الرئيسية » مقالات » أحذروا النوم على إكليل الغار في بغداد .. ! (1-2 )

أحذروا النوم على إكليل الغار في بغداد .. ! (1-2 )

يؤكد تتبع الأحداث الجارية في العراق وجود عدد من المستجدات المهمة التي تستوجب الدراسة والتحليل بعيداً عن الشعور بالرضا لما تحقق حتى الآن أو غض النظر عن بعض النتائج الإيجابية في مجرى العملية السياسية والاجتماعية المعقدة التي يعيشها المجتمع العراقي. إذ أن ما ينتظر الدولة والمجتمع كثير جداً , إذ تؤكد الأحداث أن العراق بعيد كل البعد عن القبول بنشوء شعور بالرضا لدى المسئولين وأن الأخطار ما تزال ماثلة للعيان.
بشعور من الغبطة يلاحظ المتتبع تحسن نسبي في الوضع الأمني والذي يتجلى بثلاث مظاهر مهمة على الأقل , وهي: أ) تقلص عدد العمليات الإجرامية التي تمارسها قوى العنف والإرهاب والقتل , أياً كانت القوى التي مارست أو ما تزال تمارس ذلك ؛ ب) تقلص عدد القتلى والجرحى والمعوقين الذين يسقطون يومياً أو المختطفين , وكذلك انخفاض حجم الخسائر المادية المتأتية عن تلك الجرائم الإرهابية ؛ وج) جرأة المزيد من الناس في الخروج إلى الشوارع أو أبداء الرغبة في العودة إلى العراق من بعض الدول العربية , وخاصة من سوريا والأردن مع ملاحظة دور الدولة في ذلك.
وليس فينا من يشك بأن هذا التقلص في العمليات الأمنية نشأ حتى الآن بفعل ستة عوامل يفترض تشخيصها لكي ندرك مدى أهميتها وسبل التعامل معها , وهي:
• تحسن القدرة الفعلية لدى القوات العراقية بمختلف أصنافها وتحسن نسبي جاهزيتها وأهليتها في مواجهة قوى الإرهاب وتحسن نسبي في مستوى الرقابة عليها.
• زيادة عدد القوات العسكرية الأمريكية التي وصلت إلى بغداد ومناطق أخرى من العراق والتي ساهمت وتساهم في تنشيط وتطوير العملية الأمنية وملاحقة قوى الإرهاب مع القوات العراقية.
• بروز دور واضح للعشائر العراقية التي كانت تشارك أو تسكت عن العمليات الإرهابية أو حتى توفر الغطاء لها والتي تحولت إلى مواقع مناهضة قوى الإرهاب التابعة للقاعدة , إذ أنها أصبحت رهينة لديها عملياً , وهي العملية التي أطلق عليها بصحوة العشائر العراقية التي يفترض أن ترتبط عضوياً بدور حكومي فعال.
• قرار التيار الصدري بإيقاف العمليات العسكرية الإرهابية التي كان يمارسها جيش المهدي في مناطق مختلفة من بغداد والعراق وباتجاهات مختلفة لمدة ستة شهور.
• بروز مساومات معينة من جانب قوى إسلامية سياسية بعد معارك طاحنة في توزيع المكاسب , رغم أنها ما تزال محفوفة بأكبر المخاطر , ومنها مدينة البصرة على سبيل المثال لا الحصر.
• تحسن نسبي بسيط في الرقابة على الحدود العراقية مع سوريا وإيران على نحو خاص , حيث كان ولا يزال يتسرب منها الإرهابيون وتصدر منها الأسلحة وتوفر لإرهابيين الأموال , إضافة إلى ضبط الحدود بشكل أفضل مع الأردن.
