الرئيسية » مقالات » الكورد. . ومعضلة كركوك- الجزء الاول

الكورد. . ومعضلة كركوك- الجزء الاول

حينما تتعرض أية أمة إلى التجزئة والتقسيم, والحرمان من حقها الطبيعي في ممارسة هويتها القومية ضمن دولة أو أكثر, تتعرض تباعا إلى مظالم أخرى ليست اقل إيلاما وتعسفا من سابقتها, وإحدى هذه المظالم هي محاولات قضم أطراف خريطتها الجغرافية و تقزيم مديات تواجدها السكاني وخاصة في تلك المناطق التي تشكل أهمية إستراتيجية أو اقتصادية او جيوبوليتيكية….. وما جرى في كركوك وعدة مدن كوردستانية أخرى في شرق وشمالي وغرب كوردستان خير دليل على ذلك, وبما إننا بصدد كركوك فإننا نحاول أن نلقي بعض الأضواء على ما جرى لهذه المدينة خاصة بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة في أوائل القرن الماضي…..

كان الواقع السكاني في لواء كركوك يشير بشكل لا يقبل الشك إلى غلبة العنصر الكوردي فيه وفق الإحصائيات العثمانية نفسها و من ثم وفق تشكيلة النواب المرشحين من مدينة كركوك لتمثيلها في مجلس النواب والأعيان العراقيين آنذاك ….. فالعشائر التي كانت تحيط بكركوك كانت قاطبة كوردية مع تواجد قليل للتركمان الشيعة في قضاء طوز و قرية تازة خورماتو وقرية تسعين آنذاك…بالطبع لم يكن هنالك أي تواجد عربي في المدينة واطرافها اطلاقا(حيث تم جلب عشائر الجبور والعبيد الى منطقة الملحة(الحويجة) لاحقا في منتصف الثلاثينيات …..
صحيح إن اللغة التركية كانت اللغة السائدة في الأسواق والدوائر الرسمية والمدارس ولغاية الاربعينييات من القرن الماضي وذلك كنتيجة طبيعية لسيادة الحكم العثماني لأكثر من خمسة قرون في المنطقة, إلا أن أصول العرقية للكثيرين ممن كانوا يتداولونها كلغة محلية ورسمية كانت وبكل تأكيد ترجع إلى جذورها الكوردية لتلك العشائر المحيطة بالمدينة التي رفدت الى المدينة للعمل والاستقرار ,وهذه حقيقة مرّة يحاول البعض ممن يدعون تركمانية المدينة التهرب منها أو القفز فوقها, فهؤلاء الأدعياء بتركمانية المدينة انفسهم, لو يرجعون فقط لجيلين الى الوراء لا أكثر ليجدوا أن جدودهم كانوا يجهلون تماما التكلم باللغة التي يتكلمون بها واقصد هنا اللغة التركمانية..
إن ما ابتلت به المدينة من أطماع إقليمية ونزوح سكاني من خارج منطقة كركوك, قد ابتدأت مع بدء اكتشاف أول بئر نفطي هائل في منطقة بابا كركر عام في منتصف العشرينيات من القرن الماضي , بل إن إصرار بريطانيا على التمسك بولاية الموصل في المفاوضات التقسيمية لأرث الدولة العثمانية ,بينها وبين فرنسا خلال مفاوضات (سايكس_ بيكو)كان بسبب معرفة بريطانيا الشبه المؤكدة بوجود الاحتياطي الهائل للثروة الجديدة المكتشفة في العالم آنذاك (البترول) وتصاعد أهميتها الاقتصادية والسياسية,وحتى ان التراجعات التي أبدتها الدولة التركية (والحنين الى الولاية )لغاية يومنا هذا والبدء بالاهتمام المغالي بقضية كركوك ومحاولة تأسيس موطئ قدم ومسمار جحا وتغذية الفكر الطوراني عن طريق إغراء البعض من التركمان والمستتركين وشحنهم بنفس الشحنات ذي النغمة التركية السائدة في تركيا الكمالية, كانت أيضا تنبع من هذا الواقع الذي لم يكن في الحسبان ابان ما سمي بمشكلة الموصل في أواسط العشرينيات من القرن الماضي,بل وحتى تشكيلة الدولة العراقية الحديثة التكوين وجلب الملك الحجازي (فيصل الاول) إلى حكمها كانت أصلا لتأمين جريان النفط ونقله عبر الانبوب النفطي الوحيد آنذاك عبر الأراضي السورية والاردنية ( حيفا ونابلس )وصولا إلى موانئ المتوسط,ويمكننا القول إن أول تغير ديموغرافي في المدينة كان بسبب اضطرار المحتل الانجليزي الى استقدام العرب وغير العرب(الاشوريين والارمن النازحين من تركيا بعد المذابح التركية الشهيرة) ممن كانوا مستعدين للعمل( في شركة نفط العراق) الى مدينة كركوك وضواحيها لتامين الأيادي العاملة الرخيصة الغير الماهرة لاستخدامها في مجال العمل والخدمات, ومن ثم تلتها قيام حكومة (ياسين الهاشمي) العروبية الطابع باستقدام (عرب الحويجة) الى غربي كركوك بأعداد كبيرة وبالطبع كانت محاولة نظام البعث ضمن نفس المنظور القومي الضيق الافق والشوفيني باستقدام مئات الآلاف من عرب (العشرة آلاف) تكملةً لمسلسل التغيير السكاني في المدينة لغير صالح الكورد والقيام بطرد الكورد من المدينة بحجج واهية,لمعرفة النظام بان فصل كركوك عن امتداده الكوردستاني الطبيعي هو الحل الأمثل لمنع أي تطور مستقبلي للقضية الكوردية نحو أفاقها الرحبة سواءً كانت ضمن الدولة العراقية المحددة أو بمعزل عنها …..

