الرئيسية » مقالات » موقع الصراع حول دور القطاعين العام والخاص في الصراع على السلطة في العراق

موقع الصراع حول دور القطاعين العام والخاص في الصراع على السلطة في العراق

يدور نقاش بين أوساط السياسيين وجمهرة من المثقفين حول دور كل من القطاعين الخاص والحكومي في عملية إعادة الإعمار والتنمية وفي مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد. وهذا النقاش الذي يحتل أهمية لدى هذه الأوساط , يهيمن على الساحة السياسية العراقية صراعاً أساسياً آخر أكثر أهمية وحيوية للعراق في المرحلة الراهنة وفي المستقبل هو الصراع على السلطة بين قوى وأحزاب سياسية عديدة وباتجاهات مختلفة. إنه الصراع الذي يفترض أن يعار له أكبر الاهتمام لأنه يشكل محور العملية السياسية الجارية في العراق , فالصراع على السلطة يعني بدوره الصراع حول الموقف من مبادئ وممارسات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وحول وجهة عملية التنمية ومجمل العملية الاقتصادية , ومن ثم يعني الصراع حول السياسات الكلية والجزئية التي يراد ممارستها في العراق من خلال السلطة السياسية.
لا يشكل الصراع حول قطاع الدولة والقطاع الخاص إلا مسألة جزئية , رغم أهميتها الكبيرة وخلفيتها السياسية , في مجمل الصراع الجاري في البلاد , سواء أكان هذا الصراع يدور بين القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية وبين المجتمع , أم في ما بين القوى الإسلامية السياسية الطائفية حول الحكم لا على مستوى العراق حسب , بل على مستوى المحافظات والأقضية والنواحي والريف , أم على مستوى تكريس سلطة دينية ثيوقراطية محافظة وصارمة أو التحول صوب سلطة مدنية حرة وديمقراطية.
إن أجواء الصراع والنزاع السياسي الخانقة التي يعيش تحت وطأتها المجتمع العراقي , رغم التحسن النسبي في الجانب الأمني في عدد مهم من محافظات الوسط والجنوب وبغداد , تتميز بالقسوة والدموية والاستمرارية , إذ أن هذا الصراع والنزاع الدموي يُغذى من دول الإقليم على قدم وساق وبموارد مالية كبيرة جداً وبجهود سياسية وإعلامية كبيرة وحضور فعلي صارخ.
والجدير بالإشارة إلى أن هذا الصراع لا يجري على مستوى السياسيين والمثقفين حسب , بل أصبح جزءاً من عمليات التعبئة الشعبية للقوى السياسية الإسلامية الطائفية بشكل خاص التي استطاعت خلال الأعوام المنصرمة أن تنشط وتعمق الرؤية والذهنية الطائفية على حساب الذهنية الوطنية العراقية , والذهنية المحلية الضيقة على حساب الذهنية الوطنية المفتوحة , والقومية الضيقة على حساب الوعي المشترك بالعيش المشترك في العراق مع ضمان الحقوق القومية المشروعة والعادلة.
لم يجد المجتمع العراق حتى الآن القواسم الوطنية المشتركة التي تستقر عليها العملية السياسية , وبالتالي فأن الجانب الأمني يمكن أن يفلت دفعة واحدة ومن جديد , أو يتحول الحكم إلى نظام مستبد يفرض الأمن بقوة السلاح وليس بالتفاهم والوعي المشترك بضرورة السلم الاجتماعي القائم على المصالح المشتركة. وهي الحالة الراهنة التي لا يمكن التنبؤ بتطورها ما لم تتوصل القوى السياسية العراقية إلى رؤية مشتركة لحكم مدني ديمقراطي وليس على أساس حكم ديني أو ثيوقراطي متشدد على نمط الحكم في إيران أو مشابهاً له.
الوضع في العراق يحتاج إلى تجديد , وهذا يعني يحتاج إلى حكومة جديدة وسياسة جديدة ووعي جديد بالمسئولية , وفي حالة العجز عن الوصول إلى حكومة تعبر عن المصالح المشتركة , سيُجبر المجتمع على المطالبة بانتخابات جديدة وفق أسس وقواعد جديدة , وهي مهمة كبيرة ومعقدة , ولكنها ستصبح ضرورية لحسم جملة من الصراعات الراهنة بما فيها الموقف من بعض أبرز مواد الدستور العراقي الجديد وقانون الانتخابات الذي يفترض تعديله ..الخ.
