الرئيسية » مقالات » كيف نواجه قوات الاحتلال في العراق؟ وهل من طريق غير الوحدة الوطنية والتفاوض؟

كيف نواجه قوات الاحتلال في العراق؟ وهل من طريق غير الوحدة الوطنية والتفاوض؟

تشير الأحداث المنصرمة قبل وبعد سقوط النظام الدكتاتوري البغيض في العراق إلى أنها كانت مليئة بالتناقضات والمتناقضات والصراعات والاختلاف في وجهات النظر والمواقف الفكرية والسياسية والتي قاد بعضها إلى نزاعات دموية مريرة ما يزال بعضها مستمراً حتى الآن. وكان كل منا يتلمس هذه الظواهر قبل سقوط النظام وفي صفوفه , ولكنها كانت موجودة أيضاً في صفوف قوى المعارضة السياسية العراقية أيضاً , وهي من بعض الأوجه لا تزال فاعلة في داخل وما بين قوى الحكم وقوى المعارضة الراهنة. وقد حاولت معالجة هذه المسألة في كتابي الذي صدر في بيروت في العام 1995 والموسوم “ساعة الحقيقة: “مستقبل العراق بين النظام والمعارضة”. وإذا كان الهدف الأول الذي وحد قوى المعارضة السياسية حينذاك إسقاط نظام صدام حسين , في حين كانت قوى النظام تختلف في ما بينها في سبل توطيد الحكم , فإن الصراعات اليوم تدور حول السلطة ذاتها داخل قوى الحكم التي كانت سابقاً في المعارضة , وداخل قوى المعارضة التي كان بعضها في الحكم سابقاً أو مستفيداً منه. واليوم نعيش تشابكاً لم يسبق له مثيل بين قوى الحكم وقوى المعارضة. والصراعات تدور داخل قوى الحكم وداخل قوى المعارضة والتحالفات القائمة هي الأخرى تعبر عن فرادة متميزة يعيشها العراق حالياً. والصراعات الدائرة غير مفتعلة ولا تفتعل في الغالب الأعم , بل هي تعبير عن مصالح متناقضة ومواقف فكرية وسياسية متباينة وأهداف محددة يسعى إليها كل طرف وكلها تدور حول السلطة. وعلى امتداد عقود منصرمة لم تفكر القوى الوطنية العراقية الأمينة لمصالح الشعب بأي تعاون محتمل مع قوى أجنبية لإسقاط النظام في العراق , في ما عدا القوى القومية والبعثية التي فتشت عن وعثرت على قوى أجنبية دعمت نشاطها وساعدتها على إسقاط النظم السياسية التي تختلف معها , وهي التي اعترف قادتها بأنهم جاءوا بقطار أمريكي في العام 1963 لإسقاط الجمهورية الأولى وحكومة عبد الكريم قاسم.
وفي ظل حكم الدكتاتور صدام حسين كانت هناك قلة من الناس تفكر بالتعاون مع قوى أجنبية لإسقاط نظام العهر السياسي والقهر الاجتماعي والقومي والطائفي في العراق , بل كان الجميع يسعى إلى النضال لتعبئة الناس في العراق لإسقاط النظام. ولكن الكثير من هذه القوى عجز عن توفير مستلزمات إسقاطه لا بسبب التفاف الشعب حول النظام بأي حال , بل بسبب القمع الوحشي والحروب والبؤس الفكري الذي ساد العراق لسنوات عجاف وقحط شديد. علينا أن نتذكر بأن نظام البعث ألصدامي امتلك خمسة أجهزة أمنية متداخلة ومتشابكة تراقب الشعب وتمارس الرقابة على بعضها. فتوجه البعض الكثير إلى الاستعانة بقوى أجنبية لإسقاط الدكتاتورية الغاشمة. وقد وجد هذا التوجه التأييد من غالبية الشعب , لأنه فقد الحيلة بتغيير الأوضاع البائسة , وكان لسان حال هؤلاء يقول “أخاك مجبر لا بطل” , إذ لم يعد في مقدور المعارضة مساعدة الشعب في الخلاص من المعاناة القاسية اليومية والموت البطيء. ومع ذلك كانت هناك قوى رفضت الحرب كوسيلة لإسقاط النظام , وكنت أحدهم , ولكنها كانت أصوات قليلة وغير حاسمة. ولم يكن موقف الأقلية هذا دون وعي بأسبابه وأبعاده أو بدون دراسات معمقة للواقع السياسي والاجتماعي والتداعيات المحتملة التي نعيشها والتي قدمتها في محاضرة في لندن قبل الحرب بشهر واحد وبمشاركة من السيد الدكتور محمد بحر العلوم والسيد الدكتور محمود عثمان , وكانا إلى جانب الحرب وكنت ضدها.
