الرئيسية » مقالات » زراعة البنجر السكري بدلا من التبغ ـ الجزء الثاني

زراعة البنجر السكري بدلا من التبغ ـ الجزء الثاني

باحث كيميائي / المانيا
لقد انجبت ارض كوردستان عمالقة في الاوساط العلميه العراقيه بفضل دهاء وذكاء ابنائها الذين قدموا من اعالي الجبال الى بغداد ، ربما كانت الطموح او الشعور بالتهميش المستمر سببا لخلق روح المنافسه وارتقاء سلّم المجد او ان الساحه العلميه العراقيه بمركزها الحضاري في بغداد كانت دوما ومنذ اعماق التاريخ تتميز باحتضان النخبه من العلماء والاساتذه الذين كانوا يرفدون مختلف العلوم الى الاجيال بكل تفان واخلاص . فصدى جامعة بغداد كان حاضرا بين اروقة العلم اينما ذهبنا ولكن للاسف الشديد افل نجم بغداد لاسيما بعد قدوم البعث عام 1968 ورويدا رويدا وجدنا بغداد انحدرت نحو الاحتضار وكما نراها اليوم دخلت حيز الفناء لا محاله دون اية رحمه لا بماضيها البعيد التليد ولا القريب الذي رأيناه .
كان من بين تلك النخبه الكورديه استاذا وعالما وبرفيسورا حقيقيا هو الدكتور اكرم حامد بك الجاف الذي كان أستاذا في كلية الزراعه بجامعة بغداد اعوام الستينات ومن ثم اصبح مديرا عاما لمصلحة ادارة انحصار التبغ العامه والى بداية السبعينات حيث التجأ الى سويسرا ليصبح مديرا لمنظمة الغذاء الدوليه ( فاو ) ذات السنبله في شعارها بعد ان بدأ الطاغيه صدام حكمه الدموي باعدام مجموعه من تجار البصره مسلمين ويهود وتعليق جثثهم في ساحة التحرير ببغداد 1969 وما لبث ان اتخذ استاذنا العلامه اكرم الجاف خطوته الاحترازيه بهجر دياره الى الغربه نظرا لكون والدته كورديه يهوديه الدين كتب لي الحظ ان افلح بالعمل في ريعان الشباب 1970ضمن فريق العمل الذي تألف في اروقة ادارة انحصار التبغ العامه ببغداد في ساحة الخلاني التي كانت تضم مختبرات زراعيه متطوره وفق احدث الاجهزه والعدد . فقد كانت تضم مجموعه من الكوادر العلميه التي تخرجت من جامعة بغداد وجامعات لندن بمختلف التخصصات وقد اشرف بعد هجرة العلامه الدكتور اكرم زميليه الدكتور اوغسطين بويا حنا والدكتور خالد عبدالقادرالدباغ وقد تم تشكيل لجان متعدده للقيام بحمله عظيمه قطفت ثمارها بعد سنوات اقل من اصابع اليد الواحده . نعم هكذا كانت بغداد واساتذة وعلماء بغداد، أتخذ العلامه اكرم الجاف مبدأ تحسين وتطوير زراعة التبغ في كوردستان كمبدأً نظرا لكون هذه الزراعه تشكل مصدر رزق كبير لعدد هائل من الريف الكوردي ولكون اساليب الزراعه بدائيه ودون توجيه او سيطره فقد كانت حقول التبغ تنتج انواع متباينه من التبغ ما بين الممتاز والردئ وهذه بحد ذاته من البديهيات بسبب جهل الفلاح الكوردي لمبادئ الزراعه المتطوره دون شك وعجز كليات الزراعه من تطوير برامجها نحو تحسين اية زراعه في العراق بغض النظرعن التبغ او غيره من المحاصيل.
