الرئيسية » مقالات » عباس بيزه) و(حسنه ملص) … و(ضحايا) عائلة الكواز

عباس بيزه) و(حسنه ملص) … و(ضحايا) عائلة الكواز


أعلن ضياء حسن الكواز في وقت سابق، وهو من أدعياء الصحافة في هذا الزمان الملتبس، مقتل جميع أفراد عائلته في مدينة الشعب، ونصب سرادقاّ للعزاء في العاصمة الأردنية لإستقبال المعزين. وكان في مقدمة معزيه الشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق والنائب صالح المطلك رئيس الجبهة العراقية للحوار الوطني، والنائب عن التوافق حسين الفلوجي، الذين تركوا واجباتهم في مجلس النواب ليستقروا في عمان كي يشاركوا في مثل هذه “المهرجانات” المثيرة.






حارث الضاري يعزي ضياء حسن الكواز في فاتحته المزعومة في العاصمة الأردنية
وصدّق الجميع تقريباً هذا الحادث “المروع” المتمثل في إبادة عائلة الصحفي. وراحت المنظمات الدولية وصحفيين بحدود أو بلا حدود بالتنديد طبعاً بهذه “الجريمة” المزعومة. في هذه الأثناء إستنفرت أجهزة الأمن العراقية بكافة فروعها، كما إستنفرت القوات المتعددة الجنسيات، ولربما حتى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بالحدث والتفتيش عن الجناة. وأُعلم الرئيس الأمريكي في غرفته البيضاوية بهذا الحدث الجلل كي لا يستغله منافسيه في الحزب الديمقراطي لصالحهم وهم على أبواب الإنتخابات الأمريكية. وراحت بعض المحطات التلفزيونية بتضخيم الأمر على قاعدة “good news bad news”. وكانت السبّاقة في هذا المضمار بالطبع القناة “الليبرالية” الشرقية وقناة البغدادية التي ليس لها صلة ببغداد، وغيرها من المحطات المثيرة. كما إلتبس الأمر عند عدد من الصحفيين من ذوي النية الحسنة وصدّقوا هذه الحكاية، وراحوا يحررون المقالات المناسبة لهذا الحادث المريع، وذلك حرصاً على مصير الصحفيين في بلادنا وعوائلهم، وهم الذين قدموا أكثر من مئتين شهيد على يد أقطاب الدولة الإسلامية و الجيوش المسلحة والميليشيات الطائشة.
ولكن وبعد يومين من الحيرة والحزن، طل علينا السيد عبد الكريم خلف الناطق بإسم وزارة الداخلية ليعلن من على شاشة التلفزيون الخبر اليقين التالي: “الظاهر أن هذا الشخص( المقصود ضياء حسن الكواز) يريد أن يكون تحت الأضواء على حساب دماء مزعومة، لكن بالتأكيد فإن هذا الأمر له تفسير ، والتفسير الصحيح والأكيد هو أنه لحد الآن لم يتقدم أحد بشكوى. لم نعثر على جثة. واتصلنا بقادة الشرطة ومركز شرطة القدس في حي أور ومركز شرطة الشعب في وسط المدينة ومديرية شرطة الرصافة وقائد شرطة بغداد ومدير شرطة النجدة وأمراء القواطع فيها، أنا كلفت الجميع اليوم بالبحث والتحري في هذا الموضوع، لم يثبت على الإطلاق وجود أشخاص قتلوا من عائلة واحدة”.

وما لبث أن أعقب هذا التصريح مقابلات مثيرة مع “الضحايا المزعومين”. ففي اليوم التالي من تصريح السيد خلف، فوجئ مشاهدوا التلفزة بظهور الضحايا بلحمهم وشحمهم على الشاشة الفضية ليعلنوا كذب الخبر جملة وتفصيلاً.
فقد أكدت شقيقة الكواز زهراء علاوي سلامة جميع أفراد أسرتها وقالت:
“أنا زهراء علاوي حسن الكواز، أبدا لم يحدث لنا شيء. ونحن موجودون، وهذه الأخبار كلها كاذبة. وكلنا متبرئون منه لأن الأخ الذي يقتل أخواته وأهله ويقول ماتوا وهم لم يحدث لهم شيء، ما الذي تنتظره من هذا الأخ”.

