الرئيسية » مقالات » المثقف الكردي المهووس بالنقد العدمي

المثقف الكردي المهووس بالنقد العدمي

عجيب امر بعض “مثقفينا ” الذين يدعون تحقيق البطولات الكبيرة من خلال بضع مقالات، ويزمجرون كثيرا من خلال غرف البالتوك حيث يجلسون هناك 24 ساعة يتكلمون عن تحرير كردستان دون ان يرف لهم جف. وتراهم حين يزبدون ويرغدون وكان البعض منهم كريستوف كولومبوس العصر، حلل وفكً رموز (شيفرات ) ازمة العصر الراهن ، رغم انه عاجز عن تحليل وضعه وادارة ذاته وتحديد موقعه الصحيح في الواقع الكردستاني، هذا “المثقف” يركز في مقالاته على اصطفاف الكلمات اكثر من تحليل وضع ما وفق حقيقته المعاشة ، حيث يغيب عنها منطق فكري ذو منهجية واضحة و ارادة حرة.

اذا كان هذا حال ” مثقفنا ” المسكين، فكيف له ان يقوم بفك رموز قضايا المجتمع الكردستاني المتشعبة والمتداخلة والتي تراكمت عبر الاف السنين نتيجة الظلم والاستعمار . فمن المعروف ان الكثير من الدول انهارت وفشلت في حل قضايا شعوبها ،رغم توفر الامكانيات المادية والتقنية والفنية والكادرية والعلمية والمادية والسياسية والديبلوماسية الكبيرة لديها، وذلك نتيجة عدم تفكيكها الصحيح لرموز المعادلة في حل قضاياها.

وفي النتيجة تظهر لوحة فيها الشعوب بمشاكلها وقضاياها التي تعانيها في واد ، والدولة او الحكومة في واد اخر . لذلك لاتعرف هذه الأنظمة ما يعيشه الشعب وماتعانيه من مشاكل وقضايا وما تهدف اليه . فكم من حكومة استقالت وكم من رئيس دولة استقال عن منصبه، رغم انهم كانوا يملكون المليارات من الامكانات المادية والالاف من التقنيين والفنيين ورجال الاعمال وغيرهم ، وحتى الدول المعاصرة والديمقراطية تراها خلال دورة انتخابية قد انقلبت على امرها ، وياتي حزب آخر بدلا عنه متخذاً زمام الامورفي يدها ، نتيجة عدم رد الاخر على المطالب الجماهيرية والشعبية وعدم ايفائها للوعود التي وعدت بها شعبها رغم عملها الكثير من اجل تحقيق تلك البرامج. فقضية الخوض في مسالة تحرير الشعوب من الظلم والوصول الى الحرية ليس بالسهولة التي يعتقدها “مثقفنا” .

“فالمثقف” الذي قراء بضعة اسطر، يريد ان يجعل من نفسه منظراً وفيلسوفاً للمجتمع الكردستاني المليء بالقضايا والمشاكل المتراكمة عبر التاريخ والذي مايزال يعيش ويهيمن عليه النزاعات العائلية والعشائرية والقبلية والمحلية والطرائقية والدينية. شعب طبق بحقه سياسة التجهيل والتخويف والتجويع والاستغلال ، وبقي امياً جاهلاً، لا يعرف كتابة او قراءة اسمه ان جاز التعبير .فعند الخوض في مشاكل مجتمع كهذا ، يتطلب من كل محلل فهما واقعيا وموضوعيا لهذا الواقع ومعرفة كيفية التعامل معه من اجل تحقيق التقدم في مسيرته نحو الحرية والمساواة والا فان كل مداخلة في بحر مشاكل المجتمع الكردي لن تزيد الطين الا بلة والنار إلاً اشتعالاً.