لم يسبق العلامه اكرم الجاف أحدا للقيام بتحديد اسباب الخلل في انتاج النوعيات الرديئه من التبغ حيث اتجه الى منظمة الزراعه والغذاء التابعه للامم المتحده فبعثت تلك المنظمه بخبراء الى ادارة انحصار التبغ ببغداد وبعقد اجتماعات وزيارات ميدانيه الى حقول كوردستان توصلت الى اتخاذ قرار بفحص تربة ومياه اقليم كوردستان التي تزرع التبغ جميعا فقامت مديريات انحصار التبغ في كل من السليمانيه واربيل ودهوك وحتى كركوك وباشراف الاداره العامه في بغداد بجمع عينات تربة مزارع التبغ بالاضافه الى عينات ماء الارواء والسقي . وكنت من ضمن تلك الفرق نجوب البراري والجبال والوديان حاملين العينات رغم ثقلها متوجهين الى مراكز المحافظات لايداعها وارسالها الى بغداد .. في بغداد وفي تلك المختبرات الانيقه والراقيه اذبان نهاية الستينات وبداية السبعينات تظافرت تلك الجهود السخيه بتحليل تلك العينات من التربه والمياه ولفتره قياسيه رغم كون التقنيه الالكترونيه ما زالت لم تدخل حيز المختبرات . فقد اكملت التحاليل وتم بعدها التحاليل الاحصائيه من قبل متخصصين من نفس المديريه وبالنتيجه رفعت التقارير الى اللجنه العليا للمشروع فقد جاءت الخلاصه والتوصيه مبدئياً بان الاراضي التي تصل حرارة الصيف فيها لأكثر من 40 درجه مئويه تحرم من زراعة التبغ كأجراء اولي وبسيط . كما وقامت المديريه العامه في نفس الوقت الى استيراد بذور التبوغ الفرجينيه واختيار بعض القرى في كوردستان لزراعتها ومن ثم مقارنتها بالتبوغ المحليه في نفس المنطقه وقد جاءت بنتائج مذهله لتحسين زراعة التبغ والنتيجه النهائيه بعدم جواز زراعة التبغ وكما ذكرنا في المناطق التي تبلغ 40 درجه صيفا مما سبب القرار بروز محورين الاول الحصول على نتائج ناجحه جدا للمزارع النموذجيه بالتبوغ الاجنبيه والمحليه مما فتحت آفاقا خلاقه لتطوير هذه الزراعه وثانيهما تسبب القرار ضغطا شعبيا بنفس الوقت لكون العديد من المناطق قد توارثت هذه المهنه ابا عن جد كما يقال وقد يحرمون من مصدر رزقهم . ولكن دهاء العلامه اكرم الجاف واخلاصه المنقطع النظير لم يقف عند هذا الحد بل العكس فقد حدد اجراء تجارب عديده بزراعة البنجر السكري الذي اعطى نتائج مماثله للنجاح الذي حققه في تطوير زراعة التبغ واصبح التوجه الى البديل الحقيقي للتبغ بالبنجر السكري الذي كان سببا فعالا لبناء معمل سكر السليمانيه . وانجز هذا المشروع العلمي الرائد لتطوير زراعة التبغ من 1971 وانتهى ببدء معمل سكر السليمانيه بالانتاج عام 1975 اي اربع سنوات فقط ، واليوم بناء مصفى نفطي يستغرق اكثر من 15 سنه فلنقارن بين المسؤولين اليوم وامثال العلامه اكرم الجاف ومن المستحيل ان يكون بناء مصفى نفطي اعقد من إنشاء معمل للسكر .
الخلاصه : المقال والموضوع غني عن الاشاره الى المقارنه بين مسؤول يمتلك الاخلاص والالتزام الاخلاقي امام شعبه واستثمار موارد بلاده لا الى تبذيرها والعبث بها . ان امثال العلامه هم في اودية النسيان والاهمال . المستقبل الذي ينتظرنا ونحن نستورد غذائنا وخضارنا ووقودنا من دول الجوار ومنها تركيا سيقودنا الى المجهول ومن المؤلم ان نستبق الاحداث ونتوقع مستقبلا غير مرضيا للاسف ..