الرئيسية » شخصيات كوردية » اعلام الكورد في تاريخ العراق الحديث

اعلام الكورد في تاريخ العراق الحديث

في تاريخ كل امة وكل شعب، رموز من الرجال والنساء الخالدين يستحقون التمجيد والافتخار والاحتفال بذكراهم واحاطة اثارهم وافعالهم بهالة من التقدير والاكبار، وتاريخ الشعب الكوردي من بين اكثر التواريخ عطاء وانجابا لشخصيات فذة ومتنوعة ظهرت على المسرح الحضاري فمنهم القادة ومنهم العلماء، ومنهم المشرعون، ومنهم الشعراء ومنهم الادباء ومنهم الفنانون.. الخ. وكلهم ادوا دورا عظيما في الابتكار والعطاء الفكري والزراعي والعسكري والاقتصادي الحضاري المشرق..
بل شاركوا في جميع الخطوط الحضارية المختلفة بالاجادة التامة والاقتدار الكفوء، ولعل محمد امين زكي عبدالرحمن العسكري والاداري والمؤرخ والفنان، هو نموذج من تلك الصفوة النقية الاصيلة الذي يفتخر باسمه كل عراقي، وذلك لمكانته العالية ومنزلته العلمية في صفحات قلوبهم، وحقا فقد كان هذا الرجل الكوردي الاصيل شخصية عراقية جذابة، يتفجر عقله وضميره بالعمل قبل القول والحكمة والاتزان والتروي في مواصلة افكاره ومشاريعه العسكرية والادبية والتاريخية، سعيا منه في خدمة الحقيقة والتاريخ والامة الانسانية المنفتحة.
ولد المرحوم محمد امين زكي في السليمانية سنة 1880م من عائلة كوردية محترمة واصيلة، متمسكة بالاداب والقيم الاجتماعية الطيبة التي ورثوها من الاباء والاجداد كالكرم والوفاء والفطرة الصافية ومحبة الاخرين، ووسط هذه العائلة الكوردية العريقة، وهذه المدينة الخلابة بطبيعتها ترعرع ونشأ محمد امين زكي، وقد ظهرت عليه علامات النبوغ ونمو المواهب المتعددة في شخصيته وهو بعد في مرحلة الطفولة، فتلقى علومه الاولية اول الامر في مسقط رأسه ثم تأهل بان يدخل المدرسة الحربية في استنبول فتخرج منها ضابطا ليتعين في الجيش العثماني سنة 1901، ودفعه طموحه الى مواصلة دراسته العسكرية فدخل مدرسة الاركان الحربية في استنبول فتخرج منها بكفاءة سنة 1908م.
وكان يتميز بالذكاء وحب العمل والاخلاص فيه، مما وضعه اهلا للثقة والاعتماد عليه في المهمات المكلف به، وعلى اثر ذلك مارس في الجيش العثماني اعمالا هندسية، كما عين في لجان تحديد الحدود في سنة 1913م، وارسل مع هيئة من الضباط الى فرنسا ليدرس بعض المسائل العسكرية لكي ينقلها الى بلاده للاستفادة منها، وقد احكم دراسته على احسن وجه، وبعد عودته عين في وظائف مختلفة، برع فيها بالحرص والدقة والاخلاص، وخاصة عند اشغاله منصب او وظيفة (اركان حرب) وثم شغل – بعد ذلك- وظيفة مدير الحركات، فاشترك في معارك سلمان باك، وشيخ سعد، ثم عين معاونا لرئيس اركان الجيش السابق (لدى الدولة العثمانية) بقيادة مصطفى كمال وتقديرا لكفاءته ومواقفه وجهوده نال عددا من الاوسمة والنياشين والانواط. ثم التحق بالجيش العراقي في 6/آب/1924م، برتبة مقدم في صنف المشاة ثم رقي الى اشغال امرية المدرسة العسكرية الملكية للمدة من 2/شباط/1925م الى 15/تموز في السنة نفسها، كما رفع الى رتبة عقيد في ذات السنة المذكورة (1925 ايضا)، ولخدماته العسكرية الناصعة وحنكته السياسية وسعة افاقه العلمية والتاريخية والادبية استدعته الحكومة ليشغل عدة مناصب وزارية، فقد شغل منصب وزير الاشغال والمواصلات في وزارة جعفر العسكري الثانية في 21/تشرين الثاني/ عام 1926م.
