الرئيسية » مقالات » شافيز 2050

شافيز 2050

دشنها ستالين في صراعه على الكراسي مع مجموعة ترو تسكي المعارضة له , ولإزاحة أي شخصية قويه لاترغب في تحول الحزب الشيوعي السوفياتي إلى قفص دجاج , والدولة الاشتراكية الوليدة إلى إمبراطورية روسية أخرى مترامية الأطراف والنفوذ , يحكمها قيصر أزلي , يستبدل عصا فرض الطاعة المطلقة من الجماهير لكونه منفذ إرادة الله في الأرض , بالقبضة الفولاذية لأجهزة امن الدولة , ويتحول أي معارض للتحكم إلى عميل للامبريالية , مقرر له القتل , حتى لو كان تروتسكي نفسه , مؤسس وقائد الجيش السوفيتي والأجهزة الأمنية التي جعلته ضحيتها , ونال ستالين التهاني والطاعة من الكوادر والقيادات , الخائفة على التجربة من الفشل , وعلى نفسها من الإبعاد أو القتل , ومن الأعداء المتربصين في الداخل والخارج , ولكن مايبنى على خطأ وباطل ورغبة في الحكم المطلق , لاتكون نتيجته إلا الخذلان والفشل , وخسارة تأييد الجماهير , فهل قرأ شافيز التاريخ ؟ وهو يحول العام إلى خاص به , وفنزويلا الجمهورية رويدا رويدا إلى دولة حكم فرد مطلق الصلاحيات ويهدم بيديه وطباعه العسكرية البدائية للسلطة , مابناه هو ومن حوله من قيادات وطنية , من ثقة متبادلة مع الجماهير , الراغبة حتما بوجود رئيس قريب من تطلعات وأماني الفئات الشعبية , والرافضة وبالغريزة التاريخية لتحويله إلى صنم مطلق الصلاحيات , ابدي الزعامة .
يريدها ملكية , طلائها الصبغة الاشتراكية , القريبة من قلوب و وعي الجماهير والمعبرة عن إرادتها , يعلم جيدا إن عصر الدكتاتوريات الفاشية , والرئيس القائد التاريخي الملهم والمحبوب , والاهم المستمر والمستقر فوق كرسي الحكم , قد ولى من القارة الأمريكية اللاتينية إلى غير رجعة , كحتمية تطور وتاريخ لايمكن له أبدا التراجع للوراء و فاليمين عموما والقوى المحافظة قد طورت أدائها , ودخلت مرحلة الانتخابات والدساتير بتأييد واضح ومفهوم من القوى العالمية الساندة لها وتحديدا الولايات المتحدة وأوربا , التي ماعادت بحاجة إلى عميل متفرد أو دكتاتور يضر أكثر مما ينفع .
الهدف هو الكرسي , والوسيلة هي الجماهير, مفضلة وطريق الرئيس شافيز هذا العسكري الشعبوي الطموح والمتعطش إلى السلطة وهتافات الأنصار, والصر عات على أشكالها , في بلد غني بإيرادات المواد الأولية وخاصة النفط , فقير بالعدالة الاجتماعية , والاقتصاد المتوازن , والاستقرار الداخلي الحقيقي , رغم تواجد المؤسسات الدستورية , والإيمان بالمبادئ الديمقراطية والتعددية الحزبية , والتداول السلمي للسلطة .
لكن لماذا الجيش دائما على الأبواب ؟ ينفذ الانقلابات يمينا ويسارا ! مرة مع شافيز وأخرى ضده ! .
هل واحدة من الإجابات هي تواجد أشخاص كشافيز متعطشين للسلطة وعلى مختلف المحاور , أم أن الصراع الطبقي والظلم الاجتماعي لايستقر على حال , على الأقل ضمن اللعبة الديمقراطية , نتيجة عدم السماح بصعود تيارات متوازنة تستطيع في اغلب الأوقات ضبط المسار حتى لايختل طريق المجتمع نحو المزيد من التقدم والازدهار , وعدم اتساع الهوة أكثر بين فئات الشعب .
شافيز يتحكم بالنفط والموارد , ورغبته الأزلية هي الكرسي المعتاد , وطرقه متنوعة للحصول على مايعتقده الشعبية في الأوساط الجماهيرية , والعدو الخارجي موجود وتاريخي , الامبريالية الأمريكية , لايهم بعدها , أن يكون أكثر من 80 بالمائة من حجم التصدير الخارجي وإيرادات الدولة هي من ومع هذا العدو , ولا كون فلوريدا , واحة المسرة وقضاء الأوقات السعيدة , ومصدر الواردات الكمالية , لمجمل الطبقة السياسية الفنزويلية , سواء من كان في الحكم أو المعارضة .
عودة إلى الاشتراكية واستفتاء السيد شافيز .
