الرئيسية » مقالات » (المؤسساتية) في العمل السياسي

(المؤسساتية) في العمل السياسي

الحديث عن شيء اسمه مجتمع مدني أي عن منظمات شعبية تقع خارج السلطة و العائلة ( أو التشكيلات الاجتماعية الأكبر القائمة على القرابة ) و السوق بالتعريف في المجتمعات العربية هو أشبه بالحديث عن المستحيلات السبعة..المؤسسات القائمة هي تحديدا إما تابعة مباشرة للسلطة أو القوى الاجتماعية و الطبقية السائدة..هذا يعني أنها تخدم كأساس لإعادة إنتاج هيمنة هذه القوى سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية على حساب تهميش و إلغاء أي دور أو حراك مستقل للشارع في محاولة و لو لمجرد خلق توازن نسبي بين مصالح القوى السائدة و مصالح الناس…هذه الهيمنة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية للسلطة و أجزاء من النخبة و تكريسها عبر هذه المؤسسات تعني أن مجمل الحراك السياسي و الاجتماعي يقتصر على مجرد الحراك في رأس الهرم السياسي السلطوي و الاجتماعي و الاقتصادي بعيدا عن أسفل هذا الهرم الذي يبقى مهمشا غائبا مغيبا على الدوام..إلى جانب مؤسسات السلطة القائمة و التي اكتسبت تدريجيا طابعا أمنيا طاغيا توجد مؤسسات أخرى إما هامشية أو حتى مؤثرة نسبيا وفقا للتوازنات السياسية و الاجتماعية لكن هذه المؤسسات ليست كما يتوهم البعض مؤسسات مستقلة للجماهير أو للناس إذا شئتم الابتعاد عن المصطلح اليساري , إنها مرتبطة عضويا إما برأس المال الاقتصادي أو السياسي أو مرتبطة بقيادات تاريخية عشائرية أو حتى بقايا الإقطاع السياسي أو بالمؤسسة الدينية أو بخليط من هذه القوى الاجتماعية و السياسية و الدينية..عدا بعض المنظمات الحقوقية التي تكرس جهودها للدفاع عن المعتقلين السياسيين المعارضين للأنظمة ذات الطابع المحدود لا توجد مؤسسات أو منظمات جماهيرية مستقلة ذات مهام مختلفة كتنظيم الجماهير أو تمثيل مصالحها أمام القوى الأخرى في رأس الهرم السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي..في بغداد قبل الغزو وجدت على هامش مؤسسات النظام المختلفة قوى و قيادات هي القيادات العشائرية و قيادات المؤسسة الدينية بفروعها و أجنحتها المختلفة لكن سلطة هذه القوى و القيادات كانت أخلاقية أساسا و تخضع بالكامل لسطوة النظام على كل شاردة و واردة في البلد..ما أن سقط النظام يومها و معه كل مؤسساته بالضرورة حتى وجدنا هذه القوى و القيادات و المؤسسات التقليدية تتجه لتملأ الفراغ مباشرة..في البداية كانت هذه القوى و القيادات ذات سلطة أخلاقية على الشارع لكن و بسرعة ظهرت مؤسسات ذات وظائف مختلفة مرتبطة بهذه القيادات , من أهمها المؤسسات الميليشيوية التي أخذت تلعب دور المؤسسات الأمنية للنظام السابق , ضد خصوم هذه القوى أساسا و كمؤسسات أمنية محلية كوظيفة ثانوية و إلى جانبها طبعا مؤسسات “خيرية” أو اجتماعية بهدف التعويض عن انهيار بنية الاقتصاد السلطوي و القائم أساسا إلى بيروقراطية الدولة المتضخمة التي كانت إلى حد كبير توفر للناس حتى أشدهم فقرا الحاجات الأساسية للحياة , هذه الوظيفة انتقلت إلى تلك المؤسسات المرتبطة بهذه القوى بغرض أداء ذات الوظيفة أي توفير الحد الأدنى من الوسائل الضرورية للحياة للأتباع و الأنصار , حتى نظام التعليم الرسمي عوضته نسبيا مؤسسات “تعليمية” مرتبطة بهذه القيادات , هكذا أصبحت السلطة الأخلاقية لهذه القيادات “سلطة واقعية” , سلطة تتماهى ليس فقط بالنظام السابق بل حتى بوضعية السلطة في المجتمع العربي تاريخيا..