سقط النظام وذهب إلى قير وبئس المصير. وكان ثمن الخلاص من الدكتاتورية المجرمة مع الأسف الشديد صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي اعتبر العراق بلداً محتلاً من قوى التحالف الدولي التي خاضت الحرب ضد النظام العراقي. وكان القرار خاطئاً وشجبته في حينه مع كثيرين. وبدأت مع هذا القرار مرحلة جديدة أمام كل العراقيات والعراقيين , مرحلة كيف يعاد ترتيب البيت العراقي على أسس دستورية حياة ديمقراطية , وكيف يمكن إلغاء قرار الاحتلال وإخراج القوات الأجنبية من العراق. وكان بالإمكان ترتيب هذه الأمور بهدوء وموضوعية وروية , إلا أن أخطاء فاحشة ارتكبها المحتل بإدارة جورج دبليو بوش ودونالد رامزفيلد وبول بريمر , ومنها التدمير الكامل لمؤسسات الدولة العراقية من جهة , والسعي لإقامة نظام حكم سياسي طائفي مقيت ودولة أقرب إلى الثيوقراطية المتخلفة وإضعاف القوى الديمقراطية والعلمانية من جهة ثانية , وتنامي الشعور بالانتصار لدى قوى إسلامية سياسية طائفية شيعية والانكسار لدى قوى إسلامية سياسية سنية والتوجه صوب الطائفية السياسية والرغبة في إحراز المكاسب على حساب الآخر من جهة ثالثة , وضعف وتمزق قوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية من جهة رابعة , إضافة إلى مستوى الوعي المنخفض لدى فئات المجتمع بشكل خاص من بحكم سيادة الدكتاتورية والثقافة الصفراء في البلاد من جهة خامسة , ودور دول الجوار في تنشيط التناقضات والصراعات والنزاعات والتدخل في الشأن العراقي من جهة سادسة , قد مهدت كلها وغيرها الطريق لرفع قوى صدام حسين وقوى الإسلام السياسي الإرهابية والمتطرفة رأسها من جديد وقيامها ببناء ميليشياتها المسلحة وإقامة بنية تحتية لنشاطاتها المسلحة , كما بدأت مليشيات القوى الإسلامية السياسية التي وجدت قبل ذاك أو التي أسست حديثاً بممارسة العنف المعروف الذي لا يزال مستمراً رغم تناقصه. ثم تشكلت مليشيات هيئة علماء المسلمين ومن لف لفها. وهنا اختلط الحابل بالنابل , اختلطت الصراعات وتشابكت في أهدافها وقواها , ولكنها كانت تجري بالأساس حول السلطة , بغض النظر عن الشعارات الفرعية التي كانت ترفع من هذا الجانب أو ذاك , بما فيها شعار إنهاء الاحتلال أو وضع جدول زمني لخروجه وما إلى ذلك. لم يكن كل ذلك محتملاً , كما لم يكن كل ذلك غريباً فأسلوب إسقاط النظام يحمل تداعياته , كما أن القوى التي سقطت لم تترك مكانها بسهولة لغيرها , خاصة وان هناك تشابكاً في الجانب القومي والديني لدى البعض من القوى السياسية , وخاصة لدى القوميين والبعثيين الذين يعتبرون وجود الشيعة في السلطة يعني وجود إيران في السلطة , وهو خطأ تاريخي ارتكبته القوى القومية رغم مشاركة عدد غير قليل من العرب الشيعة في هذه الحركات القومية ذات الوجهة اليمينية والشوفينية والطائفية المتخلفة.
