الرئيسية » مقالات » مدينة الرماد – قصة قصيرة

مدينة الرماد – قصة قصيرة

كأي مدينة عربية، يبحث سائق الأجرة العمومي عما يقيت أطفاله في ظل موجات الغلاء الخرافية. يخرج صباحاً دون شرب القهوة التي نضبت من المطبخ، يوصي زوجته أن تقوم بطحن الحمص المنقوع لعمل الفلافل. الفلافل الجاهزة أصبحت مكلفة نظراً لارتفاع سعر الحمص وثمن أنبوبة الغاز. في هذا اليوم لن يبتاع علبة التبغ، ذلك أن سعرها هي الأخرى يوازي ما سيكسبه طوال اليوم !

تركب طالبة متوجهة إلى الجامعة. تفاصل في ثمن الأجرة بصوت يثير الشفقة. حدث نفسه: ” ما هو الحال من بعضه “، ثم يقبل ما تعرضه الفتاة. يضغط بأصبعه زر المذياع فينطلق صوت مذيعة ” الأف إم “: تظاهرة معارضة لمؤتمر أنابولس !! لم تقل المذيعة أين من الممكن أن تكون قد حدثت تلك التظاهرة، ولكن عندما أعادت المذيعة قراءة عناوين النشرة في الختام، اتضح أن التظاهرة قام بها حزب التجمع العربي داخل إسرائيل !!

أين يا عم، أنا متوجهة إلى الجامعة وعندي محاضرات. صحا فجأة من غفوته ليجول الطريق ببصره، ثم لينعطف متجهاً إلى شارع الجامعة. في الطريق تاهت أفكاره للحظات وتساءل: من أين سأحضر ثمن العلاج لسامر، ونهى التي ترغب في رحلة مع صديقاتها في المدرسة. ثمة عطل في محرك السيارة سيكلفه ثلاثة أيام عمل متواصلة بلا استراحة.

توقف لإنزال فتاة الجامعة فيما يبدو الشارع خالياً من الركاب. أطفأ المحرك بعد أن ركن السيارة في مكان مناسب ليجري مكالمة ضرورية بالهاتف الجوال. تذكر أن حسابه فارغ وأن ليس بإمكانه أن يجري المكالمة. عاد شيطان التفكير ليزوره رغماً عنه: العلاج، الرحلة، المصاريف اليومية، أجرة الشقة، تكاليف الصيانة، .. ، زوجته التي كان يعدها بحياة سعيدة هنيئة، مثلما تمنى له المأذون عند عقد القران.
======================
عبدالله أبو شرخ
كاتب وقاص من غزة