الرئيسية » مقالات » لماذا الخوف من الوعي الاجتماعي في العراق عامة وكردستان العراق خاصة؟

لماذا الخوف من الوعي الاجتماعي في العراق عامة وكردستان العراق خاصة؟

الوعي والوعي الاجتماعي

يقول الناقد العراقي محمد مبارك: الوعي ثلاث خطوات هي : الجيشان الأولى للأعصاب بازاء أي مؤثر خارجي، ثم الانفصال عن المؤثر بقصد رؤيته وتحقيق ثنائية الذات / الآخر ؛ ثم الإحاطة بهذا الآخر وامتلاك قوانينه بقصد الهيمنة عليه واعادة خلقه وتركيبه (تنظر: مقابلة مع الناقد مبارك في إيلاف، أجراها أثير محمد شهاب في 28 يونيو 2004)

ويتميز الوعي بـ “القدرة على التقييم والتقدير، والقدرة على النقل الإيجابي في تلقائية حرة”. (محمد عبد الواحد حجازي، صدام محنة الاسلام والتاريخ، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة 1991، ص16).

أما الوعي الاجتماعي فـ “هو مجموعة الآراء السياسية والحقوقية والأخلاقية والفنية والفلسفية والدينية والمعارف العلمية الموجودة في المجتمع المعني”. (بودوستنيك وسبيركين، عرض موجز للمادية التاريخية، دار التقدم، موسكو، بدون تاريخ، ص137).
ولكن في كل الأحوال لايمكننا فصل الوعي الاجتماعي عن الوعي التاريخي، باعتبار أن الوعي التاريخي يمثل ” 1. التنشئة الأولى أي دائرة الأسرة، 2. ونظام التعليم والصبغة الثقافية السائدة، 3. طبيعة العلاقات الاجتماعية بين طبقات الشعب، 4. وطبيعة نظام الحكم، والعراقة الحضارية للأمة ” (حجازي، مصدر سبق ذكره، ص19).

لقد لعب الأدب والفكر والعلم دورا كبيرا في حياة الشعوب وثوراتها وحركاتها الإستقلالية والاجتماعية. فالبؤس المادي ذاته لايحرك الشعوب، لأن المثلث: المال، التجسس على الشعب، والعسكرة يمكن أن يضعف البؤس بإشباع كثير من الأفواه والبطون المريضة، لذلك فإن ما يحرك الشعوب هو الوعي بالبؤس السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسيكولوجي. وقد نقل إلينا الناقد المصري محمد مندور، في كتابه “الأدب والنقد”، بأن وظيفة الأدب الاجتماعية تصدر عن حقيقتين ثابتتين:
1- إدراك العلاقة بين معنويات الحياة ومادياتها.
2- وعي الفرد بما فيه من بؤس.

عن هاتين الحقيقتين تصدر وظيفة الأدب الاجتماعية من حيث أن الأدب محرك لإرادة الشعوب. والذي لاشك فيه أن الحركات الكبيرة التي قامت في التاريخ الحديث كالثورة الفرنسية ووحدة إيطاليا وثورة روسيا البلشفية قد مهد لها الكتاب بعملهم في النفس البشرية، تمهيدا بدونه لم يكن من الممكن أن تقوم هذه الحركات. ولنأخذ لذلك مثلا مسرحية “بومارشيه” للكاتب الفرنسي المسماه “زواج فيجارو” ثم روايته الأخرى السابقة على هذه، وهي “حلاق أشبيلية”. حيث هاجم الكاتب فيهما نظام الأشراف الذي كان سائدا قبل الثورة الفرنسية أعنف الهجوم، واتخذ من “فيجارو” حلاق أشبيلية الذي أصبح فيما بعد خادما للكونت “المافيفا” رمزا للشعب الثائر على عبودية الأشراف. وكانت لهاتين الروايتين أثر بالغ في التمهيد للثورة الفرنسية، حتى ألقى بمؤلفهما في “الباستيل”. ولا زال إلى اليوم “مونولوج فيجارو” في رواية “زواج فيجارو” نشيدا ضد الإستبداد.