وفي خضم هذه المشاهد السياسية المعقدة والمتشابكة في الوطن وتجلياتها في الخارج برزت كتابات بعض المثقفين والصحفيين السياسيين العراقيين في الداخل والخارج التي توجه الاتهامات جزافاً للغالبية العظمى من المثقفات والمثقفين والصحفيات والصحفيين والسياسيات والسياسيين في الداخل والخارج مدعية بأنها تؤيد الاحتلال أو تسكت عن أفعاله ولا تطالب بخروجه. وبعض الأحيان يبدو وكأن هؤلاء يريدون الادعاء بأن غالبية المثقفات والمثقفين الوطنيين والديمقراطيين كانت وراء الحرب ودخول القوات الأجنبية وروجت للاحتلال وساندت وجوده في العراق من جهة , وكأن هؤلاء هم الوطنيون وحدهم وهم المناهضون لقوات الاحتلال في العراق من جهة أخرى. وهذا ليس التباساً في التفكير والرؤية حسب , بل أنه ناشئ عن غياب الوعي والبصيرة النافذة لدى هؤلاء أو وجود غشاوة شديدة تمنعهم من رؤية الأمور بوضوح والتمييز في ما بينها بدقة. وإزالة مثل هذا الالتباس يستوجب بذل جهود مكثفة لتوضيح الأمور والكشف عن زيف الاتهامات أو الكشف عن أوراق من يحاول الطعن بذهنية ووطنية جمهرة كبيرة جداً من مثقفات ومثقفي العراق في الداخل والخارج , كما أن البعض من هؤلاء السادة يحاول التنظير بصورة مرتبكة تعبر عن تشوش فعلي في ذهن الكاتب , وخاصة ذاك الذي ينظر عن مواقف المثقف وطرح مجموعة من الأفكار المشوشة التي تعبر عن ضحالة في القدرة على التحليل الفكري والسياسي , رغم رغبته في التميز والتفرد ولكن على حساب الجمهرة الواسعة والمخلصة من مثقفات ومثقفي العراق. إن هؤلاء السادة يتجاوزون على الغالبية العظمى من المفكرين والمثقفين والمناضلين السياسيين الذين ناضلوا لعقود طويلة من أجل انتصار قضايا الشعب العادلة ومن أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وعانوا الأمرين , بل لاقى الكثير منهم الموت في سبيل ذلك على أيدي الزمرة الطاغية التي يتباكى البعض منهم عليها.
يبدو لي بوضوح أن هناك إشكالية كبيرة في فهم هؤلاء للواقع العراقي المعقد منذ أن بدأ الدكتاتور صدام حسين حربه العدوانية ضد إيران ووجد التأييد والعون المباشر من الدول العربية ومن القوى والأحزاب القومية والبعثية وبعض قوى اليسار العربية في الدول العربية بحجة الدفاع عن الوطن وعن البوابة الشرقية للأمة العربية والوطن العربي. ثم غزا الدكتاتور الأهوج الكويت , إذ وجد التأييد لدى البعض من تلك القوى أيضاً وأدى إلى انقسام العالم العربي إزاء المشكلة. ثم جاءت حرب الخليج الثانية وما تبعها من مشكلات وحصار اقتصادي دولي مرير وحرب دموية مدمرة وضرب الانتفاضة الشعبية , ومن ثم الحرب الأخيرة التي سقط فيها الدكتاتور بلا رجعة. ولم يسقط الدكتاتور إلا بسبب سياساته العدوانية ضد الشعب وضد الجيران وضد العقل , وهي التي كانت سبباً أيضاً في الحرب الأخيرة وفي احتلال العراق وفي نهايته المعروفة , وكذلك في بعض أبرز ما يجري اليوم في العراق. فأسوأ العواقب الكارثية التي يعاني منها الوطن والشعب نجمت عن تلك السياسات التي مارسها البعث وصدام حسين والقوى القومية العربية اليمينية وبعض قوى الإسلام السياسي الطائفية طوال الفترة التي بدأت منذ العام 1961/1962 حتى الوقت الحاضر. لم تسقط القوى الأجنبية نظاماً اعتيادياً في العراق , بل أسقطت نظاماً جسد بحق العهر السياسي والقهر الاجتماعي والاستبداد والشوفينية المقيتة والطائفية الظالمة وهدر أموال وثروات الشعب , والتي كلها تعبر عن خيانة فعلية لقضايا الشعب والمواطنة والوطن. وليس كل البعثيين مسئولين عن جرائم هذا النظام , بل لا بد من التمييز بينهم , ورميهم في سلة واحدة كان وراء الكثير مما يواجه العراق من مصاعب حالياً , ومنها سياسة اجتثاث البعث الانتقامية البائسة. ذهب النظام ألصدامي غير مأسوف أو محزون عليه , بل طغت الفرحة في جميع أنحاء العراق , حتى من بعض القوى التي كانت محسوبة على النظام , لأنها كانت تعاني منه وتخشى الموت في أي لحظة بسبب جنون الدكتاتور ونرجسيته وساديته وشكوكه. ولكن السياسات التي مورست بعد ذلك هي التي خلطت الأوراق وساهمت بتعقيد الوضع.