إلا أن كل هذه العوامل متحركة ومتغيرة من فترة إلى أخرى , سواء أكان ذلك نحو الأحسن أم نحو الأسوأ , لعدد من الأسباب التي لا يمكن إغفالها إن لم تتخذ القوى السياسية الفاعلة والمسئولة في العراق الإجراءات الكفيلة بمعالجتها. ينبغي أن لا نتعب من تكرار تلك العوامل لترسيخها في أذهان الناس من جهة , ووضعها بصراحة أمام أنظار جميع العاملين في الحقل السياسي , وخاصة القوى والأحزاب المشاركة في الحكم والممثلة في مجلس النواب من جهة أخرى , وكذلك المنظمات غير الحكومية التي يفترض أن ينمو دورها وتتسع مشاركتها في التأثير على الدولة والمجتمع من مواقعها المستقلة من جهة ثالثة , إذ يفترض أن نضع الجهات الحكومية والمسئولين كانفة أمام مسئولياتهم. ألخص تلك الأسباب بما يلي:
1. اتخاذ خطوات جديدة وفق أسس أكثر حيوية وحركية على طريق التوافق الوطني وما اصطلح عليه بـ “المصالحة الوطنية” , إذ لا يمكن تصور استمرار تطور الوضع الأمني دون ذلك , بل يمكن أن ينتكس في كل لحظة , لأسباب سنعود إليها. إن هذا يعني إن من واجب الحكومة التعجيل بدراسة المطالب التي طرحت من بعض القوى السياسية وتطويرها لإقناع الكثير من القوى وتنمية الثقة المنشودة. وليست النية في إصدار عفو عام إلا خطوة مهمة على طريق تنقية الأوضاع العراقية , خاصة وأن عدداً كبيراً من هؤلاء يمكن أن يكونوا أبرياء حقاً. ولا بد لهذه النية أن تتحول إلى واقع وإجراء فعلي.
2. العمل من أجل إعادة تشكيل الحكومة العراقية باتجاهات أساسية , وهي: * وضع الوزير المناسب في الموقع المناسب من حيث الاختصاص والكفاءة والشعور بالمسئولية الوطنية ؛ * إشراك وزراء من الجماعات المستقلة والديمقراطية , إضافة إلى ممثلي الأحزاب السياسية , الكف عن التعامل مع الوضع على أساس طائفي يضيق أفق الإنسان والوطن والمجتمع في آن ؛ والكف عن التعامل مع الوزارات التي تحت تصرف ممثلي الأحزاب السياسية على أنها حكراً لأحزابهم وليست للعراقيات والعراقيين كافة.
3. لا تكفي إدانة قرار مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن إقامة فيدرالية شيعية وأخرى سنية في القسم العربي من العراق , بل يفترض كف قوى الإسلام السياسي الشيعية , وأقصد هنا بالتحديد المجلس الأعلى , عن الإصرار على إقامة فيدرالية الجنوب الشيعية وعدم تشجيع مطالبات أخرى , كما يروج لها البعض في كُردستان أو مناطق أخرى من العراق , بل الأخذ بمبدأ اللامركزية للمحافظات العربية أو في إطار فيدرالية إقليم كُردستان العراق.
4. الإصرار على حل المليشيات الشيعية والسنية القائمة حالياً , وخاصة جيش المهدي ومنظمة فيلق بدر وميليشيات هيئة علماء المسلمين أو أية جماعات مسلحة أخرى يمكن أن تكون مرتبطة بهذا الحزب أو ذاك من أحزاب الإسلام السياسي السنية أو الشيعية.
5. إعداد الحكومة الاتحادية , المنشود تشكيلها , برنامجاً للعمل على أساس وطني ومواطني وليس على أساس طائفي ضيق. وهذا يتطلب مشاركة جادة لمناقشة مثل هذا البرنامج من جهة وتضمينه بنوداً تدين وتعاقب التعامل مع المواطنات والمواطنين على أساس طائفي والتمييز بين المواطنات والمواطنين بعد كل الذي حصل في العراق. ولا شك بأهمية صدور قانون بهذا الصدد من جانب مجلس النواب وباقتراح من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة الاتحادية ورئاسة إقليم كُردستان.
