الرئيسية » مقالات » نفط كردستان من النقمة الى النعمة

نفط كردستان من النقمة الى النعمة

” احترق الكرد لعقود بسبب نيران النفط فهل سيغرقون لاحقا بسبب المياه ؟ ”
نيجيرفان بارزاني

هذا ماجاء على لسان السيد رئيس حكومة اقليم كردستان في سياق كلمته المعبرة الهامة بكونفرانس ” مصطفى بارزاني – البحث عن الهوية – ” الذي عقد في العاصمة الأمريكية واشنطن في منتصف ابريل نيسان لعام 2000 أمام حشد من رجال السياسة والأكاديميين والاعلاميين وممثلي مراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني وحسب فهمنا فقد حاول بمقولته هذه أن يعيد الى أذهان العالم أجمع في عاصمة الدولة الأعظم بأن موارد كردستان الوفيرة وخيراته الغنية المعطاءة في باطن الأرض أو خارجه وفي المقدمة النفط بما يمتاز به من نوعية متقدمة واحتياطات هائلة فائقة الجودة قد حالت دون تحرر الشعب الكردي منذ اكتشافه وتسويقه تجاريا وتحديدا في أوائل القرن التاسع عشر الذي شهد فيه مختلف مناطق كردستان ثورات وانتفاضات ومحاولات سياسية كانت تهدف نيل الحرية والاستقلال الا أنها أخفقت دون سائر حركات الشعوب الأخرى التي حققت دولا وكيانات بسبب اصرار ورفض القوى الاستعمارية آنذاك من بريطانيين وفرنسيين وقياصرة روس التي كانت تتقاسم النفوذ والسيطرة الفعلية على منابع النفط وطرق النقل والامداد البرية والبحرية والجوية في سائر أرجاء المنطقة وفي الحين ذاته كانت ترسم استراتيجيتها انطلاقا من رؤيتها أن مصالحها تتطابق مع مصالح أغلبيات أشرفت هي على تنصيبها وصارت حاكمة في البلدان التي وزعت عليها أجزاء كردستان على حساب الكرد الذين أصبحوا بقدرة قادر – أقليات – منسية في أوطانهم بعد توزيعهم على بلدان أربع تفوح منها أو بعبارة أدق من مناطقهم رائحة الذهب الأسود , من جهة أخرى وبمرور الزمن وبعد أن تسلطت الطغم العسكرية الدكتاتورية ومعتنقوا الآيديولوجيا الفاشية والشوفينية الشمولية على أنظمة البلدان المقتسمة للشعب الكردي عبر الانقلابات وبفعل العصبيات القوموية والحزبية والطائفية وبشكل أخص في العراق وبعد الوفرة النفطية وارتفاع الأسعار تحول البترودولار الى أداة في شراء الأسلحة الفتاكة بما فيها الكيميائية لتحرق كردستان كما حصل في حلبجة وغيرها وقد أراد السيد بارزاني اشعار العالم مرة أخرى بمسؤوليته السياسية والأخلاقية اذا ما أريد للكرد أن يعانوا من وفرة المياه أيضا في موطنهم باتجاه التأثير السلبي في كفاحهم العادل من أجل الحرية كما عانوا سابقا من – لعنة – النفط الغزيرخاصة بعد – تسييس – المسألة ومقايضتها وتجييرها في صفقات أمنية وسياسية واقتصادية تلحق الضرر بقضايا الكرد ومصيرهم في بلدان المنطقة ومازالت بوادر الصراع الاقليمي على مياه دجلة والفرات التي ترفدها ينابيع كردستان والمارة في مناطقهم تظهر بوضوح وبكل امتداداته ومحاوره الدولية منذ حقبة الحرب الباردة وحتى الآن وان شهد فترات هدوء نسبي بين الحين والآخر .
بعد أكثر من سبعة أعوام ونصف العام من كلمة السيد رئيس حكومة الاقليم وبعد أكثر من أربعة أعوام من سقوط الدكتاتورية الشمولية وبعد صدور دستور العراق الجديد بتوافق مكوناته واستفتاء غالبية العراقيين والذي يجيز للأقاليم في حال اقامتها وتنظيم اداراتها وبينها اقليم كردستان الفدرالي المعلن حسب الارادة الشعبية الحرة منذ حوالي العقدين الذي تقوده حكومة شرعية منبثقة عن البرلمان المنتخب من شعب كردستان استثمار الموارد واستخراج وتسويق النفط حسب بنود الدستورين الاتحادي والاقليمي وبحصص مثبتة ومقررة تتوزع بين الجانبين والمقصود هنا ليس ماتم استخراجه قبل تحرير العراق من الدكتاتورية وصدور الدستور بل ما يتم من عقود مع الشركات والمؤسسات المختصة المعنية اعتبارا من اقرار قانون النفط والغاز بصيغتيهما المتوافقتين عموما في المركز والاقليم نقول بعد كل ذلك تصدر أصوات تتباكى ظاهريا على أموال الشعب وخيرات الوطن وهي تضمر السوء في