الرئيسية » مقالات » خمسة حزيران أخرى بخمسة نجوم!

خمسة حزيران أخرى بخمسة نجوم!

منذ عدة عقود و أنا أقرأ کتبا و مقالات و دراسات و بحوث”إستراتيجية” ناهيك عن تنبؤات”دينية”، کلها تتحدث عن إشارات و علامات”تآکل”و”تفتت”الدولة العبرية و بدأ العد التنازلي لسقوطها و”محوها”من على الخارطة. ويقينا، ليس بإمکاني القول أبدا إنني لم أتأثر بذلك”الکم الهائل”من الحشو الاعلامي و الثقافي على حد سواء، ذلك إن الانسان سيما عند مروره بمراحل أساسية من تکوينه الفکري و الثقافي يتأثر أيما تأثير بواقعه الفکري ـ الاجتماعي و يشرئب عقله الباطن شاء أم أبى بالخطوط العامة لها، ولذلك فقد کنت أتصور کغيري من الذين عاشوا تحت تأثير تلك الاوهام، إنني سوف أصحو يوما لأجد”أجراس العودة”قد بدأت تقرع و صارت دولة إسرائيل شيئا من الماضي تحت وطأة الضربات”الساحقة الماحقة”للجيوش العربية لکنني ليس لم أجد شيئا من ذلك وإنما وجدت أن کل ذلك التفتت و التفکك و التآکل الذي تحدثوا عنه طويلا قد حدث و يحدث فعلا في عموم المنطقة التي تواجه واقعا غريبا يغلب عليه التناقض و الازدواجية و الانکفاء و التقوقع على الذات هربا من مواجهة الواقع. وجدت شعوبا تتحدث بلسانين و زمنين، لسان في النهار يطغي عليه الحمد و الثناء للرئيس القائد أو الملك أو الامير المفدى، ولسان في الليل يلعن النظام القائم من رأسه الى نهاية ذيله، و کان أقوى المعارضين و أشجعهم”ولازال” هو ذلك الذي يقبع في السجون إن لم يکن قد أعدم فعلا وکانت أفضل سوح البوح بمکنونات الصدور من وطأة الحکم القائم أما على حيطان دورات الميا‌ه أو في أحلام اليقظة.
لقد ذهب جمال عبدالناصر و إنتهت تلك الموجة”العاتية”من الشعارات البراقة الفضفاضة و صارت المنطقة في مواجهة موجة دينية مغالية في تطرفها و حملها على کل شئ، لکن وعلى الرغم من أن البعض من”الباحثين”و”الدکاترة”مافتأوا يعلنون جهارا بقوة تأثير هذه الموجة”المتطرفة الارهابية”على الغرب و يزعمون بأن الولايات المتحدة الامريکية و أوربا قد باتتا مذعنتين أکثر من أي وقت مضى لما تطرحه تلك الموجة و أن الغد”الآتي” سوف تصنعه هذه الجوقة المتطرفة وهکذا و بدون أي عناء يقرون بأنه ليس هناك من خيار آخر مطورح أمام شعوب المنطقة سوى إنتظار فرج حزازي الرؤوس و حارقي سيقان النساء بماء النار! حقيقة أن هکذا کلام موغل في الاسفاف إن هو إلا ضحك على الذقون مرة أخرى، فعن أي إذعان أوربي للموجة الارهابية يتحدثون و قد شددت دول الاتحاد الاوربي من خناقها على مسببات الارهاب و مراکز تعشعه و کيفية إنتشاره، و إذا ماکان الاعلام العالمي يتناقل نبأ التحوطات الامنية من”تهديدات”إرهابية ضد دول أوربية معينة، فإنه هناك أيضا کم هائل من الخيوط المهمة جدا التي تمسك بها الاجهزة الامنية و الاستخبارية لدول الاتحاد الاوربي ناهيك عن الولايات المتحدة الامريکية و مازال”الطرق”بمعول”الاصلاح”مستمرا على رؤوس الانظمة الحاکمة في المنطقة، فعن أي إذعان يتحدث أولئك الرهط؟
بالامس کانت الانظمة العربية تقاتل الدولة العبرية و هي متقوقعة في دائرة محددة و کانت الانظمة”الثورية ـ التقدمية ـ الوحدوية”تعلن يوما بعد آخر نبأ نصر ماحق لها على”الامبريالية الامريکية”، و ها نحن بعد کل هذا نجد دولة إسرائيل قد کبرت أکثر و ان نجمة دواد ترفرف على سماء القاهرة و عمان بالاضافة لعلاقات أخرى أوثق”تحت الاغطية”، کما إن الامبريالية الامريکية صارت تمرق من بين سيقاننا من دون عناء يذکر و طفق العديدون يلحون على واشنطن أن لا تنسحب من العراق خوفا من تداعيات إنسحابها، ذلك إنه ليس هناك من بديل سوى موجة الارهاب! و فوق هذا کله، مازال الشقاق ليس بين دول المنطقة لأسباب سياسية و إقتصادية و حتى”قبلية” و إنما نجد الامر ذاته بين أقطاب المعارضة ذاتها و حتى بين التيارات المتطرفة، فالکل يتصور نفسه بمثابة”المنقذ الاوحد” و”الاخلص” و”الافضل” فيما يرون الآخرون بکافة أطيافهم و ألوانهم”متربصين” و”مشبوهين” والى آخر هکذا ألفاظ في قاموس التعامل مع الآخر في دول المنطقة.
