الرئيسية » مقالات » صـحــوات النفـس الآخيـــر

صـحــوات النفـس الآخيـــر

امـريكـا … نعـم امـريكـا ’ التي حرصت منذ انقلابهـا الدموي فـي 08 / شباط / 1963 ’ على ان يبقـى العراق حيـاً فـي النفـس الآخيـر داخـل غرفـة الأنعاش المركز ’ فبعـد ان سحقته بقطارهـا سيء الصيت واغتيال ثـورتـــه فـي 14 / تمـوز / 1958 الوطنية وتصفيـة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم وقادتهـا الوطنيين وخيرة بنات وابنــاء الشعب العراقـي ’ عادت فأمتصت نقمـة الناس واحتمال ردود افعالهـا كمـا حدث فـي انتفاضـة معسكر الرشيد في 03 / تموز / 1963 بصحـوة انقلاب 18 / تشرين / 1963 بقيادة العنصري الطائفي القميء عبد السلام عارف’ وبعد رحيلـه الغامض الى جهنـم وصعود اخيـه ’ ضعيف الأرادة المتردد عبد الرحمن عارف واحتمال صعود المتبقين مـن ابنـاء ثـورة 14 / تمـوز والمنظمات الثوريـة المتبقيـة مـن الحزب الشيوعي العراقي ’ انتفاضـة الأهوار بقيادة خالد احمد زكـي مثالاً استعجلت انقلابهـا الأبيض فـي 17 / تموز / 1968 ’ وبعـد هزيمـة النظام البعثي فـي حرب الخليج الثانيـة التي كان مـن ردود افعالهـا الأنتفاضـة الشعبانيـة الباسلـة عام 1991 على عمـوم المحافظات العراقيـة ’ سارعت وفتحت الأبواب امام الحرس الجمهوري التي ابقت عليـه كاملاً’ وبمساعة الطيران والمدفعيـة الثقيلـة تـم ارتكاب مجازر بشعـة زرعت فيهـا تراب العراق بمقابر جماعيـة لأهلـه ’ ثـم فرضت عقوباتهـا وحصاراتهـا المجحفـة بحق العراقيين فقط دمرت فيـها البشر والأقتصاد والثقافـة شوهت الحاضر ومسحت معالم المستقبل ’ اعادت بهـا العراق الى النفس الآخير داخـل غرفـة الأنعاش ’بعدهـا فاجئتـه بصحـوة مشروع تحـرير العـراق والأحتلال المباشر لـه ديموقراطياً وفدراليـاً وتعددياً وغيرهـا ’ فأسقطت النظام البعثي فعلاً ’ وكذب العراقيين تجاربهـم المريرة وصدقوا الأمـر واعتبروه تحريراً ’ وقبل ان يخرج العراق مـن حالـة موتـه السريري ويتجاوز نفسـه الآخير عافيـة ’ فتحت عليـة ابواب جهنـم مـرة اخـرى وبوحشيـة غيـر مسبوقـة واكملت سحقـه بقطارهـا الذكـي محملاً بالأرهابيين والمفخخين والمفجرين والأنتحاريين وفـرق المـوت السريـة الجاهـزة استيراداً واجهزة مخابراتيـة معقـدة خطيـرة وقوى همجيـة تحت لافتات لشركات امنيـة دوليـة معـروفـة كونياً ببشاعـة جرائمهـا مستعينـة ايضاً ببقايـا مجرمـي الأجهزة القمعيـة للنظام البعثـي العنصري ’ وبعـد ان فـرضت على العراق واهلـه حكومـة علـى مقاس مخططاتهـا ولـدت معوقـة بأصابات التحاصص والتوافق ’ مستعيرة مـن تجارب التاريخ ابشعهـا ’ فشجعت العنصريـة والطائفيـة بمليشياتهـا ومنظماتهـا العلنيـة والسريـة وزرعت الفوضى والخـراب والموت اليومـي قتلاً علـى الهويـة وسكبت الزيت على نار صراعات وخلافات وعداوات وثأرات قديمـة نائمـة فـي الضميـر العراقي ’ فأيقضتهـا فوضى وانفلاتاً ودمـاراً وفتنـة بغيضـة بين المكونات التاريخيـة للمجتمـع العراقـي ’ فأعادت العـراق مستسلمـاً وديعـاً مخـدراً وبطريقـة اكثـر دهـاء وخسـة الـى حالـلة النفس الأخيـر داخـل غرفـة الأنعاش مستبقيـة عليـه حياً فـي اسواء حالات ضعفـه وانهياره .
الآن يتفجـر الأمريكان صحوات هنـا وهناك فـي مناطق كانت فيهـا و الى وقت قريب جـداً وعبر اربعـة سنوات عجـاف البيوت والمدارس والجوامـع ورشات لتصنيـع المفخخـات وتدريب او استيراد المفخخيـن والمفجرين ومجهـزي العبوات والأحزمـة الناسفـة وايواء الذباحين والأنتحاريين ’ تتحـول الآن وبسرعـة اكتسبت الرقـم القياسي غيـر المتوقـع وبدون مقدمات وطنيـة او تحولات فكريـة انسانيـة سوى بعض التراجعات غيـر المنتظـرة على اصعـدة المصالحات الوطنية ( السياسيـة ) ومشاريع العفو العـام وعفى اللـه عما سلف وتوزيـع صكوك البـراءة مرفقـة بالمكارم والتعويضات لرمـوز الجرائـم للنظام البعثي الساقط ’ مناطق الصحوات اقفلت ورشاتهـا وتوقفت فيهـا نسبيـاً صناعـة القتـل والموت اليومي على الهويـة واخـذت تطارد نفسهـا وتنظف مناطقهـا مـن اشباحهـا .