مما تقدم يتجلى لنا أن العقلية التقليدية الكلاسيكية في العراق بشكل عام، وفي أقليم كردستان بشكل خاص تخشى القلم الواعي والوعي الاجتماعي أكثر مما تخشى الصاروخ، لأن ما يخطه القلم الواعي يبقى في التاريخ، ويؤثر في الأجيال، أما الصاروخ فينفجر وينتهي مفعوله بانتهاء مهمته. لذلك فظاهرة الأنا المريضة وقوى الظلام والإرهاب في العراق بكل أجزائه، بل وفي العالم أجمع تعمل جاهدة لقتل الفكر، وإعدام الكلمة وملاحقة الكاتب والباحث والمفكر والشاعر والأديب.
إذن في كل ما يعانيه العراق، ولاسيما الكرد من ممارسة سياسة وقتل الكلمة وقتل كاتب الكلمة، وجعل المواطن الذي يدافع عن وحدة العراق وشرف الأمة العراقية، ولا أقول الشعب العراقي فحسب، يعتبر من المعادين لمستقبل بعض القوى السياسية التي تخطط لتقسيم العراق وتجزءته بأسم شعارات دينية أو قومية أو مذهبية. هنا لا مجال للوعي الاجتماعي في بلدنا الذي ينزف دما تحت مظلة الديمقراطية المستوردة.

ماهو دور الكُتّاب في العراق؟

السؤال الكبير هو: ماهو دور الكتاب في كل ما يعانيه الشعب من تشرد وحرمان وقتل وخوف من المستقبل في الوطن الذي يحترق، منتظرا مؤامرات المتآمرين ليقسمه ويجزئه ويشتته.
الكُتاب يختلفون في طريقة أدائهم للخدمة الاجتماعية، فمنهم مَن يعتقد أن في مجرد التصوير والوصف ما يكفي لأداء هذه الرسالة دون حاجة إلى الإفصاح عن مشاعر الكاتب الخاصة أو الدعوة إلى علاج بعينه … ويرى فريق أخر أنه لابد من الدعوة الصريحة في القصة أو المسرحية إلى المبادئ التي يريد أن يروج لها الكاتب، وهم يستشهدون لذلك بما يلجأ إليه كتاب كبار من أمثال موليير وشكسبير” (مندور، في الأدب والنقد، ص 36-37).

لنَكن، نحن العراقيين، على أقل تقدير كذلك الرجل العجوز الذي وصفه الكاتب الأمريكي “همنغواي” في رائعته الخالدة “الشيخ والبحر” كيف أنه صارع الأمواج والحيتان والليل الطويل إلى أن حقق النصر. إنه بالإرادة الإنسانية يتحقق الإيمان، وتتحقق الأهداف في الحرية والسعادة، لنصنع التاريخ والجغرافيا بأيدينا، فغيرنا لم يصنعهما لنا إلا بإرادتنا وحريتنا.

وماذا عن الكرد ؟

اشكالية الكرد اليوم في التخلف باستيعاب الوعي الاجتماعي أعمق من البارحة. لقد عبر المفكر الكردي مسعود محمد عن مشاعر الشعراء الكرد الذين يغنون بمآثر أجدادهم، مما يؤكد مدى الإحباط الذي يعيشه الكرد اليوم. فلا تتعجب ولا تستغرب:
“أن تجد الشاعر الكردي في أواخر العشرينات يلوذ في مفخره بالمزايا الحربية لأجداده من الميديين قبل ألفين وستمائة سنة. فهو كالفقير المعدم الذي يفاخر الشبعانين بأكلة دسمة إلتهمها في عيد الفطر على عهد أبيه … فنحن معشر الكرد في أقرب صورنا إلى الحقيقة كالمفلس بين الأغنياء، والمقعد بين أبطال الأولمبياد، والأخرس بين الخطباء، والمصفد بالأغلال بين المدججين بالسلاح، يدفعنا طلب الحياة إلى التمسك بكل ما يعنينا على الحياة “. (المفكر الكردي مسعود محمد، إعادة التوازن إلى ميزان مختل، ص 58).

