الرئيسية » مقالات » الأزمة الباكستانية -حصاد مُر من العداء للديمقراطية وتشجيع الغلو والتطرف الديني

الأزمة الباكستانية -حصاد مُر من العداء للديمقراطية وتشجيع الغلو والتطرف الديني

تكاد تتجاوز باكستان اليوم العراق من حيث دوامة العنف والتطرف وحجم ضحاياه ودماره. وتثير الأحداث في الباكستان قلقاً أكثر لدى المجتمع الدولي بسبب ما يوجد في ترسانتها العسكرية من أسلحة ذرية وتقليدية ذات قدرة تدميرية هائلة، إضافة إلى التهديد الذي تتعرض له البلاد الآن من التيار الديني المتطرف، بحيث تحولت مناطق من باكستان إلى قلاع وقواعد للإرهاب الدولي.

مقدمة تاريخية

أُعلنت باكستان كدومنيون، ضمن منظمة الكومنولث البريطاني، بقيادة العصبة الإسلامية وزعيمها محمد علي جناح في عام 1947، وبعد إعلانها الإنفصال عن الهند وإشتعال نار الحرب المريرة بين الهند وباكستان على أساس ديني. وأطلق على البلاد إسم پاكستان، أي بلاد الطاهرين، نكاية بالهندوس الذين كانوا يعتبرونهم من الأنجاس. وفي عام 1956 أعيد تسميتها لتصبح جمهورية باكستان الإسلامية، وقد ضمت إقليم بلوجستان والبنجاب والسند والبنغال والإقليم الغربي الشمالي وكشمير الغربية. وواجهت البلاد جملة من المشاكل والإضطرابات والحروب مع جارتها الهند، وأدى ذلك إلى إنفصال البنغال في أقصى الشرق من باكستان، وتشكيل جمهورية بنغلاديش عام 1971.
وُضع أول قانون أساسي للبلاد في عام 1956، حيث حدد نظام الدولة على أنه نظام جمهوري برلماني. ولكن ما لبث أن حدث إنقلاب عسكري قاده الجنرال أيوب خان في عام 1958، والذي جرى بعد التطورات العاصفة التي حدثت في المنطقة، وخاصة في العراق إثر ثورة 14 تموز عام 1958، وتم إلغاء الدستور. وأصبح هذا الإنقلاب مؤشراً على بداية هيمنة العسكر على الدولة في باكستان. قام الإنقلابيون بتدوين قانون أساسي جديد في عام 1962، نص على تمركز كل السلطات بيد رئيس الجمهورية. ولكن بعد حين تم أزاحة أيوب خان بعد الإضطرابات التي حدثت في عام 1969، حيث أعلنت الأحكام العرفية وألغي دستور عام 1962. في عام 1973 وبعد 13 عاماً من حكم العسكر، وصل إلى الحكم ذو الفقار علي بوتو. ومع إنتخاب علي بوتو تم تغيير النظام السياسي في باكستان ليصبح نظاماً فدرالياً. إلا أنه وبعد أربعة سنوات من الحكم المدني، تمت الإطاحة بذي الفقار علي بوتو على يد الجنرال ضياء الحق. وجرت محاكمة بوتو، وتم الحكم عليه بالموت شنقاً ونفذ هذا الحكم فوراً. ولم يكن حدوث هذا الإنقلاب بمعزل عن تصاعد الحرب الباردة، حيث تلقى ضياء الحق الدعم الواسع من قبل الولايات المتحدة ومن قبل دول الخليج النفطية وخاصة العربية السعودية، وهو تدخل مريب لهذه الدول في الشؤون الداخلية لدول أخرى بحيث أنها تسعى في بلدانها إلى إعمارها جراء تعاظم مداخيل النفط، في حين إنها تصرف ما زاد عن حاجاتها من مداخيل النفط على من يدمر بلدان أخرى تحت واجهات دينية متطرفة. كما وإنضمت جمهورية الصين الشعبية إلى القوى التي ساندت بقوة ضياء الحق، حيث إستغلته في نزاعها مع الإتحاد السوفييتي والهند. وتحول النظام السياسي في البلاد إلى نظام ديني مستمد من أكثر المذاهب الإسلامية تطرفاً وهو المذهب الوهابي. وراجت في البلاد موجة من التعصب الديني بفعل تدفق رجال الدين المتطرفين من السعودية وغير السعودية حاملين الأموال الضخمة لنشر دعوتهم المتطرفة. في عام 1988 قتل ضياء الحق في حادث مجهول عند سقوط طائرة عسكرية،ولم يكن ذلك بعيداً عن طموحاته في بناء ترسانة نووية في باكستان. وأعقب ذلك عودة البلاد إلى الإستحقاقات الدستورية. فبعد إجراء إنتخابات برلمانية، فاز حزب الشعب الباكستاني بزعامة بينظير بوتو، وشكلت وزارة برئاستها. ولكن الحكومة غرقت في آتون الفساد الإداري والمالي وتمت الإطاحة بها في عام 1990. وبعد إجراء إنتخابات جديدة، فاز نواز شريف، زعيم العصبة الإسلامية، بأكثرية مقاعد البرلمان وشكل وزارة برئاسته، ولكنه سرعان ما أطيح به بتهمة الفساد الإداري والمالي في عام 1993. وجرت الإنتخابات من جديد لتعود بينظير بوتو إلى سدة الحكم لتصبح رئيسة للوزراء. ولكن أطيح بها من جديد في عام 1996 وبنفس التهم حول الفساد والرشوة. وفي عام 1997 عاد نواز شريف مجدداً إلى الحكم بعد فوز حزب العصبة الإسلامية في الإنتخابات، الذي أطيح به إثر إنقلاب عسكري قاده الجنرال پرويز مشرف في 1999. وأعلن مشرف نفسه رئيساً للجمهورية، وبقي في منصبه بعد أن نظم إستفتاء شعبي، وتم أيضاً العمل بمبدأ الفدرالية في بناء الدولة الباكستانية.

