الرئيسية » مقالات » حزب العمال الكردستاني : عنوان القضية الكردية في تركيا ومفتاح حلها

حزب العمال الكردستاني : عنوان القضية الكردية في تركيا ومفتاح حلها

في الوقت الذي تتكالب فيه تركيا ومعها إيران وسورية على التجربة الديموقراطية في كردستان العراق وتحشد أنقرة الحشود على الحدود للانقضاض على مكتسبات الشعب الكردي في العراق والإجهاز على الحالة الواعدة التي شيدها الأكراد في ذلك الجزء من كردستان في هذه الظروف الحرجة يخرج علينا بعض الكتاب والسياسيين الأكراد الهامشيين لحسن الحظ ممن تعودوا على النفخ في نار الانقسامات والصراعات الكردية – الكردية السابقة واللعب على وتر الحزازات والمناكفات الحزبية الكردية القديمة بغية إحياءها وبما يتيح لهؤلاء السادة لعب دورهم المعتاد في الاصطياد في الماء العكر والارتزاق عبر تأليب الأكراد بعضهم على بعض
وفي الآونة الأخيرة وعلى وقع الأزمة التركية – الكردية الحادة أخذوا يطلون برؤوسهم وأقلامهم مجددا وقد تملكتهم الشيزوفرينيا لدرجة كبيرة باتوا معها ملكيين أكثر من الملك ضاربين عرض الحائط كل المواقف المبدئية الراسخة لرأس السلطة في إقليم كردستان العراق ممثلا في الرئيس مسعود البارزاني الرافضة للتهديدات والتحرشات التركية والمتعهدة بصدها والدفاع عن النفس في حال تنفيذها والمشددة على رفض مقاتلة حزب العمال الكردستاني بالوكالة عن تركيا وهم أخذوا يمارسون دور المرشد والمقوم للقيادة السياسية الكردية في العراق عبر تحذيرها من مغبة الغضب التركي “الساطع” وحثها على محاربة حزب العمال الكردستاني جنبا إلى جنب الجيش التركي والرضوخ لابتزازات واملاءات أنقرة صونا للتجربة الكردية في كردستان العراق وحماية لأمنها القومي في حين أن من أبجديات الأمن القومي لكردستان العراق ولعموم كردستان أن قوة وفاعلية الحركة التحررية الكردية في أي جزء من كردستان تشكل رافدا وعمقا استراتيجيا للحركة إياها في الأجزاء الأخرى والمفارقة الغنية بالدلالات لجهة تبين خلفيات ودوافع هؤلاء السادة الكتاب والسياسيين الأكراد المعروفين بتقلباتهم الانتهازية هي أن مواقفهم تلك لا تختلف البتة عن مواقف غلاة الكماليين والعروبيين ممن باتوا يقرعون طبول الحرب على كردستان مبشرين بقرب القضاء على الأكراد وكسر شوكتهم ووأد وجودهم وفي هذا السياق يأتي مقال السيد نزار آغري في “الحياة” – 30 / 10 / 2007 تحت عنوان “حزب العمال الكردستاني : ثوار بلا قضية” والذي تضمن جملة اتهامات خطيرة هادفة إلى أبلسة الشعب الكردي وحركته التحررية الوطنية تارة عبر نعتها بالإرهاب ممثلة في حزب العمال الكردستاني وتارة أخرى عبر اتهامها بالتواطؤ مع الإرهاب ممثلة في القيادة السياسية الكردية في كردستان العراق ففي مستهل مقاله التحريضي المتحامل على القضية الكردية يشبه الكاتب بين جبال قنديل في كردستان وبين جبال تورا بورا في أفغانستان وليست خافية بطبيعة الحال أهداف السيد آغري من وراء هذه التورية المكشوفة وهذا التشبيه المغرض البليد ( وليس البليغ ) بين الحالتين عبر تصوير تركيا كضحية للإرهاب الكردي المتمثل حسب آغري في الحركات التحررية الكردية التي يشبهها والحال هذه بطالبان والقاعدة والواقع أن أعتى العقليات الفاشية المتنكرة للقضية الكردية في تركيا وغيرها من الدول المقتسمة لكردستان بالكاد تتفتق ذهنياتها عن هكذا تشبيهات وافتراءات وتلفيقات ملؤها الحقد والبغض والتشفي حيال الشعب