الرئيسية » مقالات » الربا الإسلامي!!!

الربا الإسلامي!!!

كثيرا ما حاولت أثارة موضوع الربا الإسلامي الذي أجازه فقهاء هذه الأيام بعد تأطيره بإطار التحليل،ولكن أمور أخرى تشغلني عن تناوله، واليوم بعد أن قرأت الفتاوى الصادرة من بعض العلماء حول مشروع القروض الميسرة الذي طرحته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية،وتحريم هذه القروض لأنها تدخل تحت باب الربا المنهي عنه شرعا!!! رأيت أن أنبه إلى الطريقة الميكافيلية التي يتعامل بها هؤلاء مع نصوص الشريعة،وتفسير القرآن والحديث بما يخدم توجهاتهم وأهدافهم. لقد أصدر علماء الدين في العراق فتاواهم بتحريم التعامل مع البنوك الحكومية التي تعطي أرباحا عن أموال المواطنين المودعة لديها،أو تأخذ أرباحا منهم عند الاقتراض منها،وحرمة استلاف الأموال من الدولة إذا كانت مشروطة بالربح ،مثل سلفة الرافدين وسلفة المصرف العقاري والمصرف الصناعي وغيرها تحت ستار النسبة الضئيلة من الأرباح التي تفرضها المصارف على المتعاملين معها ،ويومها تعامل الناس مع هذه الفتاوى بما تستحق من الإهمال،لأنها لا تنسجم ومتطلبات الحياة الحديثة،وما تفرضه من تعامل لمجارات العصر وتوجهاته في الاقتصاد الحديث،ولم يتمكن رجال الدين من أيجاد البدائل لمعالجة هذه الظاهرة،رغم الاجتهادات التي صدرت حينها بإنشاء البنوك اللاربوية،والتي لم نجد لها وجودا في الواقع ،رغم أن أصحابها تولوا السلطة في بلدان عدة،وتعاملوا بنفس الطريقة التي أتبعتها الحكومات السابقة،بل زادوا نسب الأرباح على المستفيدين من أموال تلك البنوك. وبعيد غزو الكويت وحرب الخليج الثانية والحصار الدولي المفروض على العراق،وتحول البلاد من اقتصاد الدولة إلى الاقتصاد المزدوج،وانتعاش التجارة وإعطاء المجال للتجار بالاستيراد والتصدير بضوابط وضعتها السلطة آنذاك،أنتعش السوق التجاري في العراق،وأخذ التعامل الحر بين المواطنين دون وصاية من السلطة،وأصبح التعامل التجاري بالدولار،طلع علينا رجال الدين بفتوى جديدة أباحوا بموجبها الأرباح باستعمال الحيل الشرعية استنادا لروايات وأسانيد بعض العلماء الذين أعتبرهم هؤلاء حجة في الفقه والتشريع،وقد أستند المحدثون لمرويات هؤلاء في تبرير الكثير من المحارم وأشاعتها بين الناس،للاستفادة منها في الكسب غير المشروع لهم ولأتباعهم كما سيأتي تفصيله،فقد ورد عن المحقق الحلي أنه يجوز التخلص من الربا بأتباع الحيل الشرعية،فالإسلام لا يجيز مثلا استبدال كمية من الحنطة بما يزيد عليها من نظيرها بعد أجل معلوم،لأن ذلك يدخل في باب الربا،وللتخلص من الربا تقول”أعطيك كيلو من الحنطة مع هذا المنديل،على أن تعطيني 2 كيلو في السنة القادمة،وبذلك تتخلص من الربا بإضافة المنديل،واستنادا لما أورده بعض الفقهاء بجواز الزيادة باختلاف الجنس،فقد أباحوا لأتباعهم بيع العملة الأجنبية مقابل العملة المحلية بإضافة أرباح فاحشة لا يستوفيها المرابون في الجاهلية،الذين كان التحريم بسببهم،فقد أصبح سعر الورقة فئة(100)دولار التي سعرها السائد 130 ألف دينار في سوق العملات تباع من قبل هؤلاء المرابين بالنسيئة لمدة شهر واحد ب(180)ألف دينار أي بأرباح تصل إلى 