الرئيسية » مقالات » عودة إلى مقالي عن السيد أحمد الحسني البغدادي

عودة إلى مقالي عن السيد أحمد الحسني البغدادي

في أعقاب المقالة التي نشرتها بتاريخ 4/12/2007 في صوت العراق والحوار المتمدن ومواقع أخرى تحت عنوان “أليست هذه فتاوى لشيوع إسلاميين إرهابيين” , حيث ناقشت فيها التصريحات التي أدلى بها السيد أحمد الحسني البغدادي من دمشق , وصلتني يوم أمس مادة عبر البريد الإلكتروني من سيد يدعى م. ع. جاء في مقدمتها “أن المسيح مسلم موحد ..” , ثم يضيف “أولاً نحن يسعدنا ويشرفنا تكفير النصارى فديننا يأمر بالكفر بكل ما يعبد دون الله (البقرة 256). والآية 256 من سورة البقرة التي يستند إليها تقول ما يلي:
“لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.
وهذا تفسير وتأويل قمعي ومجحف لهذه الآية.
وفي ما عدا ذلك فأن المادة التي أرسلها المدعو م. ع. مليئة بالالتباسات والخرافات التي يصعب الوصول إلى رؤية عقلانية حول الموضوع معه , لأنه مفعم بالإيمان بأن المسيحيين كفرة ومشركون , وأن المسيح نفسه مسلم موحد وفق تفسيره للمسلم , في حين أن جميع أتباعه كفرة , وأن الله يأمره ويأمر غيره من المسلمين بأن يعتبروا المسيحيين كفرة , ولهذا فهو سعيد ويشرفه أن يعتبر , مع سيده الحسني البغدادي وغيره , المسيحيين من الكفرة والمشركين. طبعاً المشكلة لا تكمن في قناعة هذا الرجل , الذي لا أعرف من يكون ومدى علاقته بالحوزات الدينية الشيعية أو السنية , ولكنه كفرد له الحق في أن يؤمن بما يشاء وأن يكّفر من يشاء , ولكن المشكلة لا تكمن في مثل هذا الحق الذي يفترض أن يحتفظ به لنفسه وأن لا يوجه الاتهام لغيره لأنهم من دين آخر , بل يكمن في واقع الأمر في شيوخ الدين الكبار على امتداد الفترات السابقة الذين كتبوا وأفتوا وسوغوا ونشروا على نطاق واسع مثل هذا الحكم على غير المسلمين أياً كان دينهم .
وفي نفس اليوم وصلتني رسالة من أخ كريم يقترح عليّ أن أتحاور مع بقية أعضاء هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق لإصدار بيان يوجه إلى المؤسسات الدينية وشيوخ الدين بالابتعاد عن فتاوى تعتبر أتباع الديانات الأخرى كفرة ومشركين , إذ أن المسئولية تتحملها المؤسسات الدينية وشيوخ الدين في هذا الصدد. وإلى أن تتم دراسة هذا الموضوع فلا بد من الإشارة إلى عدد من المسائل التي يفترض أن تزاح من الفقه الديني والفتاوى الدينية التي تؤجج الخلافات بين أتباع الديانات والمذاهب المختلفة. الرسالة التي وردتني من صديق تشير إلى ما يلي :
قرأت اليوم مقالتك التي جاء فيها:
“يعتبر كل أفراد القوات الأجنبية العاملة في العراق كفرة ومشركين , رغم علمه بأنهم من أتباع ديانات عديدة , ففيهم المسيحي والمسلم وربما اليهودي , إذ أن الدول المتحضرة لا تميز بين مواطنيها وبين من يجند منهم على أساس الدين أو المذهب أو القومية أو الفكر. وهو يدعو إلى قتلهم لا بسبب كونهم قوات أجنبية حسب , بل بسبب كونهم من الكفرة والمشركين ولا دين لهم. ويرتكب الشيخ بهذا معصية لأنه يرى في كل المسيحيين واليهود كفاراً لا بد من الخلاص منهم , ومثل هذا التبشير الديني الخطر يفترض أن يواجه بإقامة الدعوى عليه ومحاكمته بتهمة التحريض على اتهامه الناس بالكفر وهم من أتباع ديانات أخرى والتحريض على قتلهم. ولا يختلف مثل هذا الشيخ عن عامة الجهلة والمتطرفين الذين يرفضون الاعتراف ببقية الأديان , رغم ما ورد في القرآن ما يؤكد أنهم من أصحاب كتاب وليسوا بكفرة”. (مقتطف من مقالة كاظم حبيب).
يبدو أننا نفهم الإسلام من خلال قراءتنا لنص القرآن وأحاديث السنة ، وهما بالأساس المصدران الأساسيان في أصول الفقه لاستنباط الفقهاء الأحكام الشرعية ، للشريعة ، التي يعتبرونها مقدسة ، رغم أن الذي أصدرها إنسان ، لا عصمة له ، فهو ليس بنبي ولا بإمام من ألمعصومين ، وهم كما تعرف اثنا عشر إماماً عند الشيعة. وبرغم أن القرآن والسنة لم يعتبرا أهل الكتاب من المشركين والكفار إلا أن الفقهاء اعتبروهم كذلك ، على الأغلب مع تطور الدولة الإسلامية وتعاملها مع أهل الذمة. ولحد اليوم يصنفون مع الكفار.
فالسيد الخميني يحدد الكافر بأنه : ” من لا يعتقد بالتوحيد أو النبوة أو المعاد أو بأحدها فيشمل : من لا يؤمن بنبوة النبي محمد ومن يشك في هذا.
