الرئيسية » مقالات » يوميات في عتق (1 )

يوميات في عتق (1 )

قبل مدة قرأت مقالأ للأخ فالح حسون الدراجي بعنوان ” خوش ولد ” وعندما قرأت العبارة التي وردت في المقال والتي تقول ” همّ شلبسون الشيوعيون ، وشلون واحد يعرفهم ؟ ” تذكرت قصة مشابه حصلت في مدينة عتق (جمهورية اليمن الديمقراطية ) فتولدت لدي الرغبة أن اكتب عن يومياتي للفترة التي عشتها في شبوة تلك المحافظة المتاخمة للربع الخالي.

عتق عاصمة المحافظة تبعد ما يقارب التسع ساعات عن عدن ، ويربطها بعدن طريق مبلط وجزء قليل منه كان غير مبلط. وتمتد الطريق عبر مناطق جبلية جرداء ترتفع احيانا الى اكثر من 500 م عن سطح البحر .ولا تستغرب عزيزي القاريء إذا قلت لك بأن عتق مركز محافظة شبوة لايوجد فيها ولا شارع واحد مبلط .فهي مدينة اصغر من مدينة الدغارة ،متخلفة عنها في نواحي ومتقدمة في نواحي اخرى . معظم ابنيتها من الطين ( اللبن )، بعضها مكون من طابق والآخر من طابقين أو ثلاثة ، والشبابيك في هذه الأبنية صغيرة وخشبية ومزخرفة ولا يوجد سياج خارج البيت وعلى امتداد البصر لايرى المرء سوى الجبال الصخرية الجرداء .

توجد في المدينة سينما حكومية هي الأخرى مبنية من اللبن وتماثل السينما الصيفي في السماوة لأنها مكشوفة وكانت تعرض افلاما جيدة .كنا حين نرتادها نأخذ معنا بطانيات لنتقي برد الصحراء القارس . هناك مدرسة ثانوية كبيرة للبنين ، عدد طلبتها ( في ذلك الوقت ) حوالي 1500 طالبا يأتونها من مختلف مناطق وقصبات المحافظة ، لذا كان هناك قسم داخلي ملحق بها و كان الشيوعيون العراقيون ممن يحملون شهادات جامعية يشكلون كادرها برمته ماعدا مدرسيّن اثنين احدهما في الرياضيات والآخر في التاريخ وكان المرحوم ابو رياض مديرا لها .

كما يوجد في عتق مركز ثقافي يمارس فيه الشباب مختلف الأنشطة الثقافية وتقام فيه المعارض والندوات .وهناك مكتبة صغيرة لبيع الكتب وهي حكومية ..والدولة تساهم بنصف ثمن الكتاب ( وهذا النظام الوحيد في العالم العربي ) ، املا في تشجيع الثقافة .

كانت عتق في ذلك الوقت تفتقر الى وجود صيدلية ورغم أن السكان يحصلون على مختلف انواع الأدوية مجانا من مستشفى عتق المركزي لكن كانوا احيانا يلجأون لشرائها من بعض الدكاكين ومعظمها منتهية صلاحياتها .وهنا راودت ذهن الدكتور ابو ظفر فكرة مفاتحة المسؤولين في المحافظة لبناء صيدلية في المدينة . وفعلا اتصل بالأخوة المسؤولين الذين رحبوا بالفكرة وابدوا استعدادهم للمساعدة . (الأشقاء في الحزب الأشتراكي اليمني يمتلكون الحماس والرغبة العارمة في التغيير ، متواضعون الى حد كبير ، يصغون بإنتباه لكل اقتراح يطرح عليهم لغرض التطوير ويبذلون جهدهم لتنفيذه مهما كان بسيطا ّ )

طرح الدكتور ابو ظفر الفكرة على الرفاق الشيوعيين وابدوا استعدادهم للمساعدة . تمّ اختيار المكان لبناء الصيدلية وكانت بناية صغيرة مهجورة في وسط المدينة ، تمّ تجهيز مواد البناء وتطوع العديد من الرفاق للعمل ومنهم الرفيق ابو شكرية ، ابو زينب ، سلام ، ابو نشأت والشهيد صارم وغيرهم تخونني الذاكرة لذكر اسمائهم. وفي احد الأيام وبينما كان الرفاق منهمكين بالعمل ، مرّ بالمكان رجل عجوز فسأل احد المارة :” من هولاء الناس الذين يبنون ؟ “فأجابه الثاني قائلا : ” إنهم الشيوعيون العراقيون . ”


ــ إني اراهم بشر مثلنا !

