الرئيسية » مقالات » هل ينجح مؤتمر أنابوليس في الوصول إلى حل دائم للصراع العربي الإسرائيلي؟

هل ينجح مؤتمر أنابوليس في الوصول إلى حل دائم للصراع العربي الإسرائيلي؟

الصراع العربي الإسرائيلي قديم قدم الصراع بين الإمبريالية البريطانية والفرنسية التي احتلت العالم العربي مشرقه ومغربه خلال الحرب العالمية الأولى بعد اندحار الإمبراطورية العثمانية حليفة المانيا في تلك الحرب، وجرى تقاسم العالم العربي بموجب اتفاقية [ سايكس بيكو] السرية بينهما، ناكثين بوعودهم التي قطعوها للملك حسين بن علي بمنح العالم العربي حريته واستقلاله مقابل إعلان الثورة العربية ضد الاحتلال العثماني الذي جثم على صدور الشعوب العربية خلال اربعة عقود كالحة السواد وشديدة التخلف.
وعلى اثر انتهاء تلك الحرب بدأت الشعوب العربية تتطلع نحو التحرر من هيمنة الاستعمار الجديد ، ومارست النضال السلبي في بداية الأمر، داعية الحكومتين البريطانية والفرنسية للوفاء بوعودهما.
لكن ذلك النضال جوبه من قبل جيوش الإمبرياليين بأقسى الرد مستخدمين جيوشهم في قمع الشعوب العربية ، والتنكيل في قيادات حركة التحرر العربية ، وإصدار الحكومة البريطانية ما دعي ب [ وعد بلفور] القاضي بتأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ، وتشجيع المنظمات الصهيونية في مختلف بلدان العالم للقيام بأوسع حملة استيطانية لليهود في فلسطين مدعومة من قبل حكومة الولايات المتحدة الأمريكيةً تمهيداً لتسليم بريطانيا تلك المنظمات الإرهابية الصهيونية زمام الأمور في فلسطين .
وفي الوقت نفسه مارس المستعمرون البريطانيون أقصى درجات العنف ضد الشعب الفلسطيني ، وقمع حركته التحررية ، وثوراته المتتابعة ضد المحتلين بقوة السلاح، وقد جرى كل ذلك تمهيداً لطبخ مشروع تأسيس دولة إسرائيل فور انسحاب القوات البريطانية منها عام 1948، وعلى أشلاء الشعب الفلسطيني وتشريد الملايين من أبنائه في مختلف بلدان العالم العربي ، والذين ما زالوا لاجئين هذه البلدان حتى يومنا هذا يعيشون في حالة من البؤس الشديد الذي لا يليق بالإنسان ، فلماذا اختار الإمبرياليون أرض فلسطين بالذات ، وليس أية بقعة أخرى في العالم الغربي الذي أبدي حرصه المشبوه على مصير ومستقبل الشعب اليهودي ؟
لقد كان الهدف الحقيقي لقيام دولة إسرائيل في قلب العالم العربي ، يهدف إلى تحقيق أمرين أساسيين:
• الأمر الأول استهدف عزل المشرق العربي عن مغربه حيث تمثل دولة إسرائيل اليوم الرابط الأرضي الوحيد بينهما للحيلولة دون وحدة العالم العربي مستقبلاً.
• جعل دولة إسرائيل قاعدة متقدمة للإمبرياليين في قلب العالم العربي وتسليحها بأحدث ما أنتجته مصانعهم الحربية من مختلف الأسلحة الفتاكة، بما فيها السلاح النووي ، وجعل قوة هذه الدولة تتجاوز كافة الدول العربية من الناحية العسكرية مجتمعة، وبذلك اصبحت دولة إسرائيل السيف الإمبريالي المسلط على رقاب العالم العربي، تحركها متى شاءت وأنى شاءت، لحماية مصالحها الإمبريالية في المنطقة العربية الطافية على بحار من البترول .
ومن أجل ذلك لم يعرف العالم العربي استقراراً منذ قيام دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا، وخاضت إسرائيل حروباً متتالية مع العالم العربي تمثلت بحرب عام 1948 ، وحرب عام 1956 [حرب السويس] وحرب عام 1967 التي احتلت خلالها سائر أجزاء فلسطين وهضبة الجولان السورية ، وصحراء سيناء المصرية ، وأجزاء من الأردن ولبنان، ثم جاءت حرب عام 1973، ثم تتالت الحروب الإسرائيلية على لبنان منذ الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 واحتلت بيروت عام 1982 واستمرت حروبها ضد لبنان واحتلال أجزاء كبيرة من جنوب لبنان ، وكانت آخر الحروب حرب تموز عام 2006، وما زالت المخاطر تحدق بالمنطقة جراء إصرار إسرائيل على عدم منح الشعب الفلسطيني حقوقه وحرياته في المناطق التي احتلها في حرب الخامس من حزيران 1967، وتقيم المستوطنات في الضفة الغربية ومنطقة القدس التي ضمتها واعتبرها عاصمة أبدية لها.