بهذا الوضوح ، وبهذه الجسارة يُظهر لنا الواقع الكردي مأساة الشعب الكردي في الوقت الراهن. فقد حُرم الكردي من كل ما يمكن أن يتباهى أو يزهو به أمام الشعوب الأخرى، (سوى القصور الفخمة التي لاتسمن ولاتغني من جوع)، لذلك يلوذ بتاريخه ، ويتفاخر بما حققه الأجداد في سالف الأزمان. والعامل الرئيس الذي أوصل الوضع الكردي إلى ما هو عليه راهنا يتمثل في عدم وجود وعي اجتماعي، يجمع شمل الكرد ويوحد جهودهم. المشكلة الأخرى هي فقدان الكرد لرجل دولة يوحدهم تحت زعامته، فظهرت عبادة الشخصية والولاء الأعمى وعسكرة الأحزاب. إنها المشكلة الكبرى للشعب الكردي، أمام موائد العلمانيين المستبدين من القابضين على السلطة أو السياسيين الدينيين الذين يحتكرون الحقيقة التكتيكية في غير حقيقتها الموضوعية وحقيقتها الصافية، أو وقوف بعض هذه القيادات على أبواب الزعامات الدولية من اجل السلطان، أو أمام أصحاب العمامات الدينية السوداء والبيضاء على السواء، الذين يستبدون الأقوام والشعوب بأسم الدين، ويظلمون الناس بتحريف النصوص من معانيها، فيضطهدون الناس ويهضمون حقوقهم، ولاسيما المرأة باسم الديمقراطية المزيفة التي لايفهمون محتواها سوى بالإنتخابات. ومتى ما وضع الناخب ورقة التصويت في الصندوق يرجع عبدا.

التاريخ الكردي لم يشهد منذ 25 قرنا بروز كيان قومي يضم شتات الشعب الكردي و “يجمع أحاده وحشوده على سنن في المعيشة والسلوك والاجتماع، يبلور فيهم قومية عامة”. (إعادة التوازن، ص 53)، لذلك فإن العقلية القبلية سائدة وحاكمة، ومحتكرة للسلطة بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والأمنية. ومن هنا يقول مسعود محمد:
“لقد أدى هذا الوضع فيما أدى إليه إلى ضعف شعور الكرد بالمصلحة العامة المادية الدنيوية التي من شأنها أن تحركهم وتدفع بهم نحو الذود عنها ، وتوحيد الكلمة بشانها. ومن هنا أيضا: “ضاعت على الكردي عبر عشرات القرون فرصة ميلاد القيم القومية الرادعة الدافعة التي تتولد بالضرورة من رحم الكيان السياسي، واختفت لديه المقاييس التي يمتحن بها السلوك العام، لإختفاء البوتقة القومية التي تفرغ فيها تلك المقاييس. ولم يتيسر له قط في الزمان الماضي أن يتعرض للوم في تقاعسه عن القيام بواجباته القومية التي لم تكن ولدت، أو أن يكتسب الشهرة بوقوفه مواقف مشهودة في صيانة المصالح والحدود العامة التي لم توجد قط … فنحن مرعى بلا سياج وحَي بلا ديدبان وضيعة خلت من فزاعة الطيور”. (إعادة التوازن، ص54).

الحقيقة المرة والأزمة المزمنة في واقع الكرد المؤلم تتجسد في كونهم، طبقا لمفهوم المفكر الكردي مسعود محمد بالشكل التالي:
“ولدنا عصر الثروات والثورات بفقر مادي هو تحت حد الإفلاس، وفقر معنوي كان أكبر خواء فيه هو ضياع البعد القومي من موحيات فخرنا … وقد يزيد من بواعث ألمنا علمنا بأن المرتقى الوحيد الذي إستطاع أن يتسلق عليه بعض أمراء الكرد إلى مطارح السلطان المرموقة كان بتبعيته لذوي السلطان من غير الكرد. فهو في عز قوته مقتدر بغيره. وعلى أوان الشبع منتقم من سماط لايملكه”. (إعادة التوازن، ص57)