في لحظة تاريخية أخرى عندما سقط النظام الناصري و احتاج السادات إلى مساعدة لمواجهة القوى السياسية المعارضة له استفاد الإخوان من تلك الظروف المواتية فبدؤوا بإقامة شبكة مؤسسات بعضها خيري و بعضها ملحق بالنقابات مستفيدين من الثروات التي راكمها بعض الإخوان الذين فروا في المرحلة الناصرية إلى دول الخليج ( حتى درجة طرح فكرة “اقتصاد إسلامي بديل” و بدأ كما نعرف وضع مفهوم البنوك الإسلامية موضع التنفيذ لكن النظام الذي أحس بالخطر الداهم تدخل و ألغى هذه المؤسسات الاقتصادية الموازية ) مثلت بالنسبة لهم جزءا أساسيا من القاعدة التي تشكل اليوم أساس نفوذهم الجماهيري..في الأردن كان الوضع مختلفا فعلاقة النظام هناك كانت على الدوام ممتازة مع الإخوان و قد شكلوا على الدوام جزءا من هيكلية جهاز الدولة نفسها..عمل الإخوان الأردنيون و بالاستفادة من هذا الموقع الممتاز لهم داخل أجهزة الدولة على إقامة شبكتهم الخاصة من المؤسسات التي ضمت حتى مستشفى كبيرا في عمان..لكن هذه العلاقة المتميزة مع النظام تركت آثار لاحقة على الإخوان أنفسهم عندما تحتم عليهم أن يتحولوا تدريجيا إلى معارضة سياسات النظام خاصة مع إبرامه اتفاقيات وادي عربة و تطبيعه مع إسرائيل , وجدنا هنا قسما رئيسيا من قيادات الإخوان تعارض انتقال الإخوان إلى صفوف المعارضة المباشر للنظام ممارسة دور الحمائم في الموقف من النظام..هذه السياسات هي المسؤولة إلى حد كبير عن تراجع شعبية الإخوان حتى في الشارع الإسلامي الأردني..في لبنان كان الشيعة عمليا أكثر الفئات فقرا و كانوا تقليديا مؤيدين لليسار اللبناني في أواسط القرن الماضي حتى ظهرت مؤسسات ذات وظائف أساسية تعوض قصور الدولة في توفير الخدمات الأساسية لهذه الجماهير و خاصة أكثرها فقرا و قصور اليسار في تنظيم مقاومة الجماهير و خاصة كفاحاتها المطلبية , هذه المؤسسات المرتبطة بقيادات دينية صاعدة تمكنت من سحب البساط سواء من القيادات الشيعية التقليدية أو من اليسار اللبناني..هذا أيضا شاهدناه سنيا عندما تمكن الحريري على التوازي مع تحوله إلى مركز النشاط الاقتصادي و المالي في لبنان و اعتمادا على الموارد الهائلة التي كانت بتصرف مشروعه السياسي من أن يعيد رسم كامل المشهد السياسي اللبناني بحيث أصبح و من بعده ابنه في مركز هذا المشهد و أن يعيد صياغة “التحالفات” الأساسية في هذا المشهد من حوله , طبعا كانت نقطة الانطلاق الضرورية هي في كسب جماهير السنة خاصة الفقيرة التي كانت تتبع تقليديا القيادات القادمة من الإقطاع السياسي..هذا النجاح لرأس المال السياسي المتمثل في الحريري فشل في معظم الساحات العربية الأخرى بسبب قوة سطوة الدولة و مركزية بيروقراطيتها الحاكمة و هامشية الدور السياسي للبرجوازية سواء البيروقراطية أو الكومبرادورية..