الكردي وهذه المحاولة من قبل الكاتب لإدراج الحركة التحررية الكردية في خانة الحركات الإرهابية الأصولية هي محاولة مثيرة للضحك والاشمئزاز معا إذ أن إحدى ميزات حركة التحرر الوطنية العصرية في مختلف أجزاء كردستان هي أنها في العموم حركة قومية ديموقراطية ليبرالية بعيدة كل البعد عن الآيديولوجيات والتوجهات الظلامية الكهنوتية المتخلفة التي يحاول آغري لصقها عنوة بهذه الحركة الممثلة لقضية عادلة وان كان حزب العمال الكردستاني قد أفرط سابقا في تبني الماركسية إلا أن هذه الأخيرة في المحصلة نظرية علمية ولدت من رحم الحداثة فالماركسية في مصادرها التأسيسية الفكرية والفلسفية الأولى قبل اقترانها باللينينية والستالينية والكاستروية والبولبوتية … لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنتها حداثيا وابستمولوجيا بالآيديولوجيات الميتافيزيقية الدينية الاسلاموية وغير الاسلاموية وعموما فان حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا والذي يغدق الكاتب المديح والثناء عليه هو الأجدر بتشبيهه بطالبان والقاعدة وأخواتها فالخلفية الاسلاموية لهذا الحزب ليست خافية على أحد وان كان الحزب حريصا على إخفائها وعدم إظهارها وتمويهها عبر الإمعان في التناغم مع المؤسسة العسكرية بل والمزايدة عليها لجهة اعتماد المقاربات العسكرية في تناول الملف الكردي في تركيا وحتى خارج تركيا عبر الزج بكردستان العراق في معمعة الاحتقانات والتجاذبات الداخلية التركية على خلفية الانقسام الأصولي – الكمالي من جهة وتزايد وتيرة الحراك المطلبي الكردي من جهة أخرى .
ويتباكى السيد آغري على عشرات القتلى في صفوف الجنود والمدنيين الأتراك في المواجهات الأخيرة مع الأكراد . وكأن القتلى والضحايا في الجانب الكردي مدنيين ومقاتلين هم مجرد أرقام لا تستحق الذكر ناهيك عن التعاطف معهم والتأسف عليهم والراهن أننا لم نسمع أن ثمة مدنييا أتراكا قد سقطوا في المواجهات الأخيرة على يد الثوار الأكراد الذين لا يستهدفون المدنيين بل أنهم يدافعون عن أنفسهم عبر صد الحملات العسكرية التركية عليهم فالصدامات الأخيرة بين الجانبين هي ناتجة أصلا عن حملات التمشيط التركية المحمومة في كردستان تركيا ومن الطبيعي أن يدافع حزب العمال عن نفسه وعن شعبه في وجه آلة الحرب والقتل والتدمير التركية وان كان حزب العمال قد ارتكب في الماضي ممارسات خاطئة غير مقصودة هنا وهناك لجهة عدم التمييز الدقيق بين المدنيين والعسكريين في بعض عملياته العسكرية إلا أنه ومنذ بضعة أعوام قد تخلى عن هذه الممارسات التي لطالما استخدمت لتشويه صورته وصورة مجمل الحركة التحررية الكردية أضف إلى ذلك أن الحزب وبعد خروج زعيمه من سورية وأسره من قبل تركيا أخذ يصحح شيئا فشيئا الكثير من سياساته وأساليبه الخاطئة التي كانت ناجمة إلى حد كبير عن وجود قيادته في دمشق مع ما استتبعه ذلك من دوران في الفلك السوري وسورية بوصفها إحدى الدول المقتسمة لكردستان فانها بطبيعة الحال كانت تستخدم الحزب لتحقيق مآربها ومصالحها التي هي تعريفا بالضد من المصالح القومية الكردية العليا لاسيما في كردستان سورية وحسبنا الإشارة هنا إلى تحريض دمشق للحزب على أكراد العراق ودفعه للتصادم العسكري معهم في حقبة التسعينات من القرن المنصرم بغية عرقلة التجربة الديموقراطية في كردستان العراق وإفشالها عبر إغراقها في أتون الحروب الداخلية الكردية – الكردية .