كما لا شك في أن الصراعات والنزاعات الجارية لا تجري وحدها داخلياً وإقليمياً بل تلعب فيها القوى الدولية ومصالحها وفق أجنداتها , وخاصة قوات الاحتلال في العراق , رغم إنهاء قرار الاحتلال رسمياً , دورها المتميز والفاعل في الوضع السياسي والأمني العراقي. وإذ استطاعت قوات التحالف الدولي , وبالتعاون مع القوات العراقية , أن تحقق حتى الآن جملة من النجاحات في الوضع الأمني , إلا أنها عجزت سياسياً عن تحقيق تغيير في وجهة العملية السياسية التي كرستها منذ أن كانت القوى الحاكمة حالياً في المعارضة للنظام المخلوع.
من هنا يمكن القول بأن المشكلة التي تواجه المجتمع العراقي هي أكبر بكثير من المشكلة الاقتصادية , رغم أهميتها , ومنها مشكلة قطاع الدولة والقطاع الخاص. إنها أزمة متراكمة ومستفحلة وذات أبعاد عديدة , رغم الضوء الذي يبدو لنا واضحاً في نهاية النفق بسبب جلد وصبر الشعب العراقي وسعيه للخلاص من الأزمة الخانقة.
لا شك في أن صراعاً يدور حول دور كل من القطاعين العام والخاص , ولكن علينا أن ننتبه في هذا الصراع إلى جملة من الملاحظات التي يفترض طرحها للمناقشة والتي يمكن بلورتها في النقاط التالية:
1. شهد المجتمع العراقي انتكاسة مريعة وتراجعاً كبيراً في بنيته الاقتصادية والاجتماعية بالمقارنة مع الخمسينات والستينات والسبعينات , أي قبل وأثناء الحرب العراقية الإيرانية وامتداداً لها في غزو الكويت وحرب الخليج الثانية ومن ثم الضربات الجوية المتلاحقة والحصار الاقتصادي الطويل , ثم حرب الخليج الثالثة التي أجهزت على نظام الاستبداد والعبودية والجريمة , وأخيراً وليس أخراً الإرهاب الدموي الذي دمر وقتل وعطل عجلة إعادة الإعمار والتنمية في البلاد.
2. والبنية الاجتماعية المدنية الجديدة التي بدأت تتشكل للمجتمع والدولة في تلك العقود المنصرمة , تراجعت عنها بسبب مضمون السياسة الدولة وحروبها والحصار الاقتصادي لصالح المجتمع العشائري والفئوي الذي يستند إلى العشيرة والطائفة الدينية وتقاليدهما المعروفة لنا جميعاً وما يحمله كل ذلك من تناقضات وصراعات ونزاعات.
3. والدولة المؤسساتية التي وجدت بصيغة ما في العقود المنصرمة تم تدميرها عبر سياسات النظام البعثي وحروبه وبفعل سياسات الإدارة الأمريكية التي نفذها بول بريمر في العراق في أعقاب الحرب الأخيرة , وتراجع ما تبقى منها لاهثاً إلى الوراء , وهي الآن تزحف على كثبان رملية لم يحسم أمر بنيتها وتطورها بعد , كما أن الحريات السائدة فيها قلقة ومحفوفة بمخاطر جدية تتآكلها المليشيات الطائفية المسلحة والاختراقات المحلية والإقليمية والدولية التي لا تعمل لصالح إقامة دولة مؤسساتية تستند إلى الشرعية والقانون الديمقراطي , والحياة الديمقراطية المنشودة غائبة عملياً.
4. وهذه الدولة لم تعد تملك الكثير من المؤسسات الاقتصادية , إذ أن الكثير منها قد تمت خصخصته في فترة حكم صدام حسين وأثناء الحرب العراقية – الإيرانية وما بعدها , والقسم الآخر يعاني من مشكلات كثيرة.
5. ولكن هذه الدولة تملك المورد النفطي الأساسي في الاقتصاد العراقي والممول الفعلي لخزينة الدولة والميزانية التنموية. وهذا المورد النفطي والمالي الذي هو بيد الدولة يفترض الحفاظ عليه وحمايته بالدرجة الأساسية وتطويره وضمان استخدامه لمصلحة تطوير المجتمع وتقدمه.