معضلات سياسية وإجتماعية وإقتصادية مستعصية

تعاني باكستان من مشاكل مستعصية في مجال التشريع. فهناك في البلاد مجلسان تشريعيان، هو البرلمان وينتخب من قبل الشعب وعدد أعضائه 342، ومجلس الشيوخ الذي ينتخب من قبل رئيس الجمهورية وعدد أعضائه 100. ولا يمكن إصدار أي تشريع دون موافقة المجلسين، وهذا ما يعرقل إتخاذ أية تشريعات متوازنة تخدم تعزيز الديمقراطية في البلاد وتحل مشاكلها. كما يعطي التشريع الجاري الآن لرئيس الجمهورية الحق في حل البرلمان متى شاء. كما لا يمكن تنفيذ القرارات التشريعية دون أن تحظى بموافقة رئيس الجمهورية. وهذا التشريع ينسف أركان الديمقراطية ومبدأ العودة إلى رأي الشعب في كل القرارات.
ومن المشاكل المستعصية التي تواجه البلاد هو النمو السريع للسكان، والذي يجري ضمن الهجوم الديني المتطرف على باكستان في السنوات الأخيرة. كان عدد نفوس باكستان في عام 1977 قد بلغ 75 مليون نسمة. ولكن أرتفع هذا العدد في السنة الحالية ليتحاوز 167 مليون نسمة، أي إرتفاع يزيد على الضعف خلال ثلاثة عقود. ويتوزع السكان بين الريف بنسبة 69% و 31% في المدن. هذا الإرتفاع السريع في السكان، وفي ظل الإمكانيات المحدودة جغرافياً ومادياً، لا يؤدي إلاّ إلى تعمق الأزمة الإقتصادية وزيادة الفقر بين شرائح المجتمع. وهذا ما يوفر أرضية مناسبة لإنتشار الفساد والعنف والتطرف الديني في المجتمع.
وتفاقمت المشاكل في المناطق القومية بسبب إهمال الحكم في حل المشكلة القومية في البلاد، خاصة وإن باكستان تتكون من 32 قومية، هذا ناهيك عن التنوع المذهبي فيها. وفاقم من هذه المشكلة تخلف الحكم عن إنعاش المناطق القومية إقتصادياً، حيث إقتصرت التنمية على المدن الكبرى التي تمركز فيها السكان بشكل سريع بحيث أصبح 10 ملايين شخص يقطنون في كراجي وحدها.
ومما يزيد الوضع الإقتصادي تعقيداً هي النفقات على التسلح وخاصة على التسلح النووي وبناء الصواريخ البالستية البعيدة المدى، في ظل التوتر الدائم بين الهند وباكستان منذ إعلان إستقلال البلدين في عام 1947. إن باكستان بفعل تحالفاتها الدولية تتلقى عوناً عسكرياً من قبل الولايات المتحدة والصين وبعض الأطراف الخليجية. إلاّ أن ما يخصص للميزانية العسكرية بلغ في هذا العام حسب الإحصائيات الرسمية مبلغ يقارب 4 مليار دولار، أي 6% من الميزانية الكلية للدولة. ورغم أن هذا الرقم لا يتكلم عن حقيقة المبلغ الواقعي المخصص للنفقات العسكرية، إلاّ أنه يشكل عبئاً على الميزانية الباكستانية التي يتعاني من العجز في المدفوعات. فما تصدّره باكستان إلى الخارج يبلغ قرابة 17 مليار دولار ، في حين أنها تستورد بضائع من الخارج تبلغ قرابة 31 مليار دولار.

