه رابح بالتأكيد, وقد تكون “هزيمته” الآن هي خميرة انتصاره اللاحق وذلك عندما يستطيع ترتيب نفس الحروف التي سببت “هزيمته” ـ ترتيبها بشكل آخر!
إنها نفس الحروف التي نرتبها, لكتابة إسم بشار الأسد أو عارف دليلة أو رياض سيف.. وهي نفس الحروف التي نصنع منها أسامة بن لادن أو بنت القطيف, نفس الحروف التي نكتب فيها الجولان أو لبنان أو غزة وغزوة وحماس وداعس.
وأتمنى أن تكون تلك الحروف التي نرتبها لنكتب جبهة الخلاص أو إعلان دمشق هي نفسها التي نحملها في خريطة الألم والأمل السوري….
ما أجمل ترتيب حروفك أيها الحوار المتمدن!

بودابست, 7 / 12 / 2007