واقع الحال عندما ترمي ليس الى حرمان شعب كردستان من موارده الطبيعية ليعيد بناء ما هدمته الشوفينية فحسب بل الى مصادرة جميع موارد الاقليم بما فيها النفط وقد تستثمره كما حصل سابقا في ايذاء الكرد وتطبيق الشراكة في الثروة بصورة معكوسة وغير عادلة على غرار : – بترول العرب للعرب وبترول الكرد للعرب – وقد يكون من مصادفات التاريخ أن يتصدى الشخص ذاته الذي ناشد العالم في واشنطن بل وذكرهم بمعاناة الكردي من – نفطه ومياهه – ليتوجه الآن الى المعترضين بالقول : ” أن عقودنا النفطية المبرمة مع الشركات العالمية للاستخراج والتسويق والتي ستليها عقودا جديدة أخرى حق دستوري ولمصلحة العراقيين جميعا ونؤكد على توزيع الثروات النفطية على عموم مناطق العراق وحسب نسب سكانها ” وبذلك وبهذا الوضوح الحاسم سيكون نفط اقليم كردستان العراق وللمرة الأولى في تاريخ البلاد مصدر شراكة عادلة في الثروة الوطنية حسب ما نص عليه الدستور ومؤتمنا عليه في ظل عقود معلنة وموثقة مع شركات ومؤسسات دولية تخضع لقوانين الشفافية والرقابة من بلدانها ومن الدولة العراقية وحكومة الاقليم ومن المنظمات العالمية المعنية بشؤون النفط والغاز مقابل ما تعرضا له كثروة وطنية استراتيجية من نهب تحت ظل حكومات الاستبداد والأنظمة الشمولية التي كانت تديرها انتاجا وبيعا وتسويقا في الخفاء وتسجل أموالها بمليارات الدولارات باسم أفراد العائلات الحاكمة بل وتوزعها على الأتباع لأغراض سياسية كما حصل مع فضيحة – كوبونات النفط – التي كشف النقاب عن قوائم تضم أسماء المستفيدين بعد سقوط الدكتاتورية .
من الواضح أن الأصوات المعترضة من بعض الكتل السياسية في الحكم وخارجه على ما تم ابرامه من عقود بين حكومة الاقليم والشركات العالمية تتخطى الاجتهادات الدستورية حول صلاحيات كل من المركز والأقاليم وقانونية العقود أو بطلانها ( حيث يمكن في هذه الحالة الاحتكام الى المحكمة الاتحادية الدستورية بكل سهولة ) الى القضية الأساسية وهي قبول أو رفض العراق الجديد بدستوره وقوانينه وتوافقاته وعمليته السياسية الديموقراطية ومرحلته الراهنة مابعد الحكم الشمولي المقبور وبدائله الحديثة المختلفة شكلا ومضمونا والتي تجسد فعلا وعلى أرض الواقع الشراكة الحقيقية بين عناصر الوطن الواحد ومكوناته القومية وأطيافه الدينية والمذهبية وتلاوينه السياسية والثقافية المتعددة في مسألتي السلطة والثروة تلك المنظومة من الشراكة التي تحققت بفضل التضحيات الجسام وعقود من كفاح الشعوب واحدى تقديمات النظام الدولي الجديد في ظل التطور البشري واحترام حق الشعوب وحقوق الانسان نحو مجتمعات أكثر عدلا تجاه المقهورين قوميات أو أديانا وعقائد أو طوائف وجماعات , وما الاعتراضات الراهنة على جهود حكومة الاقليم في تعزيز الاقتصاد الوطني والمنفعة العامة الا جزء من نهج الممانعة تجاه كل تطور نحو الأمام في عراق ما بعد الدكتاتورية الذي تتبعه قوى وجماعات معروفة تحاول العودة نحو الوراء وتمارس أساليب ضد الدستور والقوانين بما فيها الارهاب واثارة الفتن القومية والدينية والمذهبية ولا ترى حرجا حتى في التعاون مع جهات اقليمية معادية للعر اق ووحدته ومنظمات أصولية تكفيرية وعلى رأسها القاعدة , من جهة أخرى وكما بات معروفا للقاصي والداني أفرزت السنوات الأخيرة نتيجة الفوضى وفقدان الأمن والادارة في المركز ومحافظات الجنوب والوسط فئات واسعة من المستفيدين ومن مافيات النفط بشكل أساسي حيث يتم تهريبه وبيعه في الأسواق السوداء عبر مياه البصرة أساسا ومن خلال المنافذ البرية الحدودية الايرانية والسورية لذلك لايمكن انتظار قبول الرضى من تلك الجهات بل يجب توقع مواجهة شرسة الآن وفي المستقبل من ممثلي مصالحها في الكيانات والأحزاب والادارات والمؤسسات لكل عمل للصالح العام بما في ذلك جهود حكومة اقليم كردستان في انقاذ وترسيخ وتعميم وتطبيع خيرات وموارد الاقتصاد الوطني الجوفية والظاهرية والنفطية على وجه الخصوص .