ويضيف آغري بان الحرب التي شنها حزب العمال في تركيا كلفت الأكراد في جنوب شرق تركيا أكثر من ثلاثين ألف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى وتدمير ما يقارب 40 ألف قرية وتشريد مليوني شخص . أي أن السيد آغري الذي يحرص على طمس كردستان تركيا وتغييبها عبر تسميتها بجنوب شرق تركيا يحمل حزب العمال والأكراد وزر ارتكابات أنقرة وجيشها في ممارسة إرهاب الدولة المنظم والتتريك والأرض المحروقة بحق كردستان وشعبها وهو بذلك يعطي تركيا صك براءة من كل المآسي والويلات التي خلفتها وتخلفها الحرب التركية الهوجاء الهادفة إلى طمس القضية الكردية ووأد أية تعبيرات ومطالبات بالحقوق الكردية المشروعة فالثابت أن الحركة التحررية الكردية في مختلف أجزاء كردستان لم تلجأ إلى خيار الكفاح المسلح إلا دفاعا عن النفس وسعيا وراء إحقاق الحق الكردي المنتهك والقاصي والداني يعلم أن الشعب الكردي كان دوما ضحية سياسات الإبادة والإنكار والصهر القومي في كل الدول الغاصبة لكردستان
يقول الكاتب بان كوادر حزب العمال قد تفرغوا بعد اعتقال أوجلان للجلوس في كهوف جبال قنديل في انتظار رسائل زعيمهم من السجن . فالكاتب يسوق مرة أخرى الادعاءات التركية المتهافتة متناسيا أن تواجد ثوار حزب العمال لا يقتصر على جبال قنديل إذ أنهم منتشرون أساسا في جبال كردستان تركيا التي هي حاضنتهم الرئيسية وهم متواجدون تنظيميا وسياسيا في كل قرية وكل مدينة في كردستان تركيا وعليه فمن السخف القول بانهم معتكفون في كهوف الجبال إنهم ثوار فاعلون على أرض الواقع وصناع للحدث النضالي الكردي اليومي بوصفهم أصحاب قضية عادلة يذودون عن أرضهم وحريتهم فهم أبناء وبنات الشعب الكردي من سرهد في أقصى شمال كردستان مرورا بديار بكر والقامشلي وأربيل وصولا إلى مهاباد وعليه فلن تجدي محاولات الكاتب لتشويه صورة ثوار حزب العمال وتسفيه نضالهم وقضيتهم الكردية خدمة لأجندات وجهات معروفة فهذه القضية المحقة وهؤلاء الثوار الحاملون لها والمنافحون عنها هم محط تقدير وتبجيل كل أحرار العالم ولاسيما في الدول المقتسمة لبلادهم كردستان ففي موازاة نموذج السيد نزار آغري الهادف إلى ترذيل القضية الكردية فان ثمة نماذج حضارية وإنسانية راقية ونبيلة لكتاب ومثقفين كبار ما فتئوا ينتصرون للقضية الكردية ويعايشون عبر وعيهم الكوني الديموقراطي وحسهم الحقوقي العالي المأساة والألم الكرديين وسنكتفي بالإشارة هنا إلى الكاتب والمفكر وعالم الاجتماع التركي الكبير إسماعيل بيشكجي الذي قضى سنين طوال من عمره في غياهب السجون في بلاده تركيا عقابا له على مواقفه المتضامنة مع الشعب الكردي والمناهضة للمقاربة الكمالية الفاشية للقضية الكردية فشتان ما بين إسماعيل بيشكجي التركي وبين نزار آغري “الكردي” فثوار حزب العمال إن لم يكن يعلم السيد الكاتب يحمل الكثير منهم شهادات علمية مرموقة وهم ليسوا هواة جلوس في الكهوف كما يدعي بل هم يدافعون بكل شرف وسؤدد عن ذاتهم وكينونتهم انطلاقا من جبالهم الشامخة التي لطالما احتضنت وآوت البيشمركة الأكراد ومثلت لهم ولشعبهم الحضن الدافئ والملاذ الآمن في انتفاضاتهم وثوراتهم المديدة .
