الرئيسية » مقالات » أليس هذا تاريخكم القذر،أيها المنافقون؟ (2-3)

أليس هذا تاريخكم القذر،أيها المنافقون؟ (2-3)

الله في السماء وأنت على الأرض
يقول الفيلوسوف الألماني هيجل عن التاريخ:”ان التاريخ هوفقط عندما يتطور الروح بوصفه مكون أساسي و جوهرذلك العصر”. وبما أن النخبة والقادة يتركون بصماتهم الواضحة على تاريخ البشرية،سواء قيادتها إلى قمم الحرية والكرامة أو الإنحدار بها هوة العبودية والانحطاط،لابل انهم أحيانا يلعبون دورا حاسما في التأثير على صيرورة العمليات التاريخية وتوجيهها نحو هذا المنحى أو ذاك.لذا تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة جدا أمام البشرية في سمو روح تلك الشعوب وجعله فعلا يتألق في السماوات،كما على الأرض.ان رجال الدين جميعهم بصرف النظر عن العقيدة الدينية التي يحملونها،مدعوون إلى نشر أفكار المحبة والتآخي والتواصل بين بني البشر من شتى الديانات والمذاهب،وليس نشر الأحقاد والكراهية وتأجيج غريزة القتل والثأر والإبادة، تحت مسميات وحجج واهية لاتصمد أمام هبوب رياح عادية،فما بالك بعاصفة الحقيقة والموضوعية.
يقول المؤرخ ول ديورانت:”الأديان قوة محركة للتاريخ”.يجسد هذا القول حقيقة لايرقى إليها الشك وأثبت التاريخ على صحته مرارا،وبما أن تحليل الأديان ليس موضوع مقالتنا،بل معالجة وتقييم تصرفات واعمال بعض الرموز السياسية والدينية وهل أنهم يتصرفون بحكمة وطبقا لجوهر العقيدة التي يحملونها،أم يفسرون الدين لأهواء ومصالح سياسية وشخصية تتناقض كليا مع جوهر تلك الرسالة السماوية التي ينادون بها؟
من المفيد جدا لدى البحث في تجاعيد وأخاديد التاريخ وزواياه،اجراء مقارنات بين أحداث تاريخية معينة وشخصياته الفاعلة والمؤثرة،فالفهم الجدلي للتاريخ يتطلب منا فهم حقيقة مهمة للغاية ألا وهي:بما ان الحاضر يتضمن كل من الماضي والمستقبل،لذا علينا بذل الجهد قدر المستطاع لإكتشافه،إذا اردنا فعلا فهم الواقع ومكنوناته،فالماضي لم يختف كليا في ثنايا التاريخ بل انه بهذا القدر أو ذاك حاضر معنا ويؤثر فينا.فما يقوم به حارث الضاري على سبيل المثال من توظيف الدين في عملية تخوين الكرد ومعاداتهم واصدار فيما يسمى ب”فتاوى” حتى من استخراج نفطهم الذي ينبع من أرضهم،ناهيك عن سموم القرضاوي ورجال الدين الوهابيين في تلفزيون القاعدة قناة الجزيرة والتحريض على العنف وعرقلة التحول الديمقراطي في العراق والتنكر لحقوق الكرد وتأليب شرائح واسعة من شعوب المنطقة ضدهم،تذكرنا بنشاطات وأعمال مفتي القدس أمين الحسيني في الثلاثينات واثناء الحرب العالمية الثانية ونقصد بذلك كيفية تجيير الدين وتفسيره في سياق معين لخدمة أهداف سياسية وشخصية صرفة.