ثم اشغل وزارة المعارف عام 1924م، وفي التشكيلة الوزارية الرابعة لعبدالمحسن السعدون استوزره للاشغال والمواصلات وفي وزارة نوري السعيد الاولى عام 1930م عين وزيرا للاقتصاد والمواصلات، وفي وزارة نوري السعيد الثانية في عام 1931 عين وزيرا للدفاع للمرة الثانية وكالة، وبلغ مجموع مناصبه الوزارية عشر وزارات فضلا عن انتخابه نائبا عن السليمانية عام 1925، كما نال ايضا عضوية مجلس الاعيان ببغداد.
كان محمد امين زكي متعدد المواهب فضلا عن انه كان عسكريا من الطراز المتحلي بالانضباط والاخلاص في الواجب فقد كان سياسيا متنورا واديبا بارزا ومؤرخا متمكنا من فهم اسرار التاريخ وفلسفته، وكان يختلس الاوقات في الدراسات والمطالعات المختلفة، وكان المرحوم محمد امين زكي فضلا عن ذلك يجيد اللغة الكوردية والعربية والتركية وملما بالالمانية والفرنسية والانجليزية والفارسية، وهذه الموهبة قلما تجتمع الا في اعداد من الشخصيات المتميزة في التفوق العقلي المؤهل للاكتساب العلمي والمعرفي والثقافي بتفهم واقتداد وكان محمد امين زكي واحدا من اولئك الذين تشهد لهم المسارح العسكرية والثقافية والحضارية بالعطاء المتميز وخاصة في مجال التأليف ووضع الكتب ذات الاهمية العلمية الكبيرة. فاذا كان المرحوم محمود سامي البارودي الشركسي المصري الذي جمع بين القلم والعسكرية، فقد فاقه محمد امين زكي الكوردي العراقي في الجمع بين العسكرية والتاريخ والادب والفن، واتقان اللغات المتعددة، ومن مؤلفاته التي كان يفضل ان يضعها باللغة الكوردية الصحيحة، وكذلك متنوعات اخرى منها بالعربية والتركية وهي:
-1خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان (سنة 1931م) ترجمه الى العربية محمد علي عوني عام 1936م، وطبع عدة مرات بالقاهرة وبغداد.
-2الدول والامارات الكوردية، طبع ببغداد عام 1933م..
-3مشاهير الكورد في مجلدين، طبع ببغداد، والقاهرة عام 1947م.
-4تاريخ السليمانية، طبع سنة 1937 وترجمه الى العربية الملا محمد جميل الروزبياني سنة 1956م ببغداد. وله مؤلفات واثار وخواطر ادبية وتاريخية بعضها بالعربية وبعضها بالتركية، كما عرف منه بانه كان يجيد فن الرسم، الذي كان يعبر عن طبيعة كوردستان المليئة بالجبال والشلالات والغابات وللاسف لانعرف شيئا عن لوحاته الجميلة التي كانت تعكس موهبته العالية في فن الرسم كما ينقل لنا ذلك معاصروه..
بقي علينا ان نذكر بان الاستاذ المرحوم محمد امين زكي كان جم التواضع مسالما، نزيها صادقا مع نفسه، صريحا في الرأي، متزنا يتصرف بحكمة ورؤية، دائم التفكير، يحب شعبه، وكان اثناء انتخابه نائبا عن السليمانية يدافع عن حقوق المواطنين ويطالب الدولة بتقديم الخدمات اللازمة لهم، كما كان يأمل ان يعم البلاد العراقية بكل قومياتها المتآخية نور العلم والثقافة واللحاق بالامم المتقدمة في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، وبعد مسيرة حافلة بالعطاء الزاخر والانتاج المميز، شاءت الاقدار ان ينتقل الى جوار ربه في عام 1948م في السليمانية عن عمر يناهز (68) سنة وقد تم تشييعه هناك باحتفال مهيب وكان يوم دفنه يوما مشهودا، في تاريخ المدينة، فقد كان محبوبا لدى ابنائها جميعا.
هذا ومن المؤسف ان اسرته اضطرت لبيع سيارته الخاصة لتسديد نفقات مجلس العزاء له دون ان تطلب من احد مساعدتها، كما انه كان شغوفا بجميع الكتب وشراء المصادر النادرة، ولا ندري ما هو مصير اثاره الخطية التي تركها وكذلك مكتبته الخاصة، فهي مرهونة بذمة ورثته ونتمنى ان يحظانا التوفيق بمعرفة مصير تلك الكنوز العلمية النادرة والاثار الثقافية النفيسة وعسى ان تحقق امالنا في الايام المقبلة ان شاء الله.

التآخي