الرئيسية » مقالات » أضغاث أحلام الأتراك

أضغاث أحلام الأتراك

وكما هو معروف بأن هناك أنواع عدة من الأحلام، وقد أختلف علماء النفس والاجتماع المعاصرين في تفسيرها عن المفسرين الميتافيزيقيين الذين يعتمدون في تفسيرهم للأحلام على الأحاديث النبوية أو الكتب المقدسة، و ” أضغاث الأحلام ” يفسر أدبياً ودينياً على أنه يدل على ” حديث النفس ” أو التمنيات التي يمني بها الإنسان نفسه في صحوته لينعكس ذلك في منامه، وهي أيضاً تلك التي لا تقع في الواقع وتجلب للإنسان الأمل الكاذب، وقد أعتاد الأتراك دوماً على هذا النوع من الأحلام وتعليل النفس بالاستيلاء يوماً ما على ” كوردستان العراق ” بما ضمنها مدينة كركوك النفطية لإنتشال إقتصادهم المتهالك تحت عبء مصروفات الجيش التركي المقدرة بمليارات الدولارات سنوياً، لا لشئ ، سوى أرضاء للطموحات غير المشروعة ولإطماع جنرالات الجيش التركي بالهيمنة وضم أراضي الغير بقوة السلاح كما هو حاصل الآن على أرض الواقع باحتلال واستعمار نصف الجزيرة القبرصية تحت ذريعة حماية الأتراك القبارصة .
ومن هذا المنطلق جاءت دعوة رئيس معهد الدراسات التاريخية التابع للحكومة في تركيا، يوسف هالاج أوغلو، إلى إعادة النظر في اتفاقية عام 1926 التي تخلت بموجبها أنقرة عن الموصل وكركوك للعراق، وقد أفصح الرجل في دعوته بشكل صريح عن النوايا العدوانية لتركيا فيما يتعلق بكوردستان العراق من خلال تصريحه الخيالي بأنه ” من حق تركيا أن تسترجع الموصل وكركوك إذا قررت واشنطن تقسيم العراق لأن الأتراك تركوا الموصل وكركوك لدولة عراقية موحدة ” …. وبالطبع هذا منافي للحقائق التاريخية .
ورداً على مثل هكذا تصريحات غير عقلانية بإختصار شديد، أنها لا تتجاوز أضغاث أحلام ، وذلك أن مسألة ولاية الموصل ” كوردستان العراق ” قد سويت من قبل لجنة عصبة الأمم المتحدة عام 1926 لصالح العراق المشكل حديثاً عام 1921 من ولايتي بغداد والبصرة على حساب الكورد، وقد أثبتت اللجنة المذكورة أستناداً على الخرائط المعتمدة وكتب التاريخ بأن هذه المنطقة لم تكن يوماً ما ضمن العراق العربي ولا ضمن ” الأراضي التركية !! ” بل أن عموم المنطقة كانت تحت حكم الدولة العثمانية، وأنها خسرت الحرب وتم تقسيم مستعمراتها بين دول الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، ونتجت عنها تشكيل دول قومية عربية وأخرى غير عربية، بينما خسر الكورد آنذاك معركتهم السياسية والدبلوماسية نتيجة الاتفاقيات والمساومات التي عقدت بين الأتراك وتلك الدول .
أن المطالب التركية الفانتازية بالإستيلاء على كوردستان العراق وامتصاص خيراتها تحت ذريعة ” خسارتهم لولاية الموصل في حالة ضعف سياسي ” كما أعتادوا ترديد ذلك على مدى العقود المنصرمة لا يمت وللحقائق التاريخية والسياسية للمنطقة بأي صلة أو عقلانية ولا حتى لأبسط مفاهيم القوانين الدولية، فمعاهدة لوزان عام 1923 التي انبثقت عنها تشكيل وفد عصبة الأمم المتحدة للفصل في النزاع الدائر حول عائدية ولاية الموصل جاءت على حساب معاهدة سيفر عام 1920 والتي حددت موادها 62 ، 63 ، 64 بأنشاء دولة كوردية على غرار الدول القومية الحديثة المنشأ .
