الرئيسية » مقالات » معاقبة مجرمي الأنفال وقضية مسيرة البلاد !

معاقبة مجرمي الأنفال وقضية مسيرة البلاد !

فيما تتواصل الأختلافات بين اطراف الحكم على تنفيذ العقوبات التي اصدرتها محكمة الجنايات العليا، رغم كونها قرارات المحكمة التي شكّلتها هي من جهة، ورغم تصديقها من قبل محكمة التمييز العليا من جهة اخرى . . . فانها تعكس ان الصراع بين القوى الحاكمة الأساسية مستمر وكونه لم يستقر بعد .
في وقت يرى كثيرون فيه، ان الحالة القائمة والوصفة التي اريد لها ان تحكم العراق على اساس المحاصصة الطائفية والعرقية، لم ولاتثبت جدواها بقدر ما تؤدي الى نشوء وتصاعد حالة رفض متنوّع للتدخل الأجنبي ورفض لتعمّق نفاذه في مفاصل البلاد، وبالتالي محاولته الأنفراد في تقرير مصيرها، سواء كان ذلك اميركياً او ايرانياً او تركياً . . اوعربياً. اضافة الى انها تعكس ان الأدارة الأميركية الحالية ـ باعتبارها اكبر القوى ـ لاتريد للبلاد ان تستقر الاّ وفق شروطها هي … بعد ان اوصلت الحال الى ان كل مكونات العراق لاتريد لقواتها ان تغادر الآن، رغم تواصل طروحات مغايرة لعدد من القيادات .
ورغم ان مفهوم العدالة مفهوم نسبي بحساب المكان والزمان، ورغم تزايد الميل العالمي الى رفض واستهجان عقوبة الأعدام . . فان واقع عالم اليوم لم يسقطها بعد، حيث انها لاتزال تطبق في عدد من بلدان اوروبا وعدد واضح من الولايات الأميركية اضافة الى دول عديدة اخرى في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية .
على اساس ان الهدف من الحكم هو الأقتصاص من مجرمين تسببوا بقتل وتعذيب وتشريد مئات آلاف من البشر المدنيين رجالاً ونساءاً واطفالاً وبأسلحة محرّمة دولياً . . خاصة بعد ان تم تجريمهم في محكمة اصولية علنية . وعلى اساس ان الهدف هو احقاق العدل مادياً ومعنوياً بعد فقدان وخسارة المجني عليهم حيواتهم وما مالكوا، وتثبيت واعطاء حقوق تعويضية للمجني عليهم وورثتهم وعائدياتهم بدل الأرواح والحقوق المضاعة. اضافة الى ان العقوبة تستهدف المنع والردع لمن يفكّر بأن يقوم بتلك الجرائم الشنيعة مستقبلاً ومن اي مكوّن عراقي، بحقّ ايّ مكوّن عراقي اخر او بحق اي شعب في المنطقة .
من ناحية اخرى، يتساءل كثيرون عن معنى تشكيل المحكمة ان كان لايمكن تنفيذ احكامها عملاً بمبدأ استقلال القضاء الذي يستكمله متخصصون مستشهدين بالنصوص الدستورية التي ترفض التدخل في احكام القضاء وتحديداً في : جرائم الحرب . . والعقوبات والإبادة الجماعيّتان .
ويرون ان التفكير بمحاولة انقاذ حياة وزير الدفاع السابق لأسباب انسانية شئ، والتفكير بمحاولة انقاذ حياته كمحاولة لإعادة الأعتبار للجيش العراقي شيئاً آخر، حيث ان النظام السابق منذ بدايته وحتى انهياره عمل على تحطيم الجيش العراقي الباسل وتحطيم خيرة ضباطه واركانه اضافة الى ضباط صفه والجنود، من كل الأطياف . . وعمل على تشويه فكره وعقيدته، باحكام الأعدام وبالأغتيالات وبالقوانين العسكرية القاسية . . لصالح الفئات العسكرية التي حابت الدكتاتورية ونافقتها، ولصالح الأخرى المتنوعة التي تحكّمت بمصير الجيش ومنتسبيه .
التي عملت بوتائر جديدة على تحطيم الجيش اثر بدء وحداته بالتمرّد على الدكتاتور ابتداءاً من العسكري الذي وجّه نيران سلاحه الى جدارية الدكتاتور في البصرة واثار النيران، حين اشتعلت انتفاضة ربيع 1991 وشاركت فيها وحدات من الجيش بآمريها . . . حتى تحوّلت وحدات الجيش العراقي الرسمي الى وحدات ممزقة عانت الأهمال تسليحاً وعُدداً وعانى الآلاف من منتسبيها وجنودها الأجباريين من التسليح الردئ ومن الجوع والفاقة والعوز . . لصالح الوية الحرس الجمهوري والحرس الخاص وقوات ( فدائيو صدام ) وقوات الطوارئ المتنوعة، ذات الدخول العالية والمسلحة بأحدث الأسلحة والتجهيزات الخفيفة والثقيلة، والصاروخية والراجمات والسمتيات، اضافة الى تسليح وحدات منها بالأسلحة المحرّمة دولياً .
وبينما شهدت ساحات النضال ضد الدكتاتورية عشرات ومئات الضباط بمن كان فيهم من صنف القادة . . لمعت اسماء قسم منهم بعد ان قضوا ببطولة في ساحات النضال، فيما واصل آخرون ويواصلون، وتفرّق قسم آخر بين مسرّح او مهاجر اثر حلّ الجيش العراقي الرسمي منذ اربعة سنوات على يد السفير بريمر . . فان الكثير من العسكريين لايرون في وزير الدفاع السابق رمزاً للجيش العراقي ولا لصفحات نضال منتسبيه الوطني والتقدمي من اجل خير البلاد ورفعتها.