من تابع كتابات مئات من النساء والآلاف من الرجال في داخل العراق وخارجه لوجد أنهم كانوا في نشاطهم الفكري والسياسي يمارسون نضالاً على عدة جبهات في آن واحد , وهي نتيجة منطقية لتعقيدات الوضع وتشعب التناقضات والصراعات الداخلية ومع الخارج. يمكن لكل متتبع أن يقدم لائحة بأسماء هؤلاء الكتاب ومقالاتهم , سواء أكان ذلك في الصحف والمجلات المحلية والعربية والأجنبية , أم في المواقع الإلكترونية الكثيرة التي بدأت قبل وأثناء الحرب وبعدها وفي فترة حكم المستبد بأمره بول بريمر , التي كانت أو لا تزال تدين تلك السياسات وترفض الانجرار وراءها وتطالب بتغييرها , كما أنها كانت بمثابة إدانة صريحة لسياسة الاحتلال وتعريض الناس للتعذيب والاعتقال الكيفي (أحداث أبو غريب والقتل العشوائي وفرق الأمن الخاصة الأجنبية) والفساد المالي والتحريض الطائفي , ولكنها كانت تدين في الوقت نفسه ما سمي بأعمال المقاومة والتي لم تكن في الغالب الأعم سوى عمليات إرهابية وطائفية قتلت من الشعب ألاف المرات أكثر مما قتلته في صفوف قوات الاحتلال. ولو عاد هذا البعض إلى ما كَتْبتَهُ في الصحافة العراقية والعربية وفي المواقع الإلكترونية حول ذات الموضوعات لوجد أن هناك ما يزيد عن 700 مقال ودراسة نشرت لي خلال الأعوام الأربعة المنصرمة , ولا يمكن لأي دعي أن يقول بأنها كانت مقالات تساند وجود قوات الاحتلال في العراق , ولكن الكاتب كان يدرك سبل التعامل مع الواقع العراقي الراهن بكل تعقيداته وتشابكاته وتحليله الموضوعي لموازين القوى والقدرات الفعلية والمهمات.