عندما قامت حماس بإنقلابها الذي أعد في مطابخ دمشق وطهران قبل شهور وطرد أعضاء فتح واعتقالهم وقتلهم بشكل وحشي وسادي،القى الارهابيون من أعضائها، طباخ الرئيس محمود عباس في غزة من بناية شاهقة وكان شخصا كرديا من غربي كردستان،حيث تناثرت أشلاءه وتخضبت أرض غزة بدماءه الطاهرة.تلك الأرض نفسها التي حررها الظافر صلاح الدين الأيوبي مع جيشه الكردي من الصليبيين في القرون الوسطى.ومن المعروف أن حماس هذه المنظمة الارهابية والمتطرفة التي تخفي وجهها القذر تحت ستار الدين،وريثة تنظيم الاخوان المسلمين التي أسسها في الثلاثينات مفتي القدس أمين الحسيني.وحماس هي نفسها التي وصف زعيمها اسماعيل هنيه البيشمركة الكرد،ضمير وروح الأمة الكردستانية وأحد مقدساتها بالعصابات!.عمل أمين الحسيني في العشرينات والثلاثينات لحساب الاستخبارات الانكليزية وبكل نشاط ولهذا كوفئ من قبل رئيس الإدارة المدنية الانكليزية في فلسطين السير هربرت صامويل بتنصبه مفتي القدس بتاريخ 12 نيسان 1921 بالرغم من اجراء انتخابات حرة،حيث جاء ترتيبه في الدرجة الرابعة من بين مجموعة من الأشخاص من عائلات مرموقة ومعروفة.ولا يخفى أن الصراع بين عائلتي الحسيني والنشاشيبي [ ادعت هاتين العائلتين أنذاك زورا انهما من سلالة محمد [ص]،ولكن هذا لم يمنعهما من المنافسة والعدواة والتهافت في خدمة الإنكليز.وبما أن المبدأ الروماني :Divide et Impera[فرق تسد] أثبت جدارته على مر التاريخ،قرر السير صامويل بالمقابل عزل موسى كاظم الحسيني من منصب رئيس بلدية القدس و تعيين راغب النشاشيبي بدلا عنه. اتخذ الحسيني قراره بعد وصول النازية الى السلطة في ألمانيا إقامة علاقات معها نظرا للقرابة الروحية بين الأيديولوجيتين والأسباب التي وردت في الجزء الأول من هذه الدراسة بصدد بواعث وخلفيات جاذبية النازية في الشرق وخاصة في العالم العربي.ففي 31 أذار 1933 طرق الحسيني باب القنصلية الألمانية في القدس وأكد للقنصل الألماني هاينريخ فولف.مايلي:” أؤكد لكم أن المسلمين يرحبون بالنظام الجديد في ألمانيا وعلى استعداد لنشر الأفكار الفاشية المعادية لشكل الحكم الديمقراطي”وبعد مرور 3 أشهر فقط على ذلك اللقاء سوف يكتب فولف لحكومته”هناك نية في تأسيس حزب نازي عربي”.ومن الملاحظ انه اثناء الاحتجاجات العربية ضد الهجرة اليهودية في تشرين الأول 1933 وزعت بيانات و ألصقت على الجدران أيضا مع رسم الصليب المعقوف،مما أدت بالشرطة البريطانية إلى ابلاغ حكومتها بتأسيس جمعيات نازية في فلسطين.يبدو أن نشاطات الحسيني في نشر الأفكار النازية في فلسطين أعطت ثمارها،فهاهو القنصل الألماني في يافا تيموتيوس فورست في نهاية أذار 1936 يكتب إلى حكومته:”المسلمين الفلسطينيين متأثرون بشكل عميق جدا بالتعاليم والآراء الفاشية وقبل كل شيء النازية.[…..]لقد أصبحت الفاشية والنازية عند العرب وبكثرة مقياسا لتقييم الأنظمة والتعاليم الأخرى.لقد تحول هتلر دون شك بالنسبة للكثيرين من العرب إلى أعظم شخصية في القرن العشرين.لقد بلغت شعبية زعيمنا إلى هذه الدرجة من الانتشار،بحيث من الصعوبة العثور على عربي،حتى أبسط فلاح لم يسمع باسم هتلر”واعترف رئيس حزب الاستقلال عوني عبد الهادي في حديثه إلى الصحيفة الألمانية النازية”Völkische Beobachter” في سنة 1937 وبإعتزاز:انه درس بتمعن جدا خلال اعتقاله من قبل الإنكليز الترجمة العربية لكتاب كفاحي”ومن الجدير بالذكر انه خلال انتفاضة 1936 جرى رفع إشارة النازيين أي الصليب المعقوف.وفي سنة 1937 واثناء الاحتفالات بأعياد مولد النبي محمد ،سواء في فلسطين أو في العديد من الدول العربية رفع الأعلام الألمانية والإيطالية،فضلا عن صور هتلر وموسوليني.