والكافر نوعان : كافر حربي الذي يعيش حالة حرب ضد المسلمين. وكافر ذمي الكتابي الذي يعيش في بلاد المسلمين ملتزما بشرائط الذمة. ” عن (زبدة الأحكام من فتاوى الخميني نشر منظمة الإعلام الإسلامي عام 1404 هجرية طهران )
وعند الخوئي في منهاج الصالحين ، المعتمد على فتاوى محسن الطباطبائي الحكيم يعتبر “الاسئار كلها طاهرة إلا سؤر الكلب والخنزير والكافر غير الكتابي ، بل الكتابي أيضا على الأحوط وجوبا “.( التشديد مني منهاج الصالحين ، الطبعة الحادية والعشرون ج 1 ص 25 ) وهذا الحكم موجود قبل الحكيم أيضا , إذ أتذكر أن جدي في الأربعينات والخمسينات كان يطلب مني أن أعلي فمي عندما أعود معه من بيت أصدقاء يهود أو مسيحيين ، وعندما أمتنع عن ذلك وأقرأ له آية ” وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ” كان يجيبني أن علينا الأخذ بقول المجتهد.
وأما السيد السيستاني ففي المسائل المنتخبة المطبوع في قم عام 1996 نشر مؤسسة المنار فيحدد :النجاسات عشر منها : 6-7 الكلب والخنزير البريان 8- الكافر :وهو من لم ينتحل دينا ، أو انتحل دينا غير الإسلام ، أو انتحل الإسلام دينا أو جحد ما يعلم أنه من الدين الإسلامي…..
وأما الفرق الضالة المنتحلة للإسلام فتختلف الحال فيهم :
فالنواصب وهم المعلنون بعداوة أهل البيت فلا إشكال في نجاستهم .
… وأما الكتابي ( وهو أيضا منتحل غير الإسلام دينا ) فالمشهور نجاسته و لكن لا يبعد الحكم بطهارته وان كان الاحتياط لا ينبغي تركه ، وأما المرتد فليحقه حكم الطائفة التي لحق بها.
ولا فرق في نجاسة الكافر والكلب والخنزير بين الحي والميت و لا بين ما تحله الحياة من أجزائه وغيره.) ص 81-82 .
وهكذا ترى تشابه الأحكام لدى الحسني والآخرين ، وهي أحكام فقهية قديمة يأخذها اللاحق من السابق دون الإلتفات إلى تغير الزمان ، ولربما اعتمادا على ما يقوله مثلا الخوئي عن منهاج الصالحين للسيد محسن الحكيم من أن : ” حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه حتى لمجتهد آخر ” مسألة 26 ص11 المصدر المشار إليه أعلاه. ولكنها لا تجد تطبيقها في الحياة اليومية”.
وينتهي الصديق الكاتب بالقول “ويمكن التنويه ببيان من هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق تناشد فيه الإلتفات إلى ضرورة الانتباه إلى مثل هذه الأحكام التي تسيء إلى المساعي الحميدة التي يقوم بها السيد السيستاني لوحدة كل الأديان والطوائف والأقوام في العراق”. (نص الرسالة المؤرخة في 4/12/2007).
أوردت هذه النصوص , التي أمتلك الكثير منها والتي لا تساهم في وحدة الشعب العراقي بكل مكوناته الدينية والمذهبية , بل تساهم في تشديد الصراع الديني والمذهبي التكفيري , لكي أدعو إلى ثلاثة إجراءات أساسية , وهي:
1 . دعوة المؤسسات الدينية وشيوخ الدين في العراق بشكل خاص إلى إصدار ما يؤكد حرمة جميع الأديان والمذاهب وعدم المساس بها والكف عن اعتبار أتباعها كفرة ومشركين , إذ لا يجوز ذلك ومخالف لحق أساسي من حقوق الإنسان.
2 . توجيه كتب التربية والتعليم في العراق حين الاعتراف المتبادل بالأديان والمذاهب والتسامح والأخوة بين الناس بغض النظر عن الدين أو المذهب أو القومية أو اللون أو اللغة …الخ.
3 . دعوة الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمحاسبة ومعاقبة من يحاول إثارة الفتن الدينية والطائفية في المجتمع العراقي من خلال اتهام أتباع الديانات والمذاهب الأخرى بالكفر والشرك.
إن الكثير من الممارسات المخالفة للدستور العراقي ترتكب بفعل وجود فتاوى من النوع الذي ورد في أعلاه , في حين تبذل بعض الجهود لتعزيز وحدة الشعب العراقي , رغم كونها جزئية ولكنها مهمة مثل الخطوة التقديرية الجيدة التي اتخذها رئيس الحكومة العراقية بإرسال وفد لحضور حفل تسمية غبطة عمانوئيل دلَّي كاردينالاً في الفاتيكان , أو تحريم الدم العراقي كلية وليس دم المسلم وحده.
إن هذه المشاكل الدينية والاجتماعية ستبقى قائمة ما لم تبادر المؤسسات الدينية إلى خطوة جريئة ضد التمييز بين الأديان والمذاهب وضد تكفير أتباع أي دين مهما اختلف الإسلام معه , لأنها يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى صراعات ونزاعات سياسية , كما عاشها العراق ولا زال يمر بها من اعتداءات صارخة ضد أتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين واعتداءات متبادلة أخرى بين أتباع المذاهب المختلفة من خلال قواها المسيّسة وميليشياتها المسلحة. إن الهدوء النسبي السائد سيعود على الساحة العراقية ما لم ترد المؤسسات الدينية على الدعوى العدوانية التي وجهها الحسني البغدادي امتثالاً للتيارات القومية والبعثية الشوفينية وقوى الإسلام السياسية المتطرفة والإرهابية لإشاعة الفوضى والقتل في العراق.
5/12/2007 كاظم حبيب