الرئيسية » مقالات » كيف نفترق ورافدينا يلتقيان؟!

كيف نفترق ورافدينا يلتقيان؟!

من أقدس ما أصلته البشرية خلال مسيرتها التأريخية، الانتماء الى الارض .. فكانت علاقة الانسان بمساحة معينة مقتطعة من خريطة الكرة الارضية، علاقة مشيمية غير قابلة للقطع الا بولادة غير شرعية!!

ولذلك جاءت المقولة الفكرية العظيمة (حب الوطن من الايمان) لتؤكد على قدسية هذه العلاقة وتنظمها في دائرة الايمان ليصبح الانتماء الى الارض جزءا من عقيدة الانسان.

يقال عن بعض العلماء، ان البيئة الجغرافية وطبيعة الارض تؤثر في سلوكيات الناس وتترك بصماتها الواضحة على مفردات حياتهم.

ونحن العراقيون – في قصة علاقتنا بالارض، نتفرد عن شعوب العالم، تفرد ارضنا عن اراضي الشعوب الاخرى بدجلتها والفرات!! فمن البديهي ان تتمايز علاقتنا بدجلة والفرات تمايزهما عن أنهار العالم!

فدجلة الخير والفرات الصابر بعد ان يقطعا مسافات واسعة من ارض السواد يغذيانها بالحياة، يلتقيان في لحظة نكران الزمن لذاته، في لحظة منح الحياة عذريتها… يلتقيان في أروع توحد جسدته ملحمة الوجود، ليولد (شط العرب)، نهرا للعطاء والحب والخير والصبر.

لم تسجل محاضر التأريخ يوما، ان دجلة والفرات تخاصما يوما أو اقام احدهما دعوة ضد الآخر لأي سبب كان، كما أنهما لم يفكرا يوما ما بعقد صفقة لترتيب العلاقة بينهما أو توضيح بنود معاهدة توحدهما في نقطة أزلية خطها القدر تقع جنوب العراق!

فما أحوجنا – نحن العراقيون – بإعادة قراءة أبجدية الوجود وخاصة في ذلك الفصل المتعلق بعلاقة الارض بسلوكيات الانسان، أو علاقة الانسان بتركيبة الارض!

فمن منا لم يختلط لحمه ودمه بماء الرافدين، كلاهما؟!

هل نقوى على فك جزيئات مياه دجلة والفرات المختلطة بلحمنا ودمنا في معادلة تصنيفية حتى وان استعنا بأعظم المختبرات العلمية وأكثرها تطورا؟!

هل سأمنع طفلتي وتمنع طفلك عن رسم خارطة للعراق دونما رسم نقطة التقاء الرافدين المستقرة في قلب الجنوب؟!

هل سنتناظر في باحة الوجود، ليثبت احدنا عراقيته وجدلية انتمائه للرافدين خلاف الآخر؟! بأي دليل سنفعل ذلك؟ وما هي اللغة التي سيسمعنا بها المتجمهرون في تلك الباحة؟!

كلانا سيخسر المناظرة، وكلانا سيفشل في منع اطفاله عن رسم خارطة العراق، وكلانا سيتشوه وجهه في تلك المختبرات العلمية لان جزئيات دجلة والفرات لن تنفصلا عن بعضها حتى لو احترقت أقنعتنا ومن وراءها وجوهنا بل جوارحنا كلها!!

لنتساءل مع أنفسنا في لحظة صدق، لحظة خلوة مع النفس: يا ترى ماذا يحدث لو اعلن دجلة والفرات عن رفضهما الالتقاء يوما ما؟!

يا ترى ماذا يحدث لو اعلنا جميعا باننا قررنا ان لا نختلف يوما ما، ان لا ينفصل بعضنا عن بعض مادام الحبل السري يربطنا بالعراق، ذلك الحبل الذي لا يقطع الا بولادة غير شرعية؟!