اتخذ الصراع بين العرب واليهود من جهة والإدارة الانكليزية من جهة أخرى منحى دموي وانقسم الفلسطينيون إلى معسكرين:أحدهما مع قرار التقسيم والآخرضده،اتخذ الحسيني موقف مضاد وحرض أنصاره ليس في القيام بعمليات مسلحة ضد اليهود والانكليز فقط،بل تصفية العديد من الرموز والساسة الليبراليين الفلسطينين الذين أيدوا ذلك القرار.ومن المعروف ان أمين الحسيني قبل أن يتوارى عن الأنظار،بسبب قرارالانكليز اعتقاله،زار أحد رجال الاستخبارات الألمانية في القدس Doehleوأخبره انه قد بعث رجل موثوق به وبشكل سري إلى برلين.ولكن المسؤول المباشر عن المفتي في هيئة الاستخبارات الألمانية- دائرة الشؤون اليهودية- كان د. فرانتز رايخيرت،حيث كان يتلقى منه التقارير وآخر المستجدات على الساحتين الفلسطينية والعربية.هرب الحسيني بعد هذا اللقاء،أي بتاريخ 12 تشرين الأول 1937 في ثياب بدوية إلى بيروت.ومن هناك انتقل إلى العراق بتاريخ 14.10.1930.ورغم جهود الحكومة البريطانية في عزل المفتي ومنعه من القيام بأية نشاطات سياسية،بيد أنه أصبح مركز اهتمام العديد من شخصيات المعارضة وضباط الجيش العراقي.ومن بين أكثر الشخصيات العراقية التي ساعدت المفتي وتعاطفت معه،الحقوقي رشيد عالي الكيلاني الذي تقلد مناصب وزارية في أكثر من وزارة عراقية وفي 1940 أصبح رئيسا للوزراء.أمضى رشيد عالي الكيلاني في العام 1936 عدة أسابيع في العاصمة الألمانية برلين وأصبح منذ ذلك الوقت من المتحمسين للرايخ الثالث.وكان كيلاني من أنصار وحدة عربية شاملة و معروف بتعاطفه مع دول المحورحيث،رفض طلبا بريطانيا بإعلان الحرب ضد ألمانيا.أصبح نائب هتلر السابق وممثل ألمانيا في أنقرة منذ نيسان 1939 فرانتز فون بابين(Franz von Papen ) المسؤول المباشر ومنسق شؤون كافة القوميين والنازيين العرب من الشرق الأوسط،بما فيهم المفتي والكيلاني.وفي 5 تموز 1940 زاره كذلك ناجي شوكت وزير العدل العراقي آنذاك وأبلغه تهنئة المفتي بمناسبة الانتصار على فرنسا.
وفي شهر تشرين الثاني من السنة ذاتها سافر ممثل المفتي د. سعيد عبد الإمام،وهو مؤسس النادي العربي في دمشق
وقومي متطرف إلى برلين وسلم القيادة الألمانية مقترحات وأراء المفتي،التي تلخصت في النقاط التالية:نشر الأفكار النازية في البلدان العربية وخلق جو من التعاطف الشعبي مع ألمانيا والتي سوف تصبح قوة ملفتة للنظر في حال نشوب الحرب،مقابل الدعم المادي والمعنوي لإنتفاضة العرب.ولعله من المفيد الأستشهاد بأحد الوثائق الألمانية التي تؤكد وبشكل واضح الدعم الألماني للمفتي،ألا وهي:مذكرة تقريرية” _“Vortragsnotiz.f.Admiral C”بتاريخ 18.6.1939 موجهة إلى الأدميرال فيلهيلم كاناريس، رئيس هيئة الإستخبارات الخارجية – لجنة التجسس المضاد-حيث جاء فيها: لقد عبر لي المفتي الكبير وبواسطة ممثله الشخصي عن امتنانه وشكره للمساعدة والدعم اللذين قدمنا له إلى حد الآن.فهو استطاع تنظيم الإنتفاضة في فلسطين،فقط بفضل تلك الوسائل المادية والنقود التي قدمناها له”.وفي وثيقة أخرى تعود إلى سنة 1943 يعترف المفتي” انه كان البادئ في إقامة علاقات مباشرة مع ألمانيا والتعاون معها،وذلك قبل نشوب الحرب بسنوات طويلة”في عام 1937بدأت إذاعة باري الإيطالية،في بث برامجها باللغة العربية،الموجه إلى حوض المتوسط و البلدان العربية،وبعد مرور أقل من سنتين وبتاريخ 25 نيسان 1939 أي في عشية الحرب العالمية الثانية بدأت الإذاعة الألمانية ومن منطقة تسيسين جنوب برلين،هي الأخرى البث العربي وكانت من حيث الطاقة أقوى إذاعة ألمانية بلغة أجنبية في ذلك الوقت،واشتملت برامجها على:الأخبار،الموسيقى العربية،تلاوة آيات من القرآن،وخطب المفتي التحريضية والمعادية لدول الحلفاء.