الأحمر هو اللون المفضل , أو الراية المعتادة الخفاقة للأحزاب والحركات الشيوعية , مافعله الجنرال السابق هو ارتداءه أي اللون قميصا أو كاسكيته , لافرق , خاصة عند اللقاء مع الجماهير , وخطب الساعات الحماسية الملتهبة , وذلك مالا يؤاخذ عليه , لو اخرجه من نطاق الموضة إلى مكاسب طبيعية , ومنافع اقتصادية للفئات الفقيرة وليست رشاوى نفطية , على طريقة ( هات وخذ) المصرية , وهو بالضبط منطق السيد شافيز , لو أمعنا النظر في البنود الكاملة للتعديلات الدستورية المطلوبة , خذو ا ساعات عمل اقل وأعطوني سنوات حكم أكثر ! فالاشتراكية لاتتحقق إلا ببقائي جالسا على كرسي السلطة ! ولكن المفاهيم الديمقراطية التي يبدو أن الشعب الفنزويلي , أو غالبيته سواء كانوا موالاة أو معارضة , يتفوقون على الجنرال في فهم مصالحهم الحقيقية , وكما صرح احد المقربين له بأنه ذهب بعيدا هذه المرة , فالشعب الذي أنقذه من المحنة والانقلاب في السنوات الماضية فعلها ومعه أمريكا اللاتينية بغالبيتها الساحقة حكاما وشعوب ودول , لأنه الرئيس المنتخب ديمقراطيا ولفترة رئاسية محددة سنواتها , تعود بعدها يارئيس مواطنا عاديا محترما حتى لو كنت نيلسون مانديلا , فالذي خلقك قد خلق غيرك أيضا , ولا يدوم إلا وجه الله الكريم , مادمت ياجنرال متدينا أيضا وكاثوليكيا مؤمنا , ترسم علامة الصليب على صدرك حتى وأنت تلقي خطابك في مؤتمر الأوبك , وفي عقر دار الإسلام , العربية السعودية ,ثم تتحول إلى مناضل تروتسكي وقت حوار الرفاق , يمكن أن تحب الرئيس كاسترو وتقلده , ولكن هل يتوجب تحويل الدستور والنظام السياسي الفنزويلي إلى استنساخ النمط الكوبي المناضل الاقتصادي الصامد للحصارات , بما يملك من فكر ومبادرات وجماهير , لانفط ومليارات وعداءك صراخا للامبريالية الأمريكية كما تسميها , وأنت ثاني مصدر للبترول إليها بحوالي ال40 مليار دولار سنويا , تخلى عن النفط ووارداته إذن وسترى أي من الجماهير تتبعك ؟ ستحول الحكم حتما إلى دكتاتورية عسكرية مضادة للشعب الذي عليه والحال كذلك التكفل بمصاريف ورواتب من يحيط بك ويؤيدك من ضباط ومراتب , يغطيها ويفيض المورد النفطي حاليا .
والآن وقد فشل الاستفتاء , فهل هو فشل للاشتراكية ؟ بشكل عام وفي فنزويلا بشكل خاص ! هل يتوجب إعادتها إلى منابعها الأوربية , وإبطال الوصاية الشافيزية عنها ؟ واستبدالها بصرعة أخرى , أو انتظار أن تنضج هي أي الاشتراكية , أو الظروف المحيطة , أو الشعب الفنزويلي ’ لتصلح المزاوجة المنتظرة , ويمنح الجنرال صكا للحكم مدى الحياة .
التطور الرأسمالي في فنزويلا قد منح السيد شافيز وغيره من الوطنيين فرصة للحكم وتعديل القوانين , وتغيير مسار الاقتصاد المحلي بما يخدم العدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة للشعب , فهل يود الجنرال تدمير كل المكتسبات بحجة الاشتراكية ؟ ومن قال بان الاشتراكية هي معاداة الرأسمالية بالمطلق ؟ حتى ولو بالتحالف مع الأفكار الدكتاتورية والفاشية ! الاشتراكية هي الوريث الشرعي للتطور الرأسمالي , وتخرج من رحم تناقضاته وبناه التحتية وصراع الطبقات بمختلف أشكاله , ولنفترض ختاما في الجنرال شافيز طيبة القلب وسلامة النية , والرغبة الفياضة في إسعاد الجماهير , فهل يتحسب لغيابه بأي شكل من الأشكال , وهو أمر حتمي , ومن يضمن المستقبل , ولنفترض انتصاره في معارك تعديلاته الدستورية التي ستضمن له البقاء رئيسا ,(إذا لم يحدث انقلاب أو يزيحه احد الأعوان ), إلى العام 2050 كما يقول وبصلاحيات مطلقة , ثم ماذا ؟ هل ستموت فنزويلا أو الشعب معه ؟ أم يجب أن يرثه احد أبناءه ؟ رئيس جديد وبصلاحيات دستورية مطلقة للحكم والتحكم !؟, وقد انتهى وقتها عصر البترول ونضبت آباره , وانتهت موارده المالية , مع جماهير تعودت الرخاوة والكسل ! لذلك كله نحمد الله الآن على ان الشعوب أذكى وأوعى لمصالحها لتفشل استفتاءات أي جنرال كان , يريد تغييب إرادتها , ويستمر بالحكم , وبالرشوات النفطية . أي دستور مشوه كنت ستترك للأجيال ياجنرال؟