ان عملية التوغل في دواخل المجتمع الكردستاني بقضاياه المعقدة والتي تعجز الدول الكبيرة عن ايجاد الحلول الناجعة لها ليس بالامر البسيط ، بل هي عملية صعبة كمن يسير فوق الصراط المستقيم لان تراكم القضايا والمشاكل عقد الأمور اكثر. فلا بد من تحليل هذا المجتمع بشكل جيد من قبل المثقف الكردي بعيدا عن الخيالية والطوباوية كمن فعل طوباويو القرن التاسع عشر من اجل المجتمع الاشتراكي . وهذا التحليل الصحيح سوف يقوده الى انتخاب شكل التنظيم واساليب النضال الصحيحة.
هناك الكثير من التنظيمات التي تخوض النضال من اجل المجتمع الكردستاني وقد قطع الكثيرون منها مسافات هامة جدا في فهم وتحليل الحقيقة المجتمعية وطورو اساليب الحل الصحيح، وتاتي على راس هذه التنظيمات حركة الحرية الكردستانية، التي تناضل منذ ثلاثة عقود او اكثر، وعلى جميع الصعد الفكرية والنظرية والتنظيمية والسياسية والعسكرية من اجل نزع الحقوق الكردية المشروعة. وقدمت الكثير من المشاريع الموضوعية التي مكنتها من الرد على متطلبات المجتمع، وهذه المشاريع والحلول لم تكن هكذا او نتيجة تصورات خيالية بعيدة عن العلمية والواقعية كما يطرحها ويناقشها الكثيرون، بل هي نتيجة جهود الملايين ودماء الالاف وثمرة التجارب السياسية والتنظيمية والعسكرية المستنتجة من النضال الطويل والشاق ، اضافة الى الاستناد الى التجارب الكردستانية المفيدة عبر التاريخ والتي ساعدتها الى الوصول الى التحليل الصحيح لتاريخ يدوم اكثر من خمسة عشر الف عاماً، منذ العصر النيولتيكي وفق منهجية معاصرة متطورة تبحث عن الافضل متوجة بنظرية المجتمع الايكولوجوي الديمقراطي الجنسوي ومشروع الكونفدرالية الديمقراطية المجتمعية .

اي ان هذا المشروع لم ياتي اعتباطيا او دون هدف، ولذلك فان الاقتراب من حركة الحرية الكردستانية، وتقديم الانتقادات لها هي موضع فخر بالنسبة للحركة وخاصة الانتقادات التي تصب في خدمة تطوير الحركة، وهنا اريد ان أنٌوه الى نقطة هامة بصدد النقد وهو انه لا بد من النظر اليه على انه سلاح ذو حدين يتطلب معرفة استخدامه الصحيح في الزمان والمكان المناسبين والا انه سيتحول الى نقدٍ هدٌام ذو احكام مسبقة لن يفيد المجتمع والحركة الكردستانية بشيء وسيزيد من تعقيد المشاكل وستكون عبارة عن جملة قضايا اخرى تضاف الى المشاكل والمصاعب التي تظهرها الدول المهيمنة على كردستان.
في هذا الوضع لا بد من اجراء مقارنة علمية واقعية على ما عاشته الحركة من على جميع الصعد فحركة خاضت النضال لاكثر من ثلاثة عقود مع الاعداء المهيمنين على كردستان اضافة الى المؤامرات والحيل المرتكبة تجاه الحركة من قبل القوى العالمية والمحلية واستخدام الاكراد انفسهم من اجل تصفيتها. تجاه هذه المؤامرات والمشاكل والصعوبات التي تظهر امام الحركة في عملية نضالها لا بد ان ترتكب الاخطاء ، وخاصة ولاول مرة تظهر مثل هذه الحركة وتحمل اعباء المجتمع الكردستاني من جميع النواحي وتحمل لواء الثورة المعاصرة في حل المشاكل من على جميع الصعد من خلال تقديمها للكثير من المشاريع بهذا الصدد .

فمن اجل الحكم العادل على الحركة التحررية وتقييمها بشكل موضوعي من قبل الكتاب والمثقفين والنقاد وغيرهم ممن يرون في ذواتهم القدرة على تحمل هذا العبأ الكبير لهو من دواعي سرور هذه الحركة ، لانها هي التي قدمت وتقدم نقدها الذاتي من خلال الكثير من التحليلات والتقييمات والكتب، فالحكم العادل يتطلب نظرة موضوعية الى نضال وعمل الحركة وما قامت بها وما خاضته من نضال وانجزته من منجزات، عبر تحليل علمي اخذا بعين الاعتبار ظروف المجتمع الكردستاني قبل وبعد ظهور هذه الحركة من على جميع الصعد الوطنية والسياسية والتنظيمية والفكرية والنضالية والعالمية، بعيدا عن الاتهمات التي لا تفيد ولاتنجز سوى تقديم خدمة للاعداء والاستعمار دون مقابل .