40%،ويكون القرض قابلا للتجديد في الشهر التالي ودفع الأرباح المقررة،وبذلك عمد المرابون الجدد إلى استغلال حاجة الناس،وازدادت الأرباح أضعافا عما تفرضه المصارف الحكومة كنسب ثابتة للربح السنوي،وعمد أتباع رجال الدين إلى تشكيل مافيات كبيرة هيمنت على أسواق بيع العملات،وقيل وقتها أن معظم هذه الأموال تعود لجهات دينية لأن المتعاملين بها من المقربين من رجال الدين،والمعروفين بأنهم وكلاء لهذا أو ذاك،وقد أستغل هؤلاء حاجة المواطن إلى المال فضاعفوا أرباحهم حتى وصلت نسبة الربح الشهري إلى 50% من مبلغ القرض،في الوقت الذي يؤكد هؤلاء على حرمة التعامل مع البنوك الحكومية التي لا تزيد أرباحها على 4% لنفس المدة التي يتعامل بها المرابين،وقد أدت هذه التعاملات الربوية إلى خسائر كبيرة للمواطنين دفعت الكثيرون منهم إلى بيع بيوتهم ومقتنياتهم وبناتهم،وأدخل الكثيرون منهم السجون بسبب عجزهم عن الوفاء بهذه الأرباح. وعندما حاول نفر من المخلصين الوقوف بوجه هذه الأعمال وإفشالها وتكذيب ما يشيعه هؤلاء بحلية هذه التعاملات،قام هؤلاء بجلب الفتاوى المؤيدة لعملهم من أناس لهم وزنهم في المؤسسة الدينية،ورغم أن الفتوى صحيحة في الظاهر إلا أنها تخفي في طياتها الكثير من الظلم والإجحاف الذي أحاق بالناس،فالقاعدة الشرعية تبيح إجراء معاملات البيع والشراء بما أختلف جنسه،ولأن العملة المحلية تختلف عن العملة العالمية صار جواز البيع شرعيا،وقد غفل هؤلاء عن الأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تقول(إنما الأعمال بالنيات)فما هي النية التي أستند إليها هؤلاء بالإقراض هل كانوا يبتغون من وراءه قضاء حاجة أخيهم المسلم أم كسب الأرباح من إقراضه، فإذا كان الغرض ربحا أنتفت الحجة الشرعية بالعمل الإنساني وبذلك خرج الموضوع من إنسانيته ليتحول إلى ربا مفضوح غرضه الربح فقط،ثم أن المأثور الديني أوجب الصبر وعدم الإلحاح في مطالبة الدائن للمدين لحين انتهاء إعساره،أو تمكنه من الوفاء بديونه،ولكن الذي حدث أن هؤلاء عمدوا إلى إصدار الأحكام القضائية ببيع دور السكن للمدانين ورميهم في الشوارع،أو إيداعهم السجن في حالة عدم تملكهم لعقار ما أدى إلى تشرد الكثير من العوائل وانحرافها لفقدانها المعيل،بل ورد في الأثر أن المسلم يجب أن لا يمارس الضغط على أخيه المسلم ومطالبته بمديونيته والتشهير به وإظهار حاجته أمام الناس لأنه سيفقد مكانته الاجتماعية،بل لا يجيز المشرع قطعا بيع دار المدين أو مستلزمات تجمله كما جاء في معاملات السيد الخوئي،فكيف يجوز هؤلاء هذا التعامل مع المسلم،أو أن الفقير لا يعتبر مسلما والإسلام حكرا للأغنياء القادرين على الوفاء بحاجات العلماء. إن الحيل الشرعية التي يدعيها هؤلاء لا يمكن قبولها عند الاحتكام للعقل،فالخالق ليس حاكما اعتياديا يمكن التلاعب به كما يتلاعب المحامين هذه الأيام بالقضاء فينفذون من خلال الثغرات القانونية لتبرئة المجرمين،وهو عالم بما تخفي الأنفس فكيف لهذا أو ذاك خداعه والتلاعب بنواهيه بحيل لا تخفى على الإنسان البسيط ناهيك عن خالق الكون الذي يمكرون ويمكر الله وهو خير الماكرين،فإذا كان هو الماكر الأفضل فكيف لصغارهم التلاعب والمكر به.