6. وخلال فترة السنوات العشر القادمة يفترض أن ينشأ تعاون متين بين القطاع الخاص المحلي والإقليمي والدولي من جهة , وقطاع الدولة من جهة أخرى. إذ أن من المعروف أن القطاع الخاص لكي ينمو ويتطور ويساهم بفعالية في العملية الاقتصادية سيكون بحاجة إلى الكثير من مشروعات الهياكل الارتكازية المفقودة حالياً في العراق. والدولة بمواردها المالية قادرة على توفير مشروعات البنية التحتية بشكل منفرد أو بالتعاون مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي , كما يمكن للقطاع الخاص أن يولي عنايته واهتمامه بمشاريع مهمة في حقول صناعية وزراعية كثيرة وبتعاون وثيق أيضاً مع القطاع الحكومي.
7. لا يمكن للاقتصاد العراقي في المرحلة الراهنة وعلى مدى العقود الثلاثة القادمة أن يستغني عن قطاع الدولة أو أن يستغني عن القطاع الخاص المحلي والأجنبي , وبالتالي لا بد من إيجاد صيغة تعاون وتنسيق عملية تنهض بالاقتصاد العراقي من كبوته الشديدة , وهي المهمة الأولى المركزية حالياً في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي والتي في مقدورها أن تعالج أزمة البطالة المستفحلة وأزمة الفقر المدقع لفئات واسعة في المجتمع.. الخ.
8. والمشكلة التي تواجهنا اليوم في العراق في إطار العملية الاقتصادية تبرز في تبني جمهرة من الاقتصاديين العراقيين المتنفذين وجهة نظر المحافظين الجدد واللبرالية الجديدة في الدول المتقدمة صناعياً والمؤسسات المالية الدولية الموجهة لاقتصادات الدول النامية التي تدعو إلى مسألتين رئيستين , وهما:
• توقف الدولة كلية عن النشاط الاقتصادي وجعله بيد القطاع الخاص بشكل كامل , في وقت يعجز القطاع الخاص النهوض بهذه المهمة , وفي وقت يحتاج الاقتصاد العراقي إلى جهود الدولة.
• ابتعاد الدولة عن التصنيع والاكتفاء باستيراد السلع المصنعة من الخارج , أي جعل الاقتصاد العراق اقتصاداً استخراجياً استهلاكياً لا غير , وهذا يعني العجز عن تحقيق عدة مسائل سلبية على الأقل:
أ‌. إبقاء الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً من حيث النفط والزراعة واستهلاكياً في اعتماده على استيراد نسبة عالية جداً من احتياجات السوق المحلية.
ب‌. استنزاف شديد للموارد المالية المتأتية من النفط الخام دون المشاركة في أغناء الثروة الوطنية.
ت‌. عدم تحقيق تراكم رأسمالي ضروري في العملية الإنتاجية لتغيير وحدانية التطور وتشوه بينة الاقتصاد العراقي وعدم تكامل في العملية الاقتصادية.
ث‌. العجز عن تأمين العمل لمزيد من الأيدي العاملة في دولة ما تزال نسبة الأطفال والصبية والشباب كبيرة تضخ سنوياً الكثير من الأيدي العاملة الجديدة على سوق العمل.
ج‌. العجز عن ضمان الأمن الغذائي من المنتجات الزراعية والصناعية في البلاد والانكشاف الشديد على الخارج.
وستكون لمثل هذه السياسة عواقب سلبية على المدى البعيد والأجيال العراقية القادمة , رغم أن الجيل الراهن سيعاني من البطالة والفقر بشكل خاص , غضافة إلى استمرار فعل بقية المشكلات الاقتصادية.
نحن أمام صراع ملتبس في غالب الأحيان بشأن العلاقة بين القطاعين العام والخاص من جهة , وبشأن العلاقة بين الصناعة والزراعة والتجارة من جهة أخرى , لسببين هما:
• الخلفية الفكرية والسياسية التي يحملها كل طرف من أطراف الصراع والمبنية على أحكام مسبقة وجاهزة.