وفيما تحذّر اوساط واسعة من الخلط الخطير بين الضباط العراقيين المهنيين الكفوئين وبين المجرمين الذي تسلموا مراكز حساسة بأوامر الدكتاتورية ، لدى البحث عن وسائل اعادة البناء والفاعلية للجيش العراقي وتأهيله بتوظيف كفاءاته لأستلام دوره . . يزداد القلق من ان احتمالات عودة اولئك القادة العسكريين لممارسة وشغر وظائف مؤثرة في اعلى السّلم الوظيفي بمراسيم او بقرارات استثنائية، كخبراء ومستشارين بداية، سواء من جرّم منهم في محاكم علنية او من مرّ دون تدقيق ضروري، تحت لافتة ضغط حاجة البلاد لمواجهة الأطماع . . قد لن تؤدي الاّ الى اوضاع لاتختلف عما جرى ان لم تزيد عنها خطراً، والى احتمالات نشوء دكتاتورية عسكرية من نوع جديد . .
ان التوسط اللافت لعدد من كبار المسؤولين العراقيين الحكوميين من اجل عدم تنفيذ الحكم بوزير دفاع صدام! سلطان هاشم . . يثير تساؤلات كبيرة عمّا سيؤدي، هل سيحقق ذلك محواً لذلك الجرم الشنيع او مساهمة جادة في محوه، كتأديته مثلاً الى استقرار فعلي للعراق من اعمال العنف والأرهاب، ام سيزيد الطين بلّه ؟ خاصة وان الحديث يدور عن ضابط كبير من اقرب المقرّبين لصدام ووزير دفاعه لسنوات طويلة، لعب فيها ادواراً بارزة في تنفيذ سياسته بمسخ الجيش العراقي وتحويله الى مخلب للعدوان والشوفينية . . خاصة وانه حوكم في محكمة اصولية علناً، لم يقم فيها بادانة تلك العمليات الأجرامية بل سعى والى الأخير للدفاع عنها باعتبارها دفاعاً عن الوطن !!
ان الجرائم التي اقترفها قادة صدام، كوزير دفاعه، لايمكن النظر في التكفير عنها الاّ بالبدء بـ :
ادانتهم لتلك الأعمال الأجرامية، طلبهم العفو من الشعب العراقي والشعب الكوردي خاصة عنها وانتظار نتائج تصويته على ذلك الطلب (*)، بدء الجماعات التي تتحرّك باسم السنّة بالقاء السلاح وتعهدها بالسعي لتحقيق اهدافها بالطرق السياسية الذي لابد وان يرتبط بحل الميليشيات الشيعية، بضمانة دول المنطقة . . والاّ فان ذلك شاء المرء ام ابى سيشكّل بداية لتعليق القضاء والعودة الى ( مكارم الرئيس القائد) التي لايخفى الى مَ اوصلت .
وفيما تتواصل اعمال الأحتجاج على محاولات العفو، ويتواصل الحديث عن احتمالات (ظهور حقائق جديدة او توفّر حاجات جديدة)، وعن اتفاق مسؤول عسكري اميركي مع ممثلي عشيرته مقابل تسليم نفسه حينها، وعن لماذا لايقدّم كبار رجال الأفواج الخفيفة الكوردستانية التي شكّلتها الدكتاتورية الى المحاكمة، من الذين قاموا بادوار لاتقلّ خطورة ان لم تزيد ضد شعبهم هم . . في وقت يدفع البعض فيه باتجاه الأسراع بتنفيذ الحكم على سلطان هاشم لقطع الطريق امام امكانية تفاهم قد يكون في طريقه الى ان ينشأ الآن وخاصة مع العشائر ؟ !! . . .
تعتصم الحكومة بالصمت عن ذكر الحقائق الواقعية، باعتبارها اسرار الحكومة !! رغم الشحيح المتضارب الذي يتسرب عن مدى وحجم حركة صلات الحكومة بالعشائر العربية وباطراف تحمل السلاح بوجهها، ومدى استعدادها لألقائه بمقابل ما . . لايُعلن عن كُنهه ؟؟
ان عدم مصارحة الشعب في هذه الظروف القاهرة، واللجوء الى سياسات الأسرار في القضايا الأكثر حساسية كهذه، في دولة يراد لها ان تكون دولة مؤسسات، سيجعل الحكومة في صراعات يومية متواصلة بين مكوناتها، تدمّر بها كياناتها ذاتها بدل تشذيبها وسد ثغراتها وتقويتها، في سعيها لإيجاد حلول للمشاكل والمعضلات التي تحيكها او تتسبب بها او تحرّكها القوى المتنفذة غير العراقية اقليمية كانت او دولية، اعتماداً على مسيرة تشديد دعمها ورفضها، لهذا المكوّن او ذاك على التبادل . . في سعيها لتحقيق غاياتها هي، على حساب الشعب العراقي باطيافه القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية، في ادامة التصدّع العراقي والسير على اساسه في اطار (عراق موحد) على طريقتها . .

29 / 11 / 2007 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لأن الحكم كان قد صدر عن المحكمة العليا وتم التأكيد عليه في قرار محكمة التمييز، وفق الأصول
القانونية .