الرئيسية » مقالات » إصلاح النظام السياسي هو السبيل للخروج من الأزمة العراقية الراهنة

إصلاح النظام السياسي هو السبيل للخروج من الأزمة العراقية الراهنة

منذ إسقاط نظام حزب البعث الفاشي بقيادة الدكتاتور صدام حسين ،على أثر حرب الخليج الثالثة التي قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا في 9 نيسان عام 2003 ، والعراق يعاني من أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية خانقة ومستعصية، سببت للشعب العراقي من الويلات والمصائب التي يعجز القلم عن وصفها، بسبب تلك الاجراءات الخطيرة للإدارة الأمريكية وحاكمها المدني المعين بول بريمر التي استهدفت هدم البيان السياسي بكل مؤسساته العسكرية والأمنية والإدارية بقرارات متعجلة أوقعت البلاد في فراغ امني أدى بدوره إلى انفلات طائفي قادنا نحو هاوية الصراع الدامي الذي لم يشهد له الشعب العراقي طيلة تاريخه الحديث ، وزاد في الطين بله تأسيس نظام حكم طائفي مقيت تقوده أحزاب دينية طائفية شيعية في بادئ الأمر، ثم اتبعتها بالأحزاب الطائفية السنية بعد اندلاع النشاط الإرهابي ،الذي ضم تحت جناحيه القوى الصدامية المسقطة عن السلطة ، وحلفائها من إرهابيي القاعدة الدمويين ، والميليشيات التي تقودها أحزاب الإسلام السياسي الطائفي السني، مما أشعل صراعاً مسلحاً وحشي الطابع على السلطة والثروة وقوده المواطنون الأبرياء الذين دفعوا حياتهم بمئات الألوف على مذبح هذا الصراع السياسي الطائفي.
فهل كان حلم الشعب العراقي التخلص من نظام صدام وحزبه الفاشي ليقع فريسة نظام طائفي متخلف ومتوحش ليعيده مئات السنين نحو الوراء ؟
إن من حق المواطن العراقي المنكوب أن يسأل الإدارة الأمريكية وسيد البيت الأبيض بوش : هل هذه هي الديمقراطية التي وعدتنا بها في خطابك الذي وجهته للشعب العراقي قبل يوم من شنكم الحرب على العراق تؤمله بالخلاص من دكتاتورية صدام وحزبه، لتقيم لنا دولة ديمقراطية حرة مستقلة على أنقاض ذلك النظام المنبوذ؟
وهل يتفق النظام الديمقراطي مع تسليم أحزاب دينية طائفية زمام السلطة في البلاد ، ولتجري انتخابات عامة لاختيار برلمان كان تصويت الناخبين فيه قائم على أساس الطائفة والقومية وليس على أساس البرنامج السياسي ،الذي يستهدف خدمة الشعب والوطن ، ومن ثم ليشرع لنا دستوراً طائفياً يستهدف تمزيق وحدة العراق.
وفوق كل ذلك ما يزال العراق يرزح تحت نير الاحتلال منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا بقرار من مجلس الأمن الدولي ، ويمتلك المحتلون الأمريكيون القرار السياسي في البلاد على الرغم من قيام هذه المؤسسات الدستورية التي كانت من صنع أيدهم.
أن العراق اليوم رغم كل ادعاءات المحتلين والحكومة يعيش وضعاً كارثياً بكل معنى الكلمة ، اربعة ملايين من المهجرين قسراً عن بيوتهم ومدنهم وقراهم تائهين في مختلف البلدان ، وفي الصحراء العراقية في الخيام البائسة ، هرباً من القتل الذي جرى ويجري على الهوية والاسم ، وكل يوم نجد جثث الضحايا الأبرياء ملقاة في المزابل تنهش فيها الكلاب السائبة ، والاختطاف يجري على قدم وساق ، وابتزاز المواطنين لدفع الفدية وإلا قتل الضحية بدم بارد باسم الدين والطائفة .
أن العراق اليوم مقسم في واقع الحال إلى دويلات الطوائف في المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط ، ودولة مستقلة في كردستان بشمال العراق ، والميليشيات هي التي تتحكم بحياة المواطنين وتتدخل في كل شؤون حياتهم الخاصة صغيرها وكبيرها.
دولة كردستان تتحدى الحكومة المركزية والدستور، ووزارة النفط ، وتعقد اتفاقيات نفطية مع الشركات الأجنبية خلافاً للقانون الأساسي الذي وضعوه هم أنفسهم إلى جانب حلفائهم أحزاب الإسلام السياسي الطائفي الشيعي!.