وهنا بدأت كركوك تشكل معضلة حقيقية للكورد ولقياداتها السياسية منذ منتصف القرن الماضي حينما بدأت القضية الكوردية واستحقاقاتها تشغل بال الكورد من سياسيين وحركاتها التحررية الواحدة تلو الأخرى….. وأصبح موضوع كركوك وحل عقدتها الشغل الشاغل لهذه القيادات وكيفية تعاملها مع الدولة المركزية التي كانت همها تكريس الواقع المّر وإجبار الكورد للرضوخ للحلول التي غالبا ما كانت تنـأى عن المساس بأصل المشكلة والتعامل فقط مع بعض نتائجها ولكن مبدأ التمسك بالمدينة وتعريبها والابقاء على واقعها المستحدث بالقوة والاكراه كان جوهر تفكير وإستراتيجية الساسة العراقيين وبوصلة سياساتهم وبالأخص إبان حكم البعث في العراق لأكثر من ثلاثة عقود ومحاولة النظام أيضا تسريب المخاوف حتى إلى بقية العراقيين من غير الكورد بان صمام أمان بقاء العراق موحدا إنما يمر عبر بوابة كركوك وفوهات آبارها النفطية رغم اكتشاف النفط وبكميات تفوق ما هو موجود أو متبقي تحت باطن المدينة أضعافا مضاعفة في وسط وجنوب العراق العربي…..

وما حدث ويحدث الآن من شدّ وجذبّ بين القيادات الكوردية و(حكام) بغداد الجدد حتى من الذين تظاهروا بالأمس بالشفاء من مرض( فوبيا كركوك والكورد) المزدوجة , ما هي الا تحصيل حاصل للسياسات الشوفينية الموغلة في المكر والخبث البعثية التي اسس وعمل لها لعقود من الزمن, ان اختيار وجلب المستوطنين من المناطق الشيعية إلى كركوك لم يكن بالطبع حبا وشغفا بهم بقدر ما كانت سياسة خبيثة مدروسة بشكل دقيق, وها هي تؤتي ثمارها حتى بعد مغادرة البعث لمسيرة الحكم والى غير رجعة ….

