الرئيسية » مقالات » من رسالة دافئة الى شهيد بطل

من رسالة دافئة الى شهيد بطل

أية إنتظارات تحكم حواس الأحبة بعيدا عمن يحبون ، إنتظارات واحلام لم تبتعد كثيرا عن يقين باللقاء .. وعندما تكبر الصورة نلمس ــ نحن الذين نراها عن بعد ــ ثقة الشيوعي بالحياة وإخضرار عينيه بالأمل .. وإنهماك الروح بمستقبل من ضياء .

إنتظارات بمعنويات عالية ، يشوبها قلق ما ولكنها مليئة بالوفاء والإصرار على الأختيار الصعب ـ إختيار قضية مقدامة كالتي نذر الشيوعيون اروواحهم من اجلها .

زوجة الشهيد ابو ظفر .. حبيبته .. تكتب بروح عاشقة ومؤمنة بحقيقة الكفاح ـ تكتب وكأنها لابد أن تلتقي حبيبها ، وكما وعدها .. الصيف القادم .

تحول ام ظفر اشواقها الى حكاية دافئة ، ومزاحها الى مناشدة ، فهي تود اللقاء وتسأل عن الصور ، وتعد حديقة البيت حيث ستلتقي ابو ظفر .. الصيف القادم . ( الرسالة مكتوبة قبل أن يصلها خبر استشهاد زوجها الرفيق ابو ظفر ). ولم تدر ان دم ابي ظفر اختلط بمياه عراقية عذبة وهي تتجه نحو الجنوب ، وتتشربها تربة طيبة .

” حياتي : صحتي جيدة ومعنوياتي عالية حتى السماء . اعيش حياة هادئة ولطيفة . تحيطني صوركم التي تبعث البهجة الى قلبي . وزعت وقتي بين القراءة والترجمة .. نادرا ما اخرج .لم تكن احاديثنا معا لتنتهي .. لأن حياتنا غنية ، ويكبر املي بلقائك . وصلتني رسالة من ( … ) الناصرية طمأنني فيها على سلامة وصولك ، وانا بإنتظار رسالة منك من ارض الوطن . اتمنى أن تفي بوعدك وتكتب لي بإستمرار .”

الرسالة لم تصل ، لم ينتظر ابو ظفر ، لكنه وجّه رسالته ، اجمل الرسائل ،وإن كانت على عجل وبشكل مفاجيء … إنه دمه البليغ ، المشحون بالحب والأنتماء ونشدان الحرية .. دمه الذي إنتشر الى كل جهات العراق .

تسترسل ام ظفر في سرد حكاياتها الصغيرة الهامة ، بتداعٍ لذيذ وهي تبوح للحبيب البعيد بتفصيلات حياتها بعيدا عنه ، ولكن دون أن تتخلى عما هو اكيد ، ذلك ان ( ابو ظفر حي ) ولابد من اللقاء .

تتداعى ام ظفر بتلقائية من تحب وتثق : ” جلب لي احد أصدقائنا تراب حلو عندما سمع بأنني اريد أن اعمل حديقة صغيرة . وفي إجازتك القادمة سيكون لدينا ( بستان ) ونعيد ايام الشاي ” السنكين ” ”

سيطول إنتظارك هذه المرة , ايتها الرفيقة ، لكن لقاءات قادمة , عامرة بالوطن والرفاق ، تلك اللقاءات الحميمة ، وعلى ارض عراقية معطاء ، بلا فاشية ولا حروب ، تلك الأرض التي نذر ابو ظفر حياته من اجل خضرتها وبهائها .


رسالة العراق العدد 44 تشرين الثاني 1984