وأضافت شقيقة الكواز الأخرى بشرى علاوي قائلة:
“أنا بشرى علاوي الكواز. نحن نعيش بأمان، ولا يوجد أحد مسنا بسوء، ولم يتعرض لنا أحد بمكروه، ولا أعرف لماذا خرج بهذا الادعاء”.

وكذّب صهر ضياء الكواز أيضا ادعاءه بمقتل عدد من أفراد أسرته، وقال في هذا الإطار:
“أريد أن أكذب هذا الخبر، نحن عائلة ضياء. وأعتقد أن هذا الشيء (الادعاء) جاء لأسباب مادية. إن والدته (ضياء) موجودة، وأخواته موجودات، والأطفال موجودون، وزوجته اتصلت بنا من ألمانيا حيث تسكن وأطفالهما وقالت: لقد وصلت إلى مشارف المرض والسل من جراء ابنك”.

ولكن مع ذلك أصر الرجل على إقامة الفاتحة التي حضرها اللملوم التقليدي من “ممثلي” الشعب وقواه “المجاهدة ضد الإحتلال”.

إن هذا النمط من الكذب والإفتراء من أجل تمرير مواقف سياسية رخيصة أو إثارة فتنة، ليس بالجديد على بني البشر من ذوي العاهات الإستبدادية والمفلسين سياسياً. وقد أصبحت جزءا من ثقافة هذا الزمن العجيب للأسف. وتأتي هذه الفبركة جواباً بائساً على ما يحققه العراقيون في مضمار إنتزاع أمنهم من يد مرتزقة التطرف والميليشيات العبثية وفلول النظام السابق ومقاومتهم المزعومة. بالطبع لا يمكن الإقرار حالياً بإستتباب الأمن كلياً كما يتمناه العراقيون، ولكن ما تحقق له أبعاد سياسية وإجتماعية وأخلاقية إيجابية كبيرة على الوضع البالغ الحساسية في عراقنا الراهن. وهذا ما لا يشتهيه جنرالات التطرف وفلول الإستبداد المنهار، وعملوا على دفع ما تبقى من أجهزتهم المخابراتية من أجل تسميم الأجواء من جديد للبرهنة على وجودهم. ولكن هيهات. فحبل الكذب قصير، ووعي الشعب أخذ بالنضوج ولن تمر عليه مثل هذه الفبركات.
إن هؤلاء المزوّرين يعيدون تجارب مشينة من أرشيف تاريخ المفبركين سواء في بلدان العالم أو في بلادنا. فلهم في حادث حرق الرايخشتاغ في ألمانيا من قبل أصحاب القمصان السود من النازيين خير مثال لتنفيذ مآربهم. فقد إستُغل هذا الحادث لتوجيه الإتهام إلى الحزب الشيوعي الألماني وإلى الزعيم البلغاري جيورجي ديمتروف، وتشكيل المحكمة الصوريّة التي تلت هذا الحادث، كذريعة لتصفية الحزب الشيوعي الألماني وإلغاء الديمقراطية وإعلان ديكتاتورية فاشية في ألمانيا.
وفي تاريخ بلادنا غيض من فيض على هذه الممارسات الرخيصة. فبعد ثورة تموز عام 1958، عبأ القوميون المتطرفون ومن يساندهم في أجهزة الإعلام في الجمهورية العربية المتحدة كل طاقاتهم من أجل فبركة الأخبار وتشويه الحقائق. وهكذا تعالت أصوات معلق راديو صوت العرب آنذاك أحمد سعيد بالصراخ على مصير “المناضلة حسنة ملص” و”المناضل عباس بيزه”، وتحريض العراقيين على الإنتقام لهم جراء بطش “قاسم العراق”، كما كانوا ينعتونه آنذاك. ولم يكن عباس بيزه المسكين سوى إنسان مصاب بعاهة نفسية، وأما حسنة ملص فيعرفها البغداديون كصاحبة “بيزنس…” في محلة الميدان المعروفة وسط بغداد. وتبع ذلك نشر أكذوبة