كـم كلفت تلك الصحوات المفاجئـة المدججـة بالسلاح والمـال والنوايـا المحيرة … وكـم ستكلـف … ؟
العـراقيون هـم دائمـا ومـن منطلق واقعهـم المأساوي وقلـة حيلتهـم علـى استعداد لأستقبال تلك الصحوات والترحيب بهـا وخاصـة الصحــوة الراهنـة لأشقائهـم علهـا تفتـح ثغـرة متواضعـة فـي جدار غرفـة انعاشهـم لتنفـذ منهـا قليل مـن رياح الأمـن والأستقرار ليستنشقـه نفسهـم الأخير المعلق على حبـل الأنتظار بين السيء والأسواء مـن واقعهـم المآساوي ’ مستعدين ان يسامحوا ويتناسوا اكثـر مـن ثلاثـة ارباع المليون شهيـد قتلاً وذبحـاً وسلخـاً واغتصاباً وتفحيمـاً ’ ومـا سببـه مـن ضياع ومعانات لملايين الأيتام والأرامـل والثكالى والمعوقين والعجـزة والمشردين هجـرة وتهجيـراً ويرفعوهـا عـن عنـق اخوانهـم فـي مناطق الأنبار وغيرهـا مـن المناطق الغربيـة ويباركـوا صحوتهـم الأمريكيـة ويعتبروهـا واحـدة مـن انجازات ديموقراطيتهـا وتحريراتهـا وعملياتهـا السياسيـة ومشاريع محاصصاتهـا ومصالحاتهـا الوطنيـة ’ املاً فـي ان لا تصبـح صحوات اشقائهـم قـروشاً مدججـة بالأنياب العملاقـة لأعادة ابتلاعهـم والعـراق معهــم …
ونحـن نجازف حذريـن بمباركـة اخواننـا فـي المناطق الغربيـة صحوتهـم وندعـو العراق ان يجامـل الأحتلال ويدفـع ثمنهـا مهما كلف ’ فالناس بحاجـة فوق الماسـة الى استراحـة واستقرار وهـم على طريق موتهـم البطـيء .
بقـى ان نتسائل : هـل ستحدث فـي الجنوب والوسط العراقـي ثمـة صحـوة شرط ان تكون عفويـة ذاتيـة لا تكلف العراق ثمنـاً اضافيـاً فوق ممـا هو عليـه ’ صحوات تكتسب طابع انتفاضـة الرفض السلمـيـة الصامتـة لواقعهـم المزري ’ دقائق وقوف شامـل صارخ صمتـاً دون يحيى ويعيش ويموت ’ ردود افعال وديعـة رافضـة بعناد ’ تتـواصل حتـى الأنتهـا مـن حـل وكنس المليشيات العاقـة والجيوش المناطقيـة والمنظمات مشبوهـة الولاء والأجهزة الغريبـة والمؤسسات غيـر الشرعيـة المتمركزة فـي مفاصـل الدولـة واجهزتهـا الحكوميـة … ان تستعيد حرياتهـا المغتصبـة وكرامتهـا المهانـة وخصوصياتهـا المهدورة ’ وتجبـر تلك القوى المسعورة على الخيار بين اصلاح ذاتهـا والتحلي بالسلوك السوي ’ مواطنون يحترمون اهلهـم ويحبوهـم ويتفانون مـن اجلهـم ويعتزون بأنتماءهـم للوطـن وهويتـه ’ ومـن لا يستطيع ذلك ومـن غير الممكـن شفاءه مـن اصابات التبعيـة وازدواجيـة المواطنـة والولاءات الشاذة ’ عليـه ان يغادر عبـوراً الى موطنـه في الطـرف المقابـل .
مقارنـة محزنـة ’ ان ابنـاء المناطق الغربيـة يبيعون صحوتهـم تحت الطلب غاليـة الثمـن مكلفـة وطنيـاً وانسانيـاً بينمـا اهـل الجنوب والوسط يشترون غفوتهـم وغيبوبتهـم ونومهـم مكلفـة ايضـاً لوطنهـم وشعبهـم .
لماذا اصبـح الفكـر والمعرفـة والصحـة والغذاء والأمن وقيـم العقيـدة بالنسبـة لأهـل الجنوب والوسط ثوبـاً معيبـاً لا يرغبـون ارتداءه ’ بينمـا ينتعشون حـد اللعنـة فـي غيبوبـة وعيهـم وينتشون خـدراً فـي اجواء جهلهـم ويتلذذون بطعـم الفقـر والجهـل والأوبئـة والكئآبـة ونوبـات جلـد الذات ’ يكفرون مـن يفتـح اورام الذل والمهانـة فيهـم … ؟
امـر محيـر مقلـق اكتسب فـي النهايـة شروط ضريبتـه المزمنـة .
واخيـراً نسأل امريكا الكبرى وبريطانيا الصغـرى .. متى سيستوفوا دينهـم مـن العراق ’ ويأخـذوا كامـل ثأرهمـا منـه ’ ليطلقوا سراحـه مـن الأقامـة الجبريـة فـي غربـة الأنعاش والموت السريري … ليتنفس اخيـراً بسعـة رئـة حريتـه وينهض بما يكفـي مـن عافيتـه ’ ومثلمـا لا يجبـر على الغفوات والغيبوبات ’ فهـو لا يحتاج ابـداً الـى صحوات ’ تلك اللعبـة السمجـة التي كلفتـه بما لا يستطيعـه غيـر العراق دمـاء وارواحاً وثرواتاً وامـناً واستقراراً وحاضـراً مـدمـر ومستقبـلاً مجهولاً … ؟
01 / 12 / 2007