وحسب تسارع الأحداث والمستجدات في اتجاه الحرب وقعقعة السلاح ولاسيما استفزازات دول المحور وانعدام فرص السلام،تصاعد نجم المفتي كشخصية رئيسية في الجولات والحروب القادمة في الشرق الأوسط ولاسيما فلسطين وشمال أفريقيا.وفي 6 آب من سنة 1940 زار فون بابين السكرتير الشخصي للمفتي عثمان كمال حداد وأخبره انه يحمل تفويضا من الحكومة العراقية بإجراء مفاوضات مع ألمانيا بشأن إقامة تحالف بين العرب ودول المحور وينوي لهذا الغرض زيارة برلين وروما.وسافر حداد فعلا في 26 آب إلى برلين حيث اجتمع مع السيد غروبا المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لدى وزارة الخارجية الألمانية،وعرض عليه تلك الأفكار المتعلقة بقيام ذلك الحلف مع دول المحور مقابل إعلان ألماني-إيطالي حول الاعتراف باستقلال الدول العربية و”حل المسألة اليهودية على الطريقة الألمانية والإيطالية”.وعندما رجع حداد مجددا إلى برلين في العام 1941،حاملا رسالة شخصية من المفتي إلى الزعيم هتلر،حيث وصف فيها نضاله ضد دول الحلفاء،الأعداء المشتركين لألمانيا والعرب وطلب مساعدات مادية لمواصلة الكفاح.وبناء على ذلك كتب سكرتير الدولة الألمانية فايتزكر في 23 أذار من نفس العام مسودة الجواب وعرضها على هتلرالذي وافق عليها.ومما جاء في حيثياتها”تعترف ألمانيا باستقلال الدول العربية الكامل،بما فيها هناك حيث لم ينجز بعد ودعم حق الحصول عليه” ومنذ هذا التاريخ بدأت عملية تهريب الأسلحة الألمانية إلى الشرق الأوسط،حيث أثبت وثائقيا انه في العام 1941،جرى شحن: 15 ألف بندقية،200 أسلحة أوتوماتيكية خفيفة، 300 مسدس أوتوماتيكي إلى فلسطين.وفي 15 أيار بعث المفتي بطلب مستعجل للحصول على أسلحة أخرى وكانت على الشكل التالي: 400 أسلحة أوتوماتيكية خفيفة،ذخيرة،اسلحة مضادة للمدرعات،بنادق.وفي 21 أيارنزلت الطائرات الإيطالية في مطار موصل وعلى متنها 60 أسلحة أوتوماتيكية خفيفة.ماعدا ذلك حصل المفتي من وزارة الخارجية الألمانية على مبالغ كبيرة من النقود تجاوزت 35 ألف دولارأمريكي.وفي 27 و28 أيار أرسلت الاستخبارات الألمانية 60 مقطورة بواسطة السكك الحديدية إلى فلسطين،حيث أحتوت على: 15000 بندقية،300 مسدسات أتوماتيكية، وذخائر.وبعد مضي فترة قصيرة جدا أي في شهر حزيران توجهت سفينة ألمانية من ميناء سالونيكي محملة بالأسلحة نحو فلسطين.في 29 أيار 1941 عندما كانت القوات البريطانية تتوجه نحو بغداد ،اختفى المفتي والكيلاني وعبرا الحدود الإيرانية.وفي هذا الأثناء أخبر السفير الألماني إرفين إيتل في طهران السيد فايتسيكر،سكرتير وزارة الخارجية الألمانية مايلي:”المفتي والسيد الكيلاني على قناعة راسخة بالإنتصارالنهائي لألمانيا وزعيمها،فهويعد أيضا بمثابة انتصار لحركة التحرر العربية”.ولدى دخول القوات الحليفة إلى إيران وعزل الشاه،اقتنع الكيلاني والمفتي انه يجب عليهما مغادرة طهران وبالسرعة الممكنة،حصل الكيلاني على فيزا دخول إلى تركيا،بينما لجأ المفتي إلى السفارة اليابانية.تمكن المفتي للمرة الرابعة من الإفلات من قبضة الإنكليز ولكن هذه المرة في ثياب امرأة وبمساعدة الإيطالي ميلليني إلى استانبول ومن هناك إلى روما وفي 27 تسرين الأول التقى مع موسوليني وبعد مرور اسبوع انتقل المفتي إلى برلين،حيث التحق به الكيلاني في 21 من الشهر نفسه.