لا ريب عندي بأن خلط الأوراق بالنسبة للقوى التي تحمل السلاح غير سليم أيضاً. هناك قوى إرهابية دموية قاتلة , سواء أكانت قاعدية أم بعثية أم إسلامية سياسية طائفية متطرفة أم ميليشيات مسلحة طائفية , من جهة , كما أن هناك جماعات وطنية اعتقدت أن عليها مقاومة قوى الاحتلال بالسلاح من جهة أخرى. احترم رأي المجموعة الأخيرة , ولكني أختلف معها حول الأسلوب الذي اختارته وتمارسه في الموقف من قوات الاحتلال , وبتعبير أدق من الواقع القائم وسبل معالجة الوضع , فأسلوبها لم ولن ينجح بل قاد ويقود إلى مزيد من الموت في صفوف الشعب ويخلط الأوراق ويعطل النضال في سبيل الاستقلال والسيادة الوطنية. هنا وفي هذه النقطة يبدأ الاختلاف. والاختلاف غير ناتج عن رغبة ذاتية في التباين بل عن واقع موضوعي , والأيام بدأت تبرهن على صواب الرأي القائل بأن إخراج القوات الأجنبية من العراق لا يتم عبر السلاح , بل عبر المفاوضات وعبر توفير مستلزمات ذلك دون أن نفسح في المجال لمزيد من الفوضى والموت والدمار. لم أكتب وأذكر هذا الرأي ترضية لهذا المغامر أو ذاك , سواء حمل السلاح أم لم يحمله , والذي يشجب بصوت مرتفع الاحتلال ليلاً ونهاراً , ولكنه يكرس الاحتلال عملياً من خلال استمرار أعمال العنف في العراق ويضعف القدرة على مقاومته سياسياً , وهو لا يعي حقيقة التعقيدات السائدة في العراق. توجيه الشتائم ضد المحتلين لن ينفع أحداً ولن يحل مشكلة , بل العمل الجاد لتوفير مستلزمات خروج القوات الأجنبية من العراق هو الطريق الوحيد لتحقيق ما يصبو إليه الشعب. إن إنهاء الإرهاب والقتل بكل أشكاله والحوار السياسي والتحري عن القواسم المشتركة بين مكونات المجتمع القومية والفكرية والسياسية هي السبيل الوحيد الذي يفضي إلى استقرار وأمن العراق أولاً , وهو الذي يفتح الباب على مصراعيها لخروج القوات الأجنبية وبضمانات دولية نافعة.
أن أصحاب الدعوة إلى إنهاء الاحتلال بالطريقة التي يمارسونها عبر استخدام السلاح والقتل العشوائي يدركون تماماً بأن الأسلحة والمتفجرات والمفخخات والمفخخين كانت ولا تزال موجهة إلى صدور بنات وأبناء العراق الأبرياء , وهي ليست موجهة إلى القوات المسلحة الأجنبية , وأن الموت قد اختطف على أيدي تلك الحثالات من البشر عشرات ومئات ألوف البشر العراقي , رغم علمهم بأن الشعب , بكل قواه الوطنية والديمقراطية من مختلف مكوناته , ضد احتلال العراق ويسعى إلى إخراج القوات الأجنبية بالمحصلة النهائية. ولكن كيف يفترض أن يتم ذلك؟
لم يحاول هؤلاء الضالعون , بوعي أو بغير وعي , بالعمليات الإرهابية بأنها موجهة ضد الشعب وليست ضد الاحتلال , إذ أن النضال الوطني ضد الاحتلال لا يتم بطريقة واحدة هي إشهار السلاح والقتال , بل هناك أساليب أخرى وعلينا تصفية أسباب وجود قوات الاحتلال في العراق , إي إزالة الإرهاب والتحول صوب الصراع الفكري والسياسي الحضاري لنتمكن سوية من إنهاء وجود القوات الأجنبية في العراق.
لا يريد أن يعي البعض من هؤلاء بأن صراعاً آخر يجري على الساحة السياسية العراقية حتى في ظل وجود القوات الأجنبية , إنه الصراع الفعلي بين القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والطائفية التي تريد إقامة دولة , ثيوقراطية دينية طائفية غير متنورة بل ورجعية , وبين قوى ديمقراطية مدنية وليبرالية وعلمانية تريد إقامة مجتمع مدني ديمقراطي حديث ودولة القانون الديمقراطي الاتحادية. وهذا الصراع غير منفصل عن بقية الصراعات وخاصة الصراع الذي يدعو إلى إخراج القوات الأجنبية من العراق , في حين أن مستلزمات ذلك لم تتوفر بعد.