إصلاحات غير جذرية

إستلم مشرف بعد الإنقلاب بلداً يقع على حافة الهاوية إقتصادياً وإجتماعياً ومنبوذاً على النطاق العالمي بسبب دعم الحكومات السابقة للتيارات المتطرفة ولحكومة الطالبان في أفغانستان. وبادر إلى القيام بعدد من الأصلاحات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في البلاد. فقد قطع علاقاته مع التيارات الدينية المتطرفة في البلاد ومع الطالبان الأفغان. وأصبحت باكستان الحليف الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد أحداث سبتمبر عام 2001. كما إتخذ خطوات للتهدئة مع الهند والحد من مظاهر التوتر معها وآثارها الإقتصادية على البلاد.
كما قام بمبادرات ترمي إلى الحد من التقييد على الحريات وخاصة حرية الصحافة. وأعطى المجال للنساء بالحصول على حرية أوسع في ممارسة حقوقها بعد التقييد الذي فرض عليها في ظل الحكومات السابقة. كما توجّه إجتماعياً إلى تعزيز مكانة ودور وحجم الفئات المتوسطة والفئات المرتبطة بالإنتاج الحديث، بإعتبارها الضمانة للإستقرار الإجتماعي، ومحاولة لتطويق الفئات الإجتماعية التي يستند إليها التيار الديني المتطرف في البلاد. وقام مشرف بتطبيق برنامج يهدف إلى تطويق نسبي لدائرة الفقر في البلاد. وقد خُصص مبلغ 17 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية على هذا البرنامج مما أدى إلى تقليص الفقر من 35% إلى 25% بين سنة 2000 إلى 2001، علماً إن هذا البرنامج قد طبق بشكل أبطأ في المناطق الحضرية مقارنة بالمناطق الريفية.
هذه الإصلاحات تذكرنا بالإصلاحات المبتورة لشاه إيران والتي عُرفت بالثورة البيضاء. فالإصلاحات الباكستانية التي سمحت بإنتعاش نسبي للفئات المتوسطة الحديثة، لم يرافقها تطور في النظام السياسي نحو الديمقراطية. فقد ظل النظام عسكرياً لا ديمقراطياً مما أدى إلى صدامه الحاد حتى مع الفئات التي عمل على إنعاشها وهي الطبقة المتوسطة. وبرزت الصدامات الحادة مع القضاة والمحامين والطلبة ناهيك عن الصدام الحاد مع التيارات السياسية الليبرالية التي تتزعمها بينظير بوتو ونواز شريف وعمران خان. إن الإعتماد على الجيش وقوى الأمن في فرض النظام بالقوة لم يوسع من قاعدة النظام بقدر ما أدى إلى ضيق هذه القاعدة الإجتماعية. ولم تتناسب الإجراءات الرامية إلى الحد من الفقر مع الإنفجار السكاني مما أدى إلى بقاء الأزمة الإقتصادية تراوح في مكانها، مع شمول نصف السكان لموجة الفقر التي تسود البلاد. ولم يستطع مشرف أن يمد الجسور الثابتة مع التيارات السياسية الليبرالية التي لها مصلحة في معالجة الإرهاب والسير على طريق الإستقرار. فبعد العفو عن بوتو وغيرها، سرعان ما لجأ مشرف من جديد إلى الهراوة العسكرية لضرب هذه التيارات وفرض حالات الطوارئ والأحكام العرفية. كما لم يستطع مشرف أن يحد من تأثير التيار الديني المتطرف على الأجهزة الأمنية والجيش والتي أصبحت تحت تأثير المتطرفين الدينيين منذ أن ورّطت باكستان نفسها في الضلوع في النزاع الأفغاني. وهكذا أصبحت باكستان، وخاصة مناطق مهمة منها، تدور في فلك القاعدة وحركة طالبان بشكل أكثر ما هو موجود في أفغانستان نفسها. وفي الواقع أن الدولة بمجموعها أصبحت رهينة للتيار العالمي المتطرف، والذي يقود شيوخه من الأراضي الباكستانية العمليات الإرهابية في العراق والجزائر والسعودية والدول الأوربية وغيرها من بقاع العالم.