• وعدم وضوح الرؤية للواقع الراهن ومهمات المرحلة التي يعيش فيها العراق ومن ثم مهماته الراهنة ومهمات أجياله القادمة.
وهذه النقد يتوجه صوب المغالين المتخندقين في اتجاهين متناقضين وليس باتجاه واحد.
القطاع الحكومي والقطاع الخاص لا يعنيان شيئاً في خضم الصراع من أجل السلطة السياسية. فالدولة الاشتراكية السوفييتية التي كانت تمتلك كل شيء , فرطت بكل شيء لأسباب كثيرة , ولكن بشكل خاص بسبب البيروقراطية وغياب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والفساد الحزبي والحكومي , المالي والإداري أو الوظيفي .. والتعسف في هيمنة الدولة على كل شيء ثم فقدت السيطرة على كل شيء , إضافة إلى أسباب كثيرة جوهرية أخرى.
إن جوهر القضية في العراق يكمن اليوم في موقفنا من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومدى الوعي بمهمات المرحلة ومستوى العدالة الاجتماعية الذي ننشده , وليس بالشعارات التي تطرح وفيها الكثير من المزايدات التي لا تتطابق مع الواقع القائم ولمدى ربع قرن قادم على اقل تقدير.
المرحلة تستوجب الصراحة في طرح الأفكار والمواقف والنضال. نحن أمام مهمة بناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في العراق ولسنا أمام أي مهمة أخرى. ولكن الرأسمالية التي يفترض أن تبنى في العراق تعتمد بالأساس على القطاع الخاص , أي على دور البرجوازية وعلى نشاطها الاقتصادي التصنيعي والزراعي والتجاري …الخ , ولكن هذا لا يعني غياب أو تغييب دور قطاع الدولة , بل لا بد من مشاركته إذ أن المرحلة ومستوى التطور وواقع المجتمع تستوجبه في العراق , تماماً كما تستوجب القطاع الخاص. نحن أمام مهمة إزالة بقايا العلاقات القديمة المتخلفة والبالية المعرقلة لنمو الرأسمالية والتصنيع الحديث وتحديث الزراعة والتغيير الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. ولكن , ونحن نبني العلاقات الرأسمالية , نحتاج إلى عتلات مهمة أو إلى آليات يفترض فيها أن تساند وتساعد تعجيل عملية التنمية والنمو وتحقيق التراكم الرأسمالي وتنظيم هذه العملية في اقتصاد السوق الحر من جهة , ولكن بحن بحاجة أيضاً إلى كوابح يفترض فيها أن تحد في الوقت نفسه من شراسة الاستغلال المحتملة وأن تساهم في تنظيم العملية الاجتماعية بقوانين ملزمة بحيث يتجنب المجتمع احتدام الصراعات الطبقية بسبب نشوء فجوة متسعة في مستويات المعيشة والغني والثروة من جهة أخرى. ومثل هذه الإمكانية متوفرة وضرورية تستوجبها الوقائع الجارية على أرض العراق وفي المجتمع. أي أننا بحاجة إلى اقتصاد حر ولكن بوجهة اجتماعية منظمة للعلاقات والضمانات في المجتمع.
كلنا يعرف بأن القوانين الاقتصادية الموضوعية في الرأسمالية هي واحدة , ولكن فعل تلك القوانين متفاوت بالارتباط مع مستوى التطور والمراحل التي قطعها التطور الاقتصادي الرأسمالي في كل بلد من هذه البلدان والسياسات التي تمارسها الدولة. وهذا يعني أن التجارب متباينة من حيث الزمان والمكان والمستوى ومن حيث التعامل مع تلك القوانين الاقتصادية الموضوعية ومع القواعد والآليات التي تنظيم العملية الاقتصادية. ومن هنا علينا أن ننتبه وننبه بأن ما نفذ في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو ألمانيا أو أسبانيا أو البرتغال أو غيرها من سياسات وإجراءات لا يمكن أن تكون ذاتها في العراق , رغم كون القوانين الاقتصادية الموضوعية الفاعلة للرأسمالية واحدة. إن وعي هذه القضية ضروري لكي نبتعد عن النصية والتجريبية والخضوع لهذا النموذج أو ذاك , إذ لا يمكن أن يكون ذاته مناسباً لكل الدول.