ورغم كل الجرائم التي اقترفها حكام إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني بوجه خاص والعربي بوجه عام فقد كان موقف الامبرياليين في مجلس الأمن دائماً وأبدا إلى جانب إسرائيل ، وتحدي حكام إسرائيل لكافة القرارات الدولية التي صدرت عن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني وبالأراضي العربية المحتلة منذ حرب الخامس من حزيران 1967، دون أن تلقى أي موقف حازم من مجلس الأمن الذي لا يفرض قراراته إلا على الدول العربية، كما جرى بالنسبة للعراق.
إن إصرار حكام إسرائيل على سياستهم وأساليبهم العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني وسائر الدول العربية لن يوصل منطقة الشرق الأوسط إلى السلام ، وسيبقى الوضع مهدداً باستمرار لحروب جديدة إذا لم يغير حكام إسرائيل سياستهم تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وتجاه جيرانهم العرب ، والانسحاب إلى حدودهم السابقة قبل الخامس من حزيران 1967. ومن سائر المناطق العربية المحتلة
أن حل قضية الشعب الفلسطيني هي لب وجوهر الصراع في منطقة الشرق الأوسط ، ولا سبيل لإنهاء هذا الصراع المرير إلا من خلال أحد الحلين التاليين:
1 ـ الانسحاب من كافة المناطق الفلسطينية المحتلة والعودة إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967 ، والانسحاب من كافة المستعمرات التي شيدتها في قلب الضفة الغربية ، وتأسيس دولة فلسطينية على كامل الضفة الغربية وغزة دون استثناء ، مع إيجاد ممرات آمنة وأنفاق بيمن الضفة والقطاع ، واحترام سيادة واستقلال الدولة الفلسطينية، وبضمانات دولية من أي تجاوز أو اعتداء إسرائيلي عليها مستقبلاً .
2 ـ العمل على إقامة دولة علمانية ديمقراطية في كافة ارض فلسطين يعيش فيها الشعبين الفلسطيني واليهودي على قدم المساواة في الحقوق والواجبات ، وكف حكام إسرائيل عن أحلامهم بدولة يهودية عنصرية لا يمكن أن تضمن قيام السلام الدائم والعلاقات المشتركة مع جيرانها العرب إلى النهاية .
إنني اعتقد أن الحل الثاني هو الأمثل الذي يمكن أن يحقق السلام الدائم بين الشعبين العربي واليهودي ، وينهي وإلى الأبد الحروب وما تسببها من ويلات ومآسي وخراب ودمار، ويحول هذه المنطقة الحساسة من العالم إلى واحة للسلام ، والعمل الجاد من أجل خلق جنة حقيقية في المنطقة الغنية جداً بمواردها التي تصرف اليوم على التسلح وعلى إعادة تعمير ما تخربه الحروب المستمرة .
وعلى حكام إسرائيل أن يدركوا أن السلاح النووي لا يمكن أن يحمي كيانهم ، بل سيشكل كارثة كبرى للمنطقة كلها بما فيها إسرائيل فيما إذا جرى استخدامه يوماً ما .
كما أن الظروف في المنطقة المحيطة بدولة إسرائيل قد تغيرت كلياً بسبب سياسة التسلح التي تجري اليوم ، ودخول إيران إلى حلبة الصراع العربي الإسرائيلي ، ودعمها المباشر لسوريا وحزب الله في لبنان ، وقد أثبتت حرب عام 2006 مع حزب الله هذا الرأي ، فلا أمان لأحد بعد اليوم في المنطقة إذا ما نشبت حرب جديدة ، وربما أدرك حكام إسرائيل اليوم هذه الحقيقة من خلال قبولهم بحضور المؤتمر الدولي في أنابوليس لإيجاد حل للقضية الفلسطينية ، وهي التي كانت حتى الأمس القريب تعارض قبول أي مؤتمر حول القضية ، فهل سيحقق هذا المؤتمر حلاً حقيقياً شاملاً ودائماً للصراع العربي الإسرائيلي أم سيعيده إلى الصفر من جديد ؟؟