حرق القرآن وإتهام الشيوعيين العراقيين بذلك، والتي كذبها بعد عقود السيد حسن العلوي، وهو الكادر الحزبي البعثي آنذاك، وأشار إلى أن من نفذ هذه الجرائم هم فرق من البعثيين كجزء من سعيهم لإلصاق التهمة بالشيوعيين ولزعزعة الإستقرار وإثارة الفتن وتهيئة الأجواء لتنفيذ مجازرهم في 8 شباط لاحقاً. ولجأ المفبركون إلى نشر صور تعود لضحايا مواطنين جزائريين قتلوا على يد المستعمرين الفرنسيين، ليعلنوا أنها من ضحايا النزاع العرقي في كركوك في تموز عام 1959، ويلصوقونها بالحزب الشوعي العراقي بهدف دق إسفين بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي وترويج الإتهامات ضده كجزء من التحضير لمأساة شياط عام 1963. والقائمة قد تطول لو إستعرضنا كل تلك الفبركات الطويل والعريضة في تلك الأيام المضطربة.
ولم يكل أخلاف إنقلابيو 8 شباط عن هذه الممارسات بعد إنهيار الديكتاتورية في عام 2003. فقد إستغلوا إضطراب الوضع وحساسيته لبث منظم مخابراتي للأشاعات والأكاذيب من أجل زرع الفتنة وإثارة حرب طائفية في البلاد كوسيلة لعودتهم إلى التسلط على رقاب العراقيين، متحالفين بذلك مع أكثر قوى الشر تخلفاً وقسوة في عالمنا المعاصر وهم تنظيم القاعدة. ونجحوا إلى حدود في ذلك لأخطاء إرتكبتها النخب السياسية العراقية أو من جاءنا أثناء الغزو. وكان آخر تلك الفبركات التي أثارت الشارع هي “مصيبة السيدة صابرين الجنابي”، والتي وقع حتى البعض من الأخيار في فخها، وتصاعدت الإتهامات المتبادلة، إلى أن أتضحت الأمور وبان زيف هذه الفبركات. بالطبع لا يعني ذلك عدم حدوث إنتهاكات سواء من قبل القوات المتعددة الجنسيات وحراسها أو من قبل القوات الأمنية الرسمية، والتي يدينها كل العراقيين الحريصين على مستقبل بلدهم وسيادة القانون فيه. إن الحديث يدور عن نشاط منظم لقوى مخابراتية تعادي مصالح الشعب والتي تفبرك بشكل منسق الأكاذيب بهدف الإيقاع بالعراقيين ودفعهم إلى نفق مظلم.
ولكن العراقيين فطنوا أخيراً وبسرعة إلى قواعد هذه اللعبة الدموية، وبدأوا يشمّون مواقع الخطر ومصادره، ويميزون بين التصريحات الحقيقية وبين الإشاعات المفبركة، وبين من يحرص على مستقبلهم وبين من يكيد لهم الدسائس والمؤامرات. وهذا ما أتضح بشكل واضح في الأشهر الأخيرة، حيث بدأ العراقيون في إنتزاع الأمن وإشاعة السلام في ربوع وادي السلام رغم غزارة الدماء التي نزفت، وتجنبوا الوقوع في الفخ عند الإعلان عن “الضحايا المزعومة ” لعائلة ضياء الكواز التي تشكل حلقة، ولكنها بائسة، من حلقات الزيف والفبركة التي تسعى إلى إغراق العراق في حمامات الدم. لقد آن الأوان لوضع الأسس القانونية والمهنية لإرساء إعلامنا على أسس نزيهة يهدف تطوير وعي الإنسان العراقي، وتنظيف جسم الإعلام من الطارئين والمفبركين ووكلاء دول أخرى على هذا الميدان الحساس والخطير، والذي يعد السلطة الرابعة في الدول الديمقراطية.
29/11/2007