6. إن البرنامج المطلوب يفترض أن يتضمن ثلاث مسائل جوهرية في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية : * الموقف من البطالة وضعف الرواتب والأجور ومستوى الدخل الواطئ وكثرة الفقراء والمعوزين الذين يعيشون تحت أو على أو فوق خطر الفقر بقليل , إضافة إلى نقص الخدمات وضعف الاستثمارات الموجهة لأغراض التنمية ؛ * معالجة مشكلة المهاجرين والمهجرين العراقيين السابقين والجدد من مخلف فئات المجتمع , ومن مختلف أتباع أديانه ومذاهبه , إذ لا يكفي أن يخشى السيد رئيس الوزراء عند الحديث عن اضطهاد وتشريد وهجرة المسيحيين أن تتدخل دول كبرى بشئون العراق الداخلية , وكأن العراق يعيش بلا تدخل أجنبي , بل أن مطاردة أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق هي نتاج لتفاعل بين تدخل خارجي معروف لنا جميعاً ومعروف للسيد رئيس الوزراء أيضاً من جهة , وفعل داخلي من جهة أخرى فوضع رؤوسنا بالرمال بحجة احتمال أن يتدخل الأجانب في شئوننا كما جاء في رسالة مكتب رئيس الوزراء حول المسيحيين غير صحيح بأي حال ؛ * البدء بمعالجة المشكلات المثارة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كُردستان بدلاً من التصريحات الصحفية المتبادلة , إذ أنها يمكن أن تتطور باتجاهات غير مناسبة وتلحق أضراراً بالعملية السياسية كلها ويمكن أن تستثمر بشكل خاص من دول الجوار ضد الإقليم والحكومة الاتحادية في آن.
7. ليس في مقدوري أن أتحدث في ظل الأوضاع القائمة عن الحرية والديمقراطية , فهي غائبة عن العراق وستبقى كذلك لفترة غير قصيرة , ولكن لا بد من اتخاذ إجراءات تسمح بتحقيق أشكال معينة منها لضمان الدفع بالاتجاه الديمقراطي. فالديمقراطية لا تتحقق في بلد من جانب قوى تؤمن بالطائفية السياسية وتعمل بموجبها وتسعى إلى فرض قوانين في ضوء الطائفية السياسية. والطائفية السياسية غير التنوع المذهبي الذي يفترض احترامه كما يحترم التنوع الديني في العراق , بل بأوسع من ذلك بكثير , ومنها على سبيل المثال لا الحصر , غياب النظام السياسي الطائفي وممارسات التمييز الديني والطائفي أو القومي وخشية الموت أو الاعتقال بسبب النشر أو التهديد الذي بدأ يمارس في العراق من خلال إيصال رسائل إلى عناصر ديمقراطية وعلمانية ولبرالية في النجف وفي مدن أخرى تحتوي على طلقة. وهي تهديد صارخ بالقتل , أدت إلى مغادرة أساتذة جامعيين وديمقراطيين مواقع تدريسهم خشية الموت على أيدي أكثر من ميليشيا واحدة. والغريب في الأمر أن بعضها يرسل تلك الطلقات في الرسائل ويتهم البعض الآخر بها , ولكنهما يساهمان معاً في ذلك التهديد , وهي محاولة للتمهيد إلى مرحلة جديدة ضد القوى الديمقراطية العلمانية واللبرالية في العراق , وهو ما يفترض الانتباه له وخاصة في محافظات الجنوب والوسط!
أؤكد إلى أن ما تحقق في العراق حتى الآن ما يزال هشاً , رغم أهميته , واستند في هذا إلى نقاط عدة , وهي:
* إن الاختلافات السياسية في المواقف آخذ بالتباعد , وخاصة في إطار قوى الإسلام السياسي التي يسعى كل منها إلى الهيمنة على الموقع الأول في السلطة الاتحادية وفي السلطات المحلية في مناطق الجنوب والوسط والغرب فيما بعد. وعلينا أن نعرف بأن الصراع من أجل السلطة كان وسيبقى يتخذ أشكالاً أخرى أكثر حدة , رغم ما يراد التخفيف منه حالياً.
* أن هذه القوى تمتلك أسلحة كثيرة ومتنوعة ومحفوظة ومحروسة بشكل جيد يصعب الوصول إليها لأنها تشارك بصيغ مختلفة بالسلطة , بل تحتل مواقع مهمة فيها , وهي مستعدة لاستخدامها , رغم نداءات السيد السيستاني بتحريم الدم العراقي , إذ أن لكل منها مرجعيته التي تختلف عن مرجعية السيد السيستاني. وبعضها الأكثر قوة وشعبية قد أجل عملياته ودوره ستة شهور. وهو أحد عوامل تقلص العمليات الإرهابية والموت في العراق , ولكن ماذا سيحصل بعد الأشهر الستة التي ستنتهي قريباً!