الورطة الباكستانية

إن الجميع حيرى في مكافحة هذا الداء الخطير الذي ساهمت فيه الحكومات الباكستانية المتعاقبة إلى جانب الولايات المتحدة والدول العربية الخليجية. لقد إستغلت باكستان القضية الأفغانية في البداية من أجل الحصول على الأموال ومد نفوذها داخل أفغانستان وردع التأثيرات الديمقراطية التي حدثت في أفغانستان بعد تسلم حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني في عام 1978، علاوة على المسعى المشترك مع حلفائها للحد من النفوذ السوفييتي في المنطقة. إلا أن هذا المسعى فشل، وإنقلب السحر على الساحر. وأضحت باكستان اليوم حبيسة لإرهاب بشع، وتعوم في بحر من عنف وفوضى منفلتة تُصدّر من الأراضي الباكستانية، وليس من الأراضي الأفغانية، إلى جميع بقاع العالم وبما فيها الدول التي موّلت هذا الإرهاب في البداية. إن تدفق الأموال الهائلة على باكستان أثناء الحرب الأفغانية أدى إلى أرتباط إقتصادي لفئات غير قليلة خاصة من سكان المناطق الحدودية مع التيارات المتطرفة والإرهابية، وإنتعاش كبير لزراعة المخدرات وتسويقها. كما أدى ذلك إلى إرتهان أهالي تلك المناطق إلى الفكر التكفيري المتخلف الذي يرمي بشروره على العالم الآن. وليس من باب الصدفة إن غالبية من يشاركون في أعمال إرهابية أو يروّجون للتطرف والإرهاب هم أما من الباكستانيين أو ممن يتلقون التدريب على الأراضي الباكستانية والقادمين من السعودية ومصر والجزائر والمغرب وغيرها من بؤر التطرف.
ولا يحرر باكستان من الورطة التي خلقها حكامها المتعاقبون والتيار الإرهابي إلا بالعودة إلى قواعد العمل الديمقراطي الذي سيحد من التطرف الديني وكوارثه، وفك الإرتباط بين الدين والسياسة الذي تكرّس في باكستان أثناء حكم ضياء الحق، والإعتماد على الفئات الإجتماعية الحديثة والطبقة المتوسطة كي تتحرر البلاد من العبأ الإرهابي الذي أصبح وبالاً على باكستان، بل وعلى العالم أجمع. أن الأزمة الباكستانية أصبحت في صميم إهتمامات الرأي العام العالمي الذي يقع عليه واجب يد المساعدة كي تخرج البلاد من هذا النفق المظلم.
6/12/2007