فعندما لا يقدم انسان كدحا وجهودا في نضالات المجتمع الكردستاني يقترب من دون مسؤولية من هذه الحركات المناضلة لانه في الاصل لا يهمه امرها ولم يكن في صفوفها يوماً ما ، وموقعه غير واضح ولا يحس بمسؤوليته تجاهها .فقبل كل شيء ، اذا كان المثقف او الناقد او المحلل صادقا مع كتاباته وافكاره يتطلب منه ان يحدد موقعه في صراع الحياة مع الموت الدائر بين الشعب الكردي المظلوم وبين القوى المهيمنة التي تحاول فرض الاستغلال والاحتلال وتمنعه من العيش بحرية وكرامة ومن تقرير مصيره بارادته الحرة في اختيار نمط حياته وتنظيمها .ومن جانب اخر اذا كان الانسان يدعي كثيرا وينقد كثيرا ولكن في الممارسة العملية لا يقوم بشيء فلن يتجاوز جمله لفظانية وسفسطة وديماغوجية تحاول اللعب بالعواطف والمشاعر لان مسالة حرية الشعب قضية كبيرة وجبارة وفاتورتها كبيرة وضخمة ويتطلب الخوض فيها الكثير من التضحيات فاذا كنت بمنأى عن هذا ولن تكون قريبا من هذا النضال، فكيف تقوم برد او انكار الذين يضحون باغلى ما يملكون في سبيل هذا الوطن .

هل “مثقفنا” المسكين على علم بهذا الحقائق النضالية التاريخية في مسيرة الشعوب والمجتمعات ، وكيفية نضالهم ووصولهم الى الحرية ؟، هل يعرف ويفهم مسالة التضحية والفداء بالذات من اجل الوطن والشعب ، وماذا يشعر ويحس به المناضل حين يواجه الموت وجها لوجه ؟ هل يعرف كيف يفجر المناضل الكردستاني الحقد التاريخي المتراكم للشعب الكردي على الاعداء حين الهجوم عليه ؟ هل يمكن تحرير مجتمع من العبودية عبر بضع مقالات ، اذا كان هذا صحيحا فقد ظهر الكثيرون من الكتاب والنقاد الذين وبميراثهم الكتابي والفكري الكبير تجاوزا هؤلاء المثقفين اليتامى والذي لا يمكن المقارنة بينهم اصلا، وبكتابتهم لمقال او قراءتهم بضعة اسطر ينظرون الى انفسهم بعيدا عن العلمية وكانهم اخترعو نظرية انقاذ الشعوب من الازمات والظلم . وتجاوز فلاسفة التاريخ بدءا من زردشت الى ارسطو الى القائد والمفكر الكردي اوجلان .

للانسان حق الحديث والكتابة والتعبير عن اراءه وخاصة نحن في عصر الديمقراطيات ، التي يعتبر مسائل حقوق الانسان من القضايا الاساسية والرئيسية للعصر .ولكن كل املنا في ان نستخدم هذا الحق بما يفيد المجتمع وان يكون النقد الذي نتقدم به نابعاً من دراسة تحليلية للمجتمع الكردستاني من حيث المشاكل والقضايا التي تعانيه والمواقع التي تشغلها من على جميع الصعد السياسية والاجتماعية والجغرافية والتاريخية وما يتطلب لذلك من تنظيمات علمية عملية واقعية تستطيع تنظيم قدرات هذا الشعب بالاعتماد على امكانياته العملية . والا سيكون حال مثقفنا كما عرّفناه في بداية المقال، ولن يتجاوز المثقف الميؤس اليتيم الذي لا حول ولا قول له الا بالاعتماد على الغير والسرقة من الغير وهذا ما لا نفع فيه وسيثقل من عبأ هذا الشعب والوطن اكثر .

لذلك فعند الخوض في امور الحياة من النواحي التعليمية والتثقيفية فهي من المجالات الجدية ويتطلب ان يكون الانسان جديا في هذا الصدد من خلال قراءته للواقع لكي يصبح مساهما في حل القضايا لا كابحا يعيق حركة سير المجتمع .