* ليس فينا من يقدر أو يتفق مع من يقول بأن قوى القاعدة وبنيتها التحتية قد صفيت في العراق , بل هي أشبه ما تكون بقالب ثلج حين يغطَّس بالماء , إذ يظهر منه جزءاً واحداً في حين تبقى تسعة أجزاء منه غاطسة تحت سطح الماء , أي أن هذه القوى قادرة على أن تختفي من موقع لتظهر بعد فترة في مواقع أخرى بسبب البنية التحتية التي تمتلكها.
* وعلينا أن ندرك بأن أجهزة الدولة في مختلف مجالاتها المدنية والعسكرية مخترقة من قبل قوى القاعدة أو فدائيي صدام حسين والحرس الجمهوري السابق والأمن ألصدامي. واختراقهم لا يقتصر على الأجهزة الحكومية حسب , بل أجهزة وحمايات الأحزاب السياسية السنية والشيعية أيضاً. ويمكن أن تكون الوضعية الأخيرة مع السيد الدكتور عدنان الدليمي واحدة من تلك الاختراقات التي يفترض أن تدقق بعناية وعدم التعجل بإصدار الأحكام المسبقة بشأنه رغم مواقفه الطائفية المتشددة والتي لا تختلف عن مواقف القوى السياسية الشيعية المتشددة.
* لم ينته الصراع الجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وسوريا , وهذا يعني بأن التدخل في الشأن العراقي من جانب هاتين الدولتين لن ينتهي كما يتصور ويأمل البعض , بل سيتخذ التدخل صوراً وأساليب وأشكالاً أخرى , وبعضها أكثر إيذاءً , كما حصل في التحالف مع تركيا في الأزمة الأخيرة التي أثارتها الأخيرة. وعلينا أن نتيقن بأن مكامن الخطر كبيرة من هذين المصدرين , رغم محاولات البعض التخفيف منها , إذ أنها أعمق بكثير مما يحاول أو يريد أن يصورها لنا البعض من السادة في الأحزاب الإسلامية السياسية العراقية الحاكمة أو من مستشار الأمن القومي العراقي. وما أن تحدث السيد الدكتور علي الدباغ مشيراً إلى جوانب من التدخل الإيراني ,إلا وهب ممثل وزار الخارجية الإيرانية ليهاجم الدباغ وكأنه خالف الحقيقة الواقعة التي يعيشها كل العراقيات والعراقيين , إلا من أراد ويردي دفن رأسه في الرمال حين يرى العدو قادماً إليه , كما تفعل النعامة!
* وعلينا أن نتذكر بأن الدولة التركية ستبقى تمارس الضغوط وإثارة المشكلات بوجه العراق عموماً والإقليم خصوصاً , سواء تحت ذريعة حزب العمال الكردستاني , أم بشأن التركمان وكركوك , أم بسبب وجود فيدرالية أصلاً في كُردستان العراق , التي يشعرون بالرعب منها لأنها تذكرهم باستمرار بوجود شعب كردي في إقليم كُردستان تركيا , وأن هذا الشعب مضطهد ويعاني من التمييز والتخلف والبطالة والبؤس والفاقة والتهميش الصارخ , وبالتالي سيجد هذا الشعب في إقليم كُردستان العراق نموذجاً أو صورة حية من صور حقه في تقرير مصيره.
من هنا ومن غيره يتطلب الحذر من الشعور بالنشوة لما حصل من تقدم أمني ما يزال في بداياته وما زال الموت يحصد الكثير من الناس يومياً وفي العديد من بقاع المناطق العربية من العراق , بما فيها بغداد. والحذر يعني مواصلة الجهود المبذولة على هذا الطريق مع استكمالها بالإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتطوير الإعلامي وتفعيل مجلس النواب الاتحادي , الذي يعطل نفسه بإجازات جماعية أو فردية , كلما تسنى له ولأفراده ذلك , كما يحصل حالياً بشكل جمعي , في وقت توجد أمامه جملة من القضايا المعطلة التي تستوجب البت العاجل , والذي يعبر بكل بساطة عن غياب الشعور بالمسئولية لدى الكثير من هؤلاء السادة والسيدات.