كل عراقي يعلم أن ملايين الدولارات تأتي من الكمارك مثلا ، ومن حصة الكرد من الميزانية العراقية، ومن المساعدات الدولية من منظمات ودول، ولاتزال تأتي منها ولو بدرجة أقل أو أكثر بعد سقوط صنم ساحة الفردوس في 9 نيسان 2003 ، كما تأتي من التجارة التي ينظمها أمراء السياسة وتدخر في خزائن الأمراء دون أن يملكها الشعب والبرلمان، ولكن مقابل ذلك يتراجع الوعي الاجتماعي إلى الوراء يوما بعد يوم. ويظل الانسان يصرخ عاش السلطان، وصراخه يعود إليه ويرن في آذانه، والسلاطين في قصورهم لا يسمعونه.

يتذكر كاتب هذا المقال، وهو يكتب هذه الكلمات، قصة عميد الأدب العربي الراحل طه حسين في كتابه “المعذبون في الأرض” ، والقصة تلتقي في بعض فصولها بقصة فولتير “حال الدنيا” حيث يتفق كلاهما (طه حسين وفولتير) في حال الدنيا وعذابات الناس من إنعدام العدالة والمساواة. فطه حسين يصف حاله في الدنيا من خلال تصوير الحياة المصرية والمعذبين في مصر. بينما يصف فولتير هذه الحالة عند الذين يفنون أعمارهم في العمل الشاق كمرؤوسين دون أن يصلوا إلى مبتغاهم، فالقضاء بالعدل تُشترى بالمال. (المعذبون في الأرض، ص أماكن مختلفة . أيضا فولتير باللغة السويدية، (Varlden som den ar, p.2

ومن هنا ينبغي، لابل يجب على الكرد أن يؤكدوا على ضرورة بناء صرح الفكر والوعي وممارسة النقد العقلاني الذي يصب في مصلحة الوطن. لايمكن تحقيق الرفاهية بالقصور الفخمة بدون وعي اجتماعي نير يكون للشعب السيادة من أجل ممارسة ديمقراطية حقيقية، لتحقيق التقدم والتطور والعمران. وهنا يقول مسعود محمد بوضوع أن “المصلحة الكردية لاتحتمل في حالها الراهن أن يتقاتل أبناؤها المكافحون ويتذابحوا بسلاح الأجنبي … الذين يريدون بحجج التحليلات الفلسفية حمل الناس على الإقتناع بوجوب شرعية التذابح الداخلي للمناضلين هم أناس يسكبون السموم من أنياب الأفاعي الكامن في نفوسهم”. (مسعود محمد، الإنسان وما حوله، ص 114).

فليتوحد الجميع بعيدا عن التهافت والمصالح الذاتية وبناء القصور وعبادة الشخصية والوقوف على أبواب الظالمين. وليقول المعدَمون والفقراء والكادحون كلمتهم، وليتجرأوا أن ينقدوا ما ينبغي أن ينقدوا ، ويقولوا بأعلى أصواتهم، تعالوا لنسير صفا واحدا، وقلبا واحدا ضد الظلم والعدوان والإحتلال والارهاب والاضطهاد والاستغلال، ولتسقط قصور الباستيل دون رجعة.

وأخيرا أود أن أقتبس من الراحل مسعود محمد وصفه لمأساة الشعب الكردي قائلا : “لقد ندر بين الشعوب أن يوجد كالكرد شعب قذف به التاريخ إلى المعمعان الحديث المسلح بالعلم والقوة والمتعة مجردا من قوة ذاتية موروثة ومفتقرا إلى عون يأتيه من خارج وجوده ومحاطا من حوله بموهنات للعزم تهبط بهمم الأقوياء”. (إعادة التوازن، 57-58).
والسلام عليكم


المصادر
– محمد مندور ، في الأدب والنقد
– مسعود محمد ، إعادة التوازن إلى ميزان مختل .
– مسعود محمد، الإنسان وما حوله
– طه حسين، المعذبون في الأرض.
Voltaire, Varlden som den ar, i filosofi i fickformat, Danmark, 1998

تنشر بالتزامن مع صحيفة الأهالي الليبرالية البغدادية، العدد 231