بالامس کانت لغة البيانات الحماسية و الاناشيد الوطنية الملتهبة هي إسلوب تعاطي النظام العربي الرسمي مع الشارع العربي، أما اليوم فإن تلك اللغة إتخذت صيغة أخرى تتجسد في سياقين رئيسيين هما:
1 ـ الدعوة الى الاصلاح على”الطريقة الخاصة” وهي في حقيقة أمرها دعوة يکتنفها التمويه و الغموض و لاتشعر الجماهير بمصداقيتها.
2 ـ الدعوة الى صلح عادل و شامل مع”إسرائيل”، لاحظوا مع إسرائيل وليس مع”الکيان الصهيوني”أو”الغاصب”، وهي دعوة مازالت إسرائيل ذاتها تشك بمدى المصداقية فيها.
وفي السياقين، نجد أن هناك قصور واضح و حتى عدم وضوح في الرؤية و الطرح، ففي دولة مثل مصر والتي تمثل نموذجا متقدما بالنسبة لبقية الدول العربية، تتوالى التقارير الخبرية مؤکدة بأن العمل جار على قدم و ساق لتهيأة الاجواء لإعلان السيد جمال مبارك وريثا لکرسي الرئاسة!! أما لو دلفنا الى اليمن و السودان و ليبيا و تونس فإن الحديث ذو شجون، أما عن الدول الاخرى ذات النظم الملکية، فإن الواقع يحتم على المرء أن يشير الى حقيقة أن هناك سعي دستوري حثيث لإصلاحات”عملية”و ليست مجرد تنظيرات و أضغاث أحلام تمنى بها الشعوب، لکن ذلك يظل عاجزا و قاصرا عن تلبية حاجة و متطلبات الواقع المعاش الذي يفصله فراسخ و فراسخ عن تلك الجهود.
السلام مع إسرائيل مازال يصطدم بعقبات”دينية” قبل أن تکون واقعية في أساسها و مازال القادة العرب أنفسهم يميلون ذات اليمين و ذات الشمال على وقع الخطاب الديني ويسعون للبحث عن أنصاف الحلول و معالجات مؤقتة للوضع من دون أن يدرکوا أن الزمن في هکذا حالة لن يکون أبدا لصالحهم، فإسرائيل التي يعترض شعبها بکل وعي ضد أية مسألة يرى فيها خللا أو خطأ ما، هي غير الدول العربية التي ليس هناك من صوت معارض لها في الداخل أبدا فلا صوت يعلو أبدا على صوت تصفيق و تهليل المهللين في الوقت الذي يجزم الجميع بدون إستثناء أنه هناك أخطاء و أخطاء أکثر من قاتلة ولکن من دون سعي لمعالجتها أو حتى المکاشفة بها أمام الزعماء”المتحجرين”.
لقد کانت هزيمة الخامس من حزيران کما قيل هزيمة للأنظمة، لکن الشعوب هي التي دفعت الفواتير، بيد أن الذي يجري حاليا هو سعي في طريق غير واضح المعالم إذ لا هو سعي للسلام فننتظر سلاما معينا، و لاهو سعي للحرب و المواجهة فننتظر سماع البلاغات و الاناشيد الحماسية، و لاهو حتى “أمر بين أمرين”، بل هو حالة خاصة کالاصلاح و الديمقراطية و الاشتراکية العربية وکل ذلك کما نعلم محض هراء و کلام فارغ من أوله الى آخره و أفضل دليل على الارض ما يحدث في القدوة الاولى للدول العربية و أقصد مصر، من هنا، فإن من حق المراقبين أن يراهنوا على عدم حصول أي تقدم أو تغيير نوعي في الواقع العربي وإنما إنتظار المزيد من الاخفاقات و المزيد من الانتکاسات و المزيد من الهزائم و حتى إنه سيأتي اليوم الذي تسترحم فيه الشعوب العربية على هزيمة الخامس من حزيران عندما ترى بأم عينيها هزيمة”حزيرانية”أخرى لکنها أنکى وبخمس نجوم!