نحن بحاجة إلى تطور رأسمالي بالقطع ودون أي لف أو دوران , ولكن نحن بحاجة إلى ضوابط تسمح بنشوء سلم اجتماعي يساعد على تسريع العملية الاقتصادية والبناء الرأسمالي والتغيير الاقتصادي والاجتماعي وينقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى. نحن في العراق لا نزال في قعر التخلف والفوضى والبؤس والفاقة رغم غنى الأرض. والسياسة فن الممكنات , ومن شأن الفكر السياسي أو الفكر عموماً أن يساعد على اكتشاف تلك الممكنات في اللحظة المناسبة بعيداً عن التطرف والمغالاة والمزايدة يميناً أو يساراً. والواقع المعاش هو الذي يفرض علينا دراسته واستخلاص المهمات منه , وليس وضع المهمات وفرضها على واقع لا يتحمل تنفيذها. الفكر , أو المهمات المستخلصة عبر التفكير بالواقع , هي انعكاس أو تجلي أو تعبير عن ذلك الواقع. علينا التعلم من دروس الماضي التي يمكن أن تمدنا بزاد لا ينضب مع تطلع واقعي ومسئول نحو المستقبل بعقول متفتحة وذهن يقظ ومشاركة شعبية وفي أجواء من الحرية والديمقراطية والمسئولية.
نحن بحاجة إلى أن نضمن التعامل العقلاني مع النفط العراقي ومع إيراداته المالية لكي لا يبقى العراق ريعياً استهلاكياً , بل منتجاً للنفط الخام والصناعة التحويلية والمنتجات الزراعية في ضوء إمكانيات وحاجات العراق ومن خلال نشاط القطاعين الخاص والعام وبمشاركة فعالة من القطاع الخاص المحلي والأجنبي ووفق رؤية رحبة ومتفتحة على الواقع الجديد الذي يعيش فيه العالم , عالم العولمة التي هي في الجوهر رأسمالية , ولكنها عملية موضوعية لا فكاك منها , مع وجود سياسات عولمية خاصة بالدول الكبرى وفق أجنداتها ومصالحها , والتي يفترض أن يعرف العراق كيف يتعامل معها وسبل الاستفادة منها وتجنب سلبيات تلك السياسات وأن لا يضع نفسه خارج إطارها , إذ أن هذا غير مستحيل كما أنه غير سليم.
لا شك في أن الانكشاف الاقتصادي المطلق الراهن على العالم الخارجي له أضراره الكبيرة على العملية الاقتصادية وعلى الإنتاج المحلي والتثمير والتنمية الإنتاجية وعلى تبعية هذه العملية والأمن الغذائي بشكل كامل للاقتصاد الدولي , في حين يمكن أن تكون هناك ضوابط مهمة لهذا الانكشاف الاقتصادي على الخارج الذي يسمح بتحقيق التنمية وليس إغراق الأسواق المحلية بالسلع المصنعة والمنتجات الزراعية الأجنبية بحيث يعجز الاقتصاد الوطني عن تنمية وتطوير إنتاجه وتشغيل الأيدي العاملة العاطلة فيه. والمشكلة الراهنة تبرز في غياب رؤية حكومية واحدة أو متناغمة أو متفق عليها حول وجهة العملية الاقتصادية , بسبب غياب البرنامج المشترك الذي تلتقي عنده القوى والأحزاب السياسية العراقية , وبسبب غياب التعاون والفهم المتبادل بينها , وبسبب شدة التعارض بين البرامج أيضاً. ويشكل الموقف من القطاعين الخاص والحكومي ومن القطاعين الصناعي والزراعي أحد أبرز تلك النقاط غير الواضحة وغير المحسومة في العملية الجارية في العراق , بسبب طبيعتها السياسية وعلاقتها بالفساد المالي السائد في البلاد وعلاقة ذلك بالدول الإقليمية والدولية والمصالح الخاصة للأفراد والقوى والأحزاب وبالصراع الجاري على السلطة السياسية. وحل هذه المشكلة سيستغرق وقتاً طويلاً ومنهكاً حقاً , ولكنه سيستقر على حال ما دامت هناك قوى شعبية وأحزاب سياسية ذات مصلحة وذات اهتمام بالتحول الوطني والديمقراطي للبلاد.
21/11/2007