ــومن قال غير ذلك ؟ إنهم ناس مثقفون وطيبون ويقدمون لنا خدمات جليلة

مستشفى عتق المركزي تمّ بناؤه من قبل الحكومة الكويتية وتبرع منها لليمن الديمقراطية . البناء مصمم كمجمع صحي كبير فيه اقسام متعددة ومجهز بأحدث الآثاث والأجهزة الطبية . كان ابو ظفر الطبيب الوحيد في مدينة عتق وكان يقوم بالتوليد احيانا وذلك لعدم وجود اي عنصر نسائي في المستشفى كممرضة أو قابلة مأذونة . في ذلك الوقت كان يوجد في المستشفى حوالي 30 منتسبا ـ مضمدين ومساعدي اطباء . طريقة الفحص الطبي تتم بقيام مساعد الطبيب بالكشف على المريض وحين يتطلب الأمر مشورة الطبيب يحال المريض اليه . إن هذا النظام يفوق ما موجود في العراق حيث يتيح للطبيب فرصة اكبر لمعاينة المريض وتشخيص حالته بدقة .

في عتق تربينا على التواضع ، فالناس هناك يعيشون في اكمل صور الديمقراطية ، لا فرق بين مسؤول كبير او آخر صغير إلا بالعمل . ورغم الصعوبة الشديدة لطبيعتهم إلا أنهم عمالقة في طموحاتهم ويخلقون شيئا من لاشيء .لذا كلفوا الدكتور ابو ظفر ليقوم بالإشراف على عمل مديرية الصحة في المحافظة .فقام بوضع البرامج المختلفة لتطوير العمل الصحي على عموم محاقظة شبوة فأصدر مجلة حائطية دورية اسماها ” مجلة الصحة والحياة ” قام برئاسة تحريرها وكتب معظم مواضيع العدد الأول منها والذي اطلق عليه العدد صفر تيمنا بالصفر . كما قام بإفتتاح مشروع رعاية الأمومة والطفولة لأول مرة في المحافظة بشكل أثار إعجاب الطبيب السويدي المكلف من قبل منظمة الصحة العالمية بصدد تطوير رعاية الأمومة والطفولة في اليمن الديمقراطية . كما ووضع اللبنات الأولى لمكتبة صغيرة في المستشفى رفدها بالكتب الثقافية وبعض الكتب والمجلات الطبية وبادر بعقد الندوات الثقافية الأسبوعية للعاملين في المستشفى . كما اسس ناديا رياضيا وجلب المعدات الرياضية لتشكيل فريق رياضي من منتسبي المستشفى ووضع نظاما للمحفزات للعاملين هناك .لذا سارعت جميع المؤسسات في المحافظة بدراسة هذه الإتجاهات الجديدة في العمل لتدخلها في برامج عملها .

من الطرائف اللطيفة التي صادفت ابو ظفر في بداية عمله في عتق هو جهله لبعض المفردات في لهجة المنطقة ، فقد كان لا يفرق بين الكلمتين ” كُمبل وشمبل ” فالأولى تعني بطانية والثانية تعني نعال ابو الأصبع . وفي إحدى المرات كانت إحدى المراجعات إمرأة مع طفلها المريض. وبعد أن فحص الدكتور ابو ظفر الطفل وكتب له العلاج التفت الى الأم قائلا : “حافظي على الطفل من البرد وغطيه جيدا بالشمبل .” وهنا فتحت الأم عينيها بتعجب وقالت : ” ايش يا دكتور اغطيه بالشمبل ؟ ” وهنا تدارك ابو ظفر الأمر وضحك وقال لها : ” اقصد الكمبل ، اعذريني لهذا الخطأ لأني اجهل لهجتكم ، سأتعلمها في المستقبل .”

في إحدى رسائل ابو ظفر التي كتبها لي من كردستان قال : ” اليمن الديمقراطية ، بلد الطيبة والعطاء ، ارض الخير والوفاء الى حد ترسخت صور هذا البلد وشعبه الكريم في ذاكرتنا . ولم اكن اغالي وقتها عندما كنت اقول انها ” مضيف الأممية ” ، ففيها ينسى الإنسان انه غريب عن وطنه وهذا احسسناه بعد مغادرتنا لها ولم يكن لدينا من سلوى في ذلك سوى اننا متوجهون الى وطننا الأم .اغلب الرفاق معي في هذا المكان هم من الذين عشنا معهم في اليمن وفي كل جلساتنا واحاديثنا ..اليمن وعدن وعتق الحبيبة تتصدر اعز الذكريات يشوبها حنين وشوق حتى الى ” مرارة ” تلك الأيام وكل واحد هنا يرسم صورأ لكيف يلتقي بتلك الأرض مستقبلا. فلا تبخلي عليهم بالعطاء وإمنحي هذا الشعب عصارة فكرك وجهدك وانقلي منا للذين أحبونا واحتظنونا في محنتنا التحية والحب وأخصهم ” اهل الرابعة ” .

يتبع