والحكومة شبه مشلولة بعد أن استقال منها 17 وزيراً منذ عدة أشهر دون أن يستطيع رئيس الوزراء المالكي إعادة تشكيلها من جديد بسبب الهيمنة الطائفية على البرلمان !.
والبرلمان الذي ضم هذا الخليط العجيب والغريب من العناصر التي لا تستحق هذا المركز الخطير والحساس، والعديد الذين يحملون شهادات مزورة لا أساس لها ، ولا يفكرون إلا في تشريع القوانين التي تتعلق بالامتيازات التي منحوها لأنفسهم ، ورغم كل ذلك نجد هذا البرلمان في غالب الأحيان عاجز عن الالتئام لعدم أكمال النصاب حيث يسرح ويمرح الكثيرين منهم في مختلف بلدان العالم في الوقت الذي يعيش الشعب العراقي الذي أوصلهم إلى البرلمان في غفلة من الزمن أزمة اجتماعية وسياسية واقتصادية خانقة!
إن الأزمة العراقية الراهنة تتطلب إصلاحاً جذرياً للنظام السياسي في المجالات التالية:
1 ـ إعادة النظر الجذرية في الدستور وتجذيبه من شوائب الطائفية المقيتة والتأكيد على الجانب الديمقراطي وحقوق الإنسان التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والتأكيد على وحدة العراق أرضاً وشعباً.
2 ـ ينبغي تحديد شروط وأسس ثابتة وواضحة لقيام فيدرالية كردستان في صلب الدستور بما لا يتعارض مع سلطة الحكومة المركزية ، ووحدة العراق أرضاً وشعباً.
3 ـ لقد اثبت الواقع فشل تأليف مجلس الرئاسة الطائفي ، وهذا يتطلب إعادة النظر في موضوع الرئاسة وذلك بإلغاء المجلس الثلاثي ، والاكتفاء برئيس للبلاد ينتخب بصورة مباشرة من قبل الشعب على أن يكون مركز الرئاسة شرفياً ، وتؤول السلطة إلى رئيس الوزراء والوزارة التي تكون مسؤولة أمام البرلمان ، وتنال الثقة منه ، كي تمارس عملها في حكم البلاد.
4 ـ حل كافة الميليشيات المسلحة والأجهزة الأمنية التي لا تتبع الحكومة المركزية في بغداد مهما كان انتماءها وحصر القوات العسكرية والأمنية بالسلطة المركزية .
5 ـ ينبغي أن تكون جميع الثروات الوطنية في باطن الأرض ، وكافة الموارد تحت سلطة الدولة المركزية ، وتوزع مشاريع التنمية والتطوير في مختلف مناطق العراق بعدالة ، مع إعطاء أهمية خاصة للمناطق التي أصابها التخريب والإهمال والتخلف عن باقي المناطق الأخرى لرفع مستوى معيشة ابناء الشعب بصورة عادلة ، وتعويضهم عما أصابهم من إجحاف في العهد الصدامي.
6 ـ إعادة النظر في تأليف مجالس المحافظات والحكومات المشكلة من قبل الإدارة الأمريكية وبموجب دستور بريمر السيئ الصيت ، الذي جعل من هذه الحكومات دويلات مستقلة تتمرد باستمرار على الحكومة المركزية ، وتشجع على تمزيق العراق ، والعمل على قيام إدارة محلية تختص بالشؤون الإدارية للمحافظة ومرتبطة بالحكومة المركزية .
7 ـ إعادة النظر الجذرية بالجيش والشرطة والأجهزة الأمنية وتطهيرها من كافة عناصر الميليشيات الطائفية ، لكي يبقى ولاءها للعراق وحده ، وإطاعة أوامر الحكومة المركزية، وليس قياداتها المليشياتية والحزبية، والاهتمام بتسليح الجيش بالأسلحة الثقيلة ، والتدريب المستمر لأفراده ، وتربيتهم تربية ديمقراطية ، واحترام الشعب ، والدفاع عن الوطن ضد أي اعتداء .
8 ـ مكافحة الفساد المالي والإداري بصورة فعالة لا تستثني أحدا هما علا مركزه وكبر شأنه ، ومن الضروري سن قانون [من أين لك هذا؟] ، وعلى كافة الوزراء ومن هم بدرجة وزير، وأعضاء البرلمان ، والمدراء العامين ، تقديم مجرد بممتلكاتهم وثرواتهم قبل شغل المنصب وبعده ، وتقديم من يثبت إدانته بالفساد المالي إلى محكمة مختصة لتزل به العقاب الذي يستحقه.
هذا هو السبيل للخروج بالعراق من أزمته المستعصية التي بات استمرارها أمر لا يمكن السكوت عنه، وأن تجاهل هذا الواقع المر لا يعني سوى الانحدار نحو الكارثة ، فهل من سميع وهل مجيب؟