إن وعي المشكلات والتناقضات الرئيسية الجارية في العراق وما أنتجته من صراعات جديدة يستوجب التمعن والتدقيق في السياسات والتكتيكات اليومية التي يفترض انتهاجها وممارستها ووضع الأسبقيات وفق تسلسل وتزامن عقلاني يسمح للمجتمع العراقي بكل قواه السليمة بالكفاح من أجل تحقيقها. إن المزايدة على القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية أو توجيه التهم البائسة لن تنفع أحداً ولن تؤذي سمعتها , بل تدين أولئك الذي يوجهونها. ومن المفيد لكل القوى السياسية العراقية الواعية والمتنورة أن تعمل على بلورة القواسم المشتركة لنضالها الراهن والتي يمكن بلورة أهمها في النقاط التالية:
• التصدي الصارم للإرهاب وتصفية قواعده في العراق واعتقال موجهي ومنفذي العمليات الإرهابية وتقديمهم للمحاكمة. إن الأمن المتحسن حالياً يعود لعاملين , وهما: مشاركة قوى عشائرية في العملية المناهضة للإرهاب وما يطلق عليه بصحوة العشائر أولاً , وتطبيق خطة أمن بغداد وزيادة القوات المشاركة في العملية الأمنية ثانياً. وكلاهما يضعف من دور الدولة ومؤسساتها في الوقت الحاضر, ولهذا لا بد من قيام الدول ذاتها بهذه الواجبات وليس غيرها من جهة , وتأمين التوافق الوطني السياسي الذي يرسي دعائم الأمن في البلاد من جهة أخرى. وفي هذا يحتاج العراق إلى وقت أطول.
• إقامة المؤسسات الدستورية والحياة الديمقراطية والتصدي الصادق للطائفية السياسية فكراً وممارسة وإزالة عواقبها المدمرة لوحدة المجتمع العراقي ورفض مشروع إقامة فيدرالية سنية وأخرى شيعية في العراق , بل العمل من أجل تعزيز وحدة العراق من خلال فيدراليتين عربية وكردستانية. إن صحوة العشائر يفترض أن تقترن بصحوة لدى القوى التي تطالب بإقامة فيدرالية شيعية في جنوب العراق وتكف عن المطالبة بها.
• العمل من أجل تأمين التوافق الوطني بين مكونات الشعب القومية والفكرية والسياسية وعلى أسس المواطنة المتساوية وعقد مؤتمر عام لكل القوى العراقية لتحديد المهمات الراهنة والمستقبلية.
• تطوير وتعزيز دور الدولة وهيبتها ومكانتها في المجتمع وتعزيز القدرات الكفاحية للقوات المسلحة واستكمالها وتوفير كافة مستلزمات تنفيذ واجباتها الوطنية.
• التفاوض على أسس وسبل الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من العراق مع ضمانات دولية بدعم العراق في مواجهة أي اعتداءات محتملة عليه من خلال اتفاقيات أمن دولية مناسبة. إذ بهذا الإجراء يمكن استعادة الاستقلال والسيادة الوطنية الناقصة حالياً.
• وبموازاة ذلك لا بد من الاتفاق على إعادة بناء الاقتصاد الوطني والبنية التحتية وبرامج تنموية تعيد النشاط والتوازن والديناميكية للاقتصاد الوطني العراقي وتقلص البطالة المكشوفة والمقنعة وتحسن من مستوى معيشة الغالبية العظمى من عائلات المجتمع.
• وضع الثروة النفطية , التي هي ملك الشعب , في خدمة الاقتصاد الوطني والمجتمع دون التفريط بها أو المبالغة في إنتاج النفط وتسويقه وضمان وضع موارده بنسبة عالية في خدمة عملية التنمية وإشباع حاجات الناس السلعية والخدمية.
• إقامة علاقات صداقة وحسن جوار مع دول المنطقة دون استثناء , إضافة إلى إقامة علاقات متطورة مع الدول الكبرى والدول الصناعية للمساهمة في تطوير الصناعة الوطنية والزراعة الحديثة والاستفادة من الطابع الموضوعي لعملية العولمة المتطورة.
إن الحديث عن الاحتلال وشجبه لا يكفي ولن ينفع , بل يفترض توفير مستلزمات إنهاء الاحتلال , وهذا لا يتم بالسلاح , بل بالوحدة الوطنية والتفاوض للوصول إلى حلول عادلة ودائمة للمشكلات التي تواجه العراق.
29/11/2007 كاظم حبيب