أما دور القيادات الكوردية في استفحال هذه المشكلة وتفاقمها يوما بعد يوم وخاصة بعد سقوط النظام البعثي فحدث ولا حرج…. وظهر مسلسل الأخطاء بل خطايا القيادات والأحزاب الكوردية تجاه المدينة رغم التظاهر بالتزامها نحوها لدرجة وصفها إنشائيا (بقلب وقدس كوردستان),فمن اليوم الأول لتحرير المدينة من ربق النظام البعثي ولأول مرة في تاريخ الحركة الكوردية المعاصرة يوم الثامن عشر من آذار عام 1991 إثناء الانتفاضة الربيعية ضد النظام البعثي عشية انهيار قواته في حرب الخليج الثانية ,حيث بدأت وبشكل مخجل أعمال النهب والسلب للممتلكات الحكومية والمدنية حتى فقدت كلمة تحرير كركوك معناها النضالي لتتحول إلى قرصنة حقيقية بحق كركوك وأهلها لدرجة حتى أن بعض الكورد أيضا لم يسلموا من هذه الأعمال , وكان واضحا أن الكثيرين من الحجوش الذين انضموا إلى صفوف المنتفضين قد استغلوا هذه الفرصة (التاريخية) وتحت عنوان كلمة البيشمركة المقدسة قاموا بإعمالهم المشينة , بل إن ذلك مرّ مر الكرام وأمام أنظار المسئولين من القيادات الكوردية التي شاركت في عملية (تحرير ) كركوك والتي بدورها ساهمت هي وأفراد حمايتها بنفس الأعمال , وكان عدد الساحبات وسيارات النقل اكبر من عدد المقاتلين الذين وصلوا المدينة ……. ان هذه الأعمال ساهمت الى حد بعيد بحرف الانتفاضة عن غايتها السامية وبسبب الانشغال بها توقفت الانتفاضة في كركوك ولم تستطع أن تستغل جو الانهيار الذي ساد صفوف عملاء النظام لتستثمر الوضع من اجل السير قدما نحو الحويجة و تكريت وبالتالي تغيرت المعادلة لصالح النظام الذي عاد بعد أيام بقوات ضعيفة منهكة ومع ذلك استطاعت ان تهزم المنتفضين دون قتال يذكر الا في جبهة طوز خورماتو حيث احتدمت المعارك البطولية بين البيشمركة من قوات الاتحاد الوطني وبين النظام الذي ساندته قوات مجاهدي الشعب الايرانية العميلة مما أدى في النهاية الى انسحاب قوات الانتفاضة نحو السليمانية, وبقية القصة معروفة للجميع……
لقد ادت تلك الأعمال اللامسؤولة الى إضعاف شوكة البيشمركة وتشويه سمعتها امام انظار الأصدقاء والأعداء, وخلقت نوع من العداء بين اهل كركوك من التركمان والعرب وبين الكورد ,وكرست روح الكراهية والبغضاء تجاه الكورد الأمر الذي استطاعت الجهات الشوفينية والحاقدة على الكورد أصلا الاستفادة من معطياتها ونجحت عملاء الجبهة التركمانية في تاليب العرب وبالأخص من العشائر السنية في الحويجة (العبيد والجبور) والذين كانوا قبل الانتفاضة يتعاطفون إلى حد كبير مع الكورد وأصبحوا بالتالي في الخندق المعادي لأنهم أدركوا أن ممتلكاتهم و مصالحهم ووجودهم باتت مهددة بوجود الكورد وان سيطرة الكورد على المدينة سيفقدهم كل مكتسباتهم المشروعة والغير المشروعة ومن يومها تحالفوا مع بعض ليصبحوا سكينة خاصرة ضد الكورد وأي مسعى لهم في ضم كركوك إلى إقليم كوردستان, وها نجد اليوم نتائج تلكم السياسات الخاطئة في كركوك بأم أعيننا ….. ولو كانت السياسة الكوردية حكيمة في كركوك منذ اليوم الأول لتحرير كركوك لكان الوضع مختلفا تمام الآن.