ومن المعلوم أنه بعد ثلاثة أسابيع من قدومه إلى برلين،التقى المفتي مع هتلر أما كيلاني فقد التقى أولا بوزيرالخارجية ريبينتروب وفيما بعد مع هتلر.أكد هتلراثناء لقاءه مع المفتي موقفه الذي لا هواده فيه ضد اليهود ولاسيما بشأن إقامة وطن قومي لهم في فلسطين،والعبارة الشهيرةالتي تلفظ بها عميل الألمان الحسيني لهتلرموثقة وهي:الله في السماء وأنت على الأرض.أي أن منزلة هتلر،هذا المجرم الذي ألحق خسائر فادحة بالبشرية لدى الحسيني وأتباعه بعد الله.وهذا ليس بغريب أبدا فتاريخ هؤلاء يحفل بالقتلة والجلادين،الذين تحولوا بفتوى من أمثال الحسيني إلى قديسين وشهداء: فبعدمررو 66 سنة فقط على تلك العبارة عثر الأمريكان في أحد جحور الجرزان في ضواحي تكريت على أبن العوجة الذي تحول هو الأخر بعد اعدامه إلى “الرئيس الشهيد”.!.فعندما كانت قوات رومل تتحرك صوب مصر بعد معركة العلمين وطبرق،كانت إذاعتي برلين وباري في إيطاليا تذيع الخطابات الحماسية للمفتي والفتاوى التي يصدرها،داعية للجهاد ورمي اليهود في البحروكان يقول دائما أن وراء كل أمريكي وانكليزي يختبئ يهودي.ولعب الأخوان المسلمون في مصر دورا تعبويا ودعائيا لصالح دول المحورلدرجة أن اثنين من الطيارين المصريين هربا بطيارتيهما مع مجموعة من الوثائق إلى عند رومل وسلما انفسهما له. ولايخفى على أحد أن غالبية الضباط الأحرار في الجيش المصري وعلى رأسهم أنور السادات تعاونوا مع النازيين.ومن الجدير بالذكر ان طموحات المفتي كان أكبر بكثير من تحرير فلسطين،بل إقامة امبراطورية عربية كبيرة تشمل دول سورية الكبرى تحت قيادته. طبعا.كانت الخطط الأستراتيجية الألمانية في الشرقين الأوسط والأدنى بعيدة المدى:على سبيل المثال: كان الفاشيون الأتراك يتعاونون سرا مع ألمانيا وعلنا مع دول التحالف،ومن هنا كان 40ألف عسكري تركي على أهبة الأستعداد لإجتياح الأتحاد السوفياتي مقابل الحصول على جمهورياته في القفقاس.عاش الرجلان في برلين في بحبوحة ورغد العيش وكان المفتي يتقاضى شهريا من جراء عمالته وخدماته 75 ألف مارك ألماني،فضلا عن العديد من الإمتيازات.وبدأت بين الرجلين منافسة قوية وصراع حاد بسبب من يقدم خدمات أكثر للألمان،وكانت الإستخبارات الألمانية تتدخل كل مرة لتهدئة الأجواء.وبما أن الرجلان كانا في جبهة الخاسرين وأعداء البشرية،وبعد الفشل الساحق للقوات الألمانية في الجبهة السوفياتية ولاسيما في معركة ستالينغراد ونزول أعداد كبيرة من قوات الحلفاءفي النورماندي الفرنسية،دخلت قوات الحلفاء ألمانيا وحررتها من الطاعون النازي واستطاع المفتي وبواسطة وثائق مزورة مغادرتها إلى برن في سويسرا،حيث سلم إلى فرنسا وعاش في فيللا مع حاشية وخدم تحت الإقامة الجبرية ومن هناك هرب بأوراق مزورة إلى القاهرة حيث حصل على اللجوء السياسي.عبر الكيلاني في العام 1945 بنفس الطريقة الحدود السويسرية بوثائق مزورة مع إقامة مؤقتة في بلجيكا ثم فرنسا ومن هناك على متن سفينة فرنسية إلى السعودية واستقبل بحفاوة بالغةمن قبل آل السعود.وعلى هذا النحو نجد أن شخصين عربيين،أحدهم قومي-علماني والآخرديني،خدما النازية الألمانية بكل اخلاص،رضعا من حليبها،وضعا اللبنات الأولى في نشر الأفكار النازية والفاشية في المشرق،مما هيأت أرضية خصبة لظهور أحزاب نازية الجوهر عربية الهوية مثل البعث وغيرها،التي جلبت لشعوب المنطقة الدمار والخراب،كما سبقتها في هذا النهج النازية الألمانية والفاشية الإيطالية،التي ألحقت بشعوبها أفدح الخسائر.


الحلقة الثالثة والأخيرة: ماهو سر الانسجام بين النازية والأيديولوجيا الإسلامية والقومية العربية؟