وقد طالب بعض السياسيين والمثقفين الكورد لاحقاً في مناسبات عدة بإحياء تلك الاتفاقيات نظراً لنكث العهود والوعود التي قطعت للكورد في التمتع بحقوقهم القومية، السياسية منها والثقافية من قبل الحكومة الملكية العراقية والدولة التركية الحديثة، أي أنه حرياً بالكورد قبل غيرهم المطالبة بإحياء إتفاقية عام 1926 التي اُلحقت بموجبه كوردستان الجنوبية بالعراق العربي، ما يعني أن المطالب التركية بإحياء تلك الاتفاقية الجائرة ليست في مصلحتها استناداً على المعطيات الجغرافية والتاريخية، ليس هذا وحسب بل أن على تركيا أن تتخلى أيضاً عن الأراضي الكوردية المحتلة ” شمال كوردستان ” والتي يطلقون عليها في إعلامهم وأدبياتهم بالولايات الشرقية.
والسؤال هنا … أذن ما هي إتفاقية عام 1926 :
بانتهاء الحرب العالمية الأولى وعلى أثر الصراع الدائر آنذاك حول عائدية ولاية الموصل ” كوردستان العراق ” بين العراق وبريطانيا من جهة وبين تركيا من جهة أخرى، والكورد لوحدهم ضد الجبهتين. قدم الطرفان التركي والعراقي الوثائق والخرائط والإحصائيات المتنوعة لتثبيت حقوقه في هذه المنطقة للجنة عصبة الأمم المتحدة التي بُعثت للفصل في النزاع حول أحقية الأطراف المتنازعة بالولاية، التي لم يتوصل الطرفان البريطاني والتركي إلى حلها بالحوار المباشر بعد انقضاء التسعة شهور التي قرُرت في جلسات معاهدة لوزان عام 1922 ـ 1923.
ومن الحجج التركية التي قدمتها. إن ولاية الموصل غير داخلة في العراق العربي، ولكنها جزء من الجزيرة، وإن إتفاقية سايكس ـ بيكو فصلت بين الموصل والعراق، وفي المطالب الخاصة بكوردستان التي قدمها شريف باشا ” مندوب عن الكورد ” في عام 1919 بناء على طلب الحلفاء ذكرت الموصل منفصلة عن العراق، أما سكان ولاية الموصل فلم يعتبروا أنفسهم يوماً ما جزء من العراق. ولأجل تأييد وجهة نظرها اقتبست تعريف العراق من ” دائرة المعارف البريطانية ومن دائرة المعارف الفرنسية الكبرى ( )” .
ومن جهة ثانية أدعت الحكومة البريطانية أن الجيوش البريطانية احتلت جميع “ميزوبوتاميا ” أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد أطلق الاسم ” العراق” على القطر الذي كان فيما مضى ميزوبوتاميا لأنه معروف جداً عند الأهالي، وقد أخذ هذا الاسم الحديث ” العراق” من “العراق العجمي” و” العراق العربي ” اللذين كانا مستعملين في أواخر القرن الحادي عشر ( ) .
بينما جاء الموقف الكوردي على لسان الشخصية الكوردية ” بابان زاده عزت ” مستنفراً من صيغة السؤال الاستفزازي الذي طرحته لجنة عصبة الأمم على ممثلي الكوردي ” مع أية حكومة تريدون العيش ؟ ” التركية أم العراقية فأجابهم : لماذا لا تسالون هل نرغب بحكومة كوردية أم لا ؟ ” .
وكانت التقارير والوثائق متضاربة بين الطرفين إلى حد كبير بشكل جعل لجنة العصبة أن تتخذ هي بنفسها إلى جانب دراستها لكل ما ُقدم من قبل الأطراف المتنازعة، بالتنقيب والبحث والاستعانة بالمكتبات والجامعات العالمية للحصول على المعلومات والخرائط التي يمكنها أن تفصل بين المتنازعين بشكل محايد. فتوصلت اللجنة فيما بعد إلى وجود ثلاث مناطق واضحة: العراق العربي، والجزيرة، وكردستان. لا يمتد العراق شمالاً أبعد من ” هيت ” أو منطقة جبل حمرين، ولم يمكن التأكد من أن جزء من الأراضي المتنازعة لم تكن يوماً ما ضمن العراق العجمي، وأكدت أنه في جميع الأدبيات الجغرافية منذ الفتح العربي حتى تحقيق اللجنة ( 1925 ) لم تعتبر ولم توصف ولم تظهر الأراضي المتنازعة يوماً كجزء من العراق، وفي الماضي لم يكن الأسم ” العراق” مألوفاً عند سكان ولاية الموصل كأسم لبلادهم( ).