والآن لنأتي إلى دور القيادات بعد (التحرير الثاني) لكركوك إبان سقوط النظام المشين,
طبيعي إن الكورد وقياداتهم السياسية لم يجروا تقييما موضوعيا لأسباب فشل الانتفاضة ومحاولة معالجة آثارها بل على العكس انجروا الى الصراع الحزبي المدمر بين الحزبين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكوردستاني ….. ذلك الصراع الذي اضرّ بالكورد وحركته التحررية الكثير والذي كان أولا وآخرا صراعا على مناطق النفوذ والموارد المالية أكثر من ان تكون صراعا ايدولوجيا او سياسيا لغرض يخدم الشعب الكوردي ومصلحته العليا…. ومن الآثار الجانبية المدمرة والكارثية لهذا الصراع الدونكيشوتي على كركوك ومستقبله بروز الجبهة التركمانية كقوة له كل الإسناد المالي والعسكري ووصل الأمر إلى حد المهزلة حينما قبل الحزبان أن تكون قوات هذه الجبهة وأطراف أخرى مرابطة في نقاط التماس بين الحزبين فيما سميت (بقوات الكي فور) إضافة إلى السماح المشين للدول الإقليمية المحتلة لكوردستان (العراق,ايران,تركيا) أن تتدخل بشكل مباشر في هذا الصراع وبذلك وصمت الحركة الكوردية بعار ما بعده عار وأفقدت الحركة مصداقيتها وهيبتها أمام أعداء الأمة الكوردية وأصدقاءها على حد سواء…..
وحينما تحررت المدينة بعد سقوط النظام لم يكن هناك تغيير جوهري فيما يخص أعمال النهب ولو أنها كانت بشكل اقل من سابقتها وذلك بفضل وجود الأمريكان وليس نتيجة وعي ومنع القيادات الكوردية لهذه الأعمال, ولكن الجديد كان انعكاس آثار سياسة الاقتتال الكوردي على الأداء الكوردي في كركوك وعدم الاتفاق ولفترة طويلة على توزيع المناصب والأدوار بين الحزبين , بل بالعكس كان هناك صراعا خفيا ومحتدما أحيانا لكل حزب في الفوز باكبر الامتيازات والمناصب لتعزيز موقعه وليس اخذ المصلحة القومية العليا ومصير المدينة بنظر الاعتبار……
اما في بغداد العاصمة فالأمور لم تكن بأحسن حالا فيما يخص الاتفاق بين القيادات السياسية العراقية على تشكيل الحكومة والسير بالبلاد الى شواطئ الاستقرار والأمان…وكان الحاكم الامريكي (برايمر ) هو الحاكم الحقيقي في البلاد وسعى لتمرير الأجندات الأمريكية المرسومة, بينما الساسة العراقيين ومنهم الكورد غارقين في خلافاتهم الجهوية والشخصية…..والخطأ القاتل الذي وقع فيه الكورد هو عدم تقديرهم الصحيح لدورهم التاريخي في المعادلة السياسية ومحاولة لعب دور المصلح الاجتماعي أكثر من دور الدفاع المستميت عن قضايا الكورد وفي مقدمتها قضيتها المصيرية أي قضية كركوك, وعدم الجرأة في طرح الأمور بشكل حدي وجدي خوفا من فقدان المصالح الشخصية والامتيازات التي نزلت عليهم من السماء….. ولا تزال هذا التردد والخوف من (إغضاب) الحليف الأمريكي المزعوم ساريا في العقلية المحدودة للقيادة الكوردية التقليدية….. التي باتت تعتقد يوما بعد آخر ان الإمكانيات المادية وامتلاك اكبر قدر من القصور والأرصدة في الداخل والخارج هي الضمانة لبقائها واستمرارها, بعيدا عن حياة الجماهير الالتزام بقضاياها والدفاع المستميت عنها ناهيك عن تحدي اية قوة كانت وبمختلف الوسائل كما كانت تفعل سابقا حينما كانت لا تملك أكثر من الكهوف والجبال ماوى لها واكثر من الملبس الشخصي كساءا واكثر من البندقية سلاحا للدفاع بشرف عن شرف الأمة ونيل استحقاق القيادة التاريخية لشعب مظلوم مستعد لدفع الثمن…….