الغريب في أمر اليسار العربي , الستاليني أساسا , أنه في فترات نشوئه عمل بجد على تأسيس منظمات جماهيرية خارج نفوذ السلطة أو القوى الاجتماعية السائدة أهمها النقابات العمالية المختلفة لكنه في فترات صعوده و خاصة عندما كان يتمتع بجماهيرية كبيرة في الشارع امتنع عن أية مبادرات هامة باتجاه تنظيم الجماهير و اعتمد أساسا على مساومات فوقية مع القوى الموجودة في السلطة و أخيرا قبلت بعض تنظيماته أن تشارك في التغطية على مهزلة إلحاق هذه المؤسسات بالنظام و بأجهزته الأمنية..نحن في سوريا تماما في نفس وضع الجماهير العراقية في مرحلة الحصار الأمريكي..إن الأمل بإقامة منظمات مستقلة عن النظام اليوم مع تشديد النظام لقبضته على كل شيء و خاصة على أي بوادر نشاط معارض مستقل يبدو أشبه بالمستحيل..قد يتمثل بصيص الأمل الوحيد في انتفاضات جماهيرية عمالية و فلاحية و طلابية على نمط حركة التضامن البولونية تستطيع حلحلة قبضة النظام الفولاذية..يجب أساسا و قبل كل شيء آخر تغيير مفاهيم العمل الجماهيري السائدة لدى اليسار السوري بحيث تصبح المهمة الملحة لليساريين أكثر من مجرد تشكيل “معارضة بناءة” لسياسات و لقيادة المؤسسات القائمة و القبول بإخضاع العمل الجماهيري لأولويات النظام المتحالف مع قسم من هذا اليسار الرسمي إلى مواجهة سياسات هذه المؤسسات و قياداتها البيروقراطية المرتبطة بالأمن و النضال دون هوادة لإخراج هذه المؤسسات من تحت سيطرة الأمن و تنشيط مبادرة الجماهير ضد سياسات النظام و قمعه..و نحن نواجه احتمالات تغيير النظام بشكل موضوعي إما من الخارج أو حتى من داخله يضع هذا أهمية خاصة على سلوك اليسار السوري في لحظة التغيير..خلافا لما فعله الحزب الشيوعي العراقي في الانخراط “الجاد و النشيط” في حوارات سياسية فوقية مع القوى التي يفترض أن تشكل النخبة الحاكمة الجديدة يجب الانصراف بكل همة و قوة , بكل قدراتنا المتوفرة , لتشكيل مؤسسات و منظمات جماهيرية مستقلة , يجب أن ندعو الجماهير , سنية و علوية و مسيحية و درزية و إسماعيلية , عربية و كردية و آشورية و أرمنية و شركسية , لتتولى بنفسها عبر هيئات تعتمد مبادئ و ممارسات الديمقراطية المباشرة لتولي مهام توزيع المواد الأساسية و الأرض المستولى عليها و سوى ذلك من المهام الحيوية بعد سقوط النظام , يجب في كل الأحوال الإصرار و بقوة على رفض أية مؤسسات بيروقراطية تعوض مؤسسات النظام و في كل الأحوال يجب إخضاعها و كل أشكال السلطة البديلة عن النظام لرقابة الجماهير الصارمة و عدم التساهل مع أية حالات للمحسوبية أو لتجيير هذه المؤسسات لصالح أي شكل من أشكال النخب المسيطرة , يجب الإصرار على أكبر قدر ممكن من الحرية للجماهير سواء في انتقاد مؤسسات النظام الحالي أو أي نظام منتظر في المستقبل , يجب أن نتعلم مع الجماهير كيف نمارس أصدق و أرقى حالات الديمقراطية على الأرض و لصالح هذه الجماهير..إن إنشاء منظمات جماهيرية مستقلة هو البداية فقط , فهدف النضال هو أن تتحول هذه المؤسسات الجماهيرية الديمقراطية إلى نظام بديل عن أشكال السلطة النخبوية التي لا يمكنها إلا أن تكون ديكتاتورية بالضرورة..