استمرت اللجنة في تحقيقاتها، وتوصلت في نهاية الأمر، و كما يذكر المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني بهذا الصدد: أنجزت لجنة الحدود الأممية تقريرها عن الخلاف العراقي ـ التركي حول ولاية الموصل فجاء في ( 113) صفحة من القطع الكبير، مع إحدى عشرة خارطة، وقد جاء في صفحة 111 من هذا التقرير ما يلي بالنص:
لو نظرنا في المسالة كلها، معتبرين في ذلك مصالح الأهلين الذين يخصهم الأمر، فمن رأي اللجنة أنه من المستحسن ” لاحظ كلمة مستحسن ” عدم تقسيم المنطقة المنازع فيها. أن اللجنة استناداً على هذه البواعث وتقديرها كل حقيقة من الحقائق التي ذكرتها، ترى أن هناك حججاً مهمة تساعد على ارتباط كل المنطقة، من جنوبي خط بروكسل بالعراق ” الحدود الحالية بين العراق وتركيا ” ومن تلك الحجج خصيصاً الحجج الجغرافية والاقتصادية، والشعور، مع كل التحفظات المذكورة، على أن تراعى الشروط الآتية :
1 ـ يجب أن تبقى المنطقة تحت انتداب عصبة الأمم لمدة 25 سنة.
2 ـ ويجب مراعاة رغبات الأكراد فيما يخص تعيين موظفين أكراد لإدارة مملكتهم، الأمور العدلية، والتعليم في المدارس، وأن تكون اللغة الكردية، اللغة الرسمية في هذه الأمور( ). يستدل من خلال هذا العرض الخاطف بأن مساحة كوردستان العراق تشمل كافة الأراضي المتنازعة عليها والتي تمتد من جنوب خط بروكسل ” الحدود الحالية بين تركيا والعراق التي حددتها لجنة عصبة الأمم ” إلى حد سلسلة جبال حمرين جنوب كركوك، وأن إلحاق كوردستان الجنوبية بالعراق المشكل حديثاً كان إلحاقاً مشروطاً ” مراعاة رغبات الأكراد ” ، واستند الإنكليز أيضاً في معركتهم الدبلوماسية تلك لكسب القضية لصالحها بأن هذه الدولة الفتية أي العراق لا يمكن أن تقوم وتحافظ على ديمومتها دون الثروات المتواجدة في هذه المنطقة، وهي في ذات الوقت المستفيدة الوحيدة باعتبارها الدولة المنتدبة على العراق، عضو البرلمان البريطاني في ديسمبر عام 1925 LORD AVEBUYويقول بهذا الصدد اتفق الطرفان على إلحاق جنوب كوردستان بالعراق العربي، حسب اتفاقية بغداد التي وقعت بين بريطانيا وتركيا أن تلحق تلك الأراضي بالعراق، وبالرغم من أن المنطقة النفطية ضُمت إلى العراق، لكنها في حقيقة الأمر، كانت أمنية بريطانيا( ). وهذا يعني بالنسبة للكورد بأنهم أصبحوا ضحية النفط المتواجد في كوردستان والتي نتجت عنها سياسة التعريب للاستحواذ على هذه الثروة، هذا من جهة ومن جهة أخرى تبين الوثائق والاتفاقيات التي قدمت، مساحة كوردستان الجنوبية وحدودها الجغرافية، كما قطعت الحكومة البريطانية والحكومة الملكية العراقية وعداً بتنفيذ الشروط الآنفة الذكر. ”

وفي الختام أود أن أذكر هذه الطرفة عن العقلية التركية وأثبت مدى تعطش الأتراك على النفط المتواجد في الأراضي الكوردستانية وأضغاث أحلامهم بالإستيلاء على كوردستان، والتي تستحق بحق أن تسجل كطرفة تتندر بها الأجيال اللاحقة .
قبل أكثر من عام تقريباً أعلنت الحكومة المحلية الكوردستانية بإكتشاف كميات من النفط في منطقة زاخو المحاذية لحدود الدولة التركية، وقد عقدت حكومة الإقليم أتفاقاً مع شركة نرويجية لإستخراج النفط في تلك المنطقة .. وما أن سمع الأتراك الخبر حتى باشروا بأسرع من لمح البصر بالتنقيب والحفر في الجهة المقابلة داخل الحدود التركية عسى ولعلهم أن يشموا رائحة ولو قطرة واحدة من النفط، لكن وللأسف دون جدوى، والطريف في الأمر هو . أين كان الأتراك على مدى العقود المنصرمة عن التنقيب والبحث عن النفط ؟ ولماذا لم يباشروا بالبحث طيلة قرن كامل عن النفط في منطقة يعتبرونها تركية !!! ؟
حقاً وكما قيل سابقاً … أن لله في خلقه شؤون . 

السويد