لا شك أن حزب العمال بعيد أسر زعيمه السيد أوجلان قد دخل بطبيعة الحال في حال من الارتباك والتلكؤ والضبابية وتضارب الخيارات عمقها الالتزام الحرفي بتوجيهات السيد أوجلان التي لا شك أن لكاتب هذه السطور الكثير من التحفظات والملاحظات النقدية الجذرية عليها لكن الحزب في المحصلة تمكن من استعادة زمام المبادرة وإعادة تنظيم نفسه واحتواء الصدمات الكبيرة التي تعرض لها معتمدا في ذلك على عدالة القضية التي يمثلها وعلى إفلاته من قبضة دمشق التي لطالما أوقعت الحزب وورطته في مطبات وسياسات كارثية ضارة بالمصلحة الكردية العليا والراهن أن الحزب قد تجاوز إلى حد كبير تلك المرحلة التي كان يختزل فيها برمته في شخص زعيمه الذي مهما اختلفنا حوله فانه يبقى رمزا قوميا لدى ملايين الأكراد في كردستان تركيا وفي جميع أجزاء كردستان والرجل في النهاية سجين تحكمه ظروف بالغة القسوة والحدة وهو يخضع بالضرورة لعدة مؤثرات من قبل أنقرة بغية التأثير تاليا في سياسات وتوجهات الحركة الكردية وخياراتها استنادا إلى القيمة الرمزية والمعنوية الكبيرة التي يتمتع بها الرجل الذي وان اختلفنا مع تصريحاته ومواقفه الغريبة في مديح الكمالية والثناء عليها ومعاداة التجربة الديموقراطية في كردستان العراق وغيرها الكثير من الآراء المتناقضة المشوشة لكن ينبغي أن لا ننسى أن السيد أوجلان ليس نزيلا في أحد السجون الاسكندينافية حتى يؤخذ بكل كلامه إذ أن سجوننا الشرقية العالمثالثية ليست بحاجة إلى إطناب في الحديث عن أجواءها الجهنمية ودواخلها الجحيمية وعن الأساليب والطرق اللانسانية الوحشية المتبعة فيها ومع هذا فإننا لسنا أبدا في صدد تبرير وتسويغ مواقف السيد أوجلان التي ولحسن الحظ ما عاد حزب العمال يأخذ بجلها .
ويهلل الكاتب لوصول حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكم في تركيا رغما عن الكماليين والعسكر ويضيف اتبع الثنائي غول – أردوغان مقاربة جديدة للشأن الكردي عبر السماح باستخدام اللغة الكردية في الإذاعات والصحف والشروع في تطوير المناطق الكردية النائية مشيرا إلى أن أول زيارة داخلية لغول بعد انتخابه رئيسا للجمهورية كانت إلى المناطق الكردية .
والواقع أن البديل الأصولي المتمثل في حزب “العدالة والتنمية” لا يستحق ببساطة كل هذا التهليل والترحيب لانه ليس بأي حال من الأحوال بديلا صحيا ديمقراطيا وحضاريا عن العسكريتاريا الكمالية العلمانوية بل هو في الجوهر أحد إفرازاتها المشوهة فهذا الحزب الذي يعتمد المواربة في كشف خياراته وطرح مشاريعه الاسلاموية المستترة يعتمد مقاربة جديدة بالفعل للشأن الكردي لكنها مقاربة لا تتوخى حل القضية الكردية وفق معايير الحق والعدل والمساواة والسلام بل هي مقاربة قائمة على دغدغة المشاعر الدينية للمواطنين الأكراد والتلاعب بعواطفهم الإسلامية والعمل تاليا على إفراغ القضية الكردية من محتواها القومي والترويج لحلها على قاعدة : “الإسلام هو الحل” تلك القاعدة – الشعار المركزي لكل الحركات الإسلامية وفي مقدمها حركة “الإخوان المسلمين” التي يعتبر حزب “العدالة والتنمية” فرعها التركي فهل يريد السيد آغري من الثلاثين مليون كردي في تركيا وبعد ثمانية عقود من المعاناة والقهر والاضطهاد جراء السياسات الكمالية الممنهجة في التتريك والإبادة الجماعية والتطهير العرقي هل يريد منهم التهليل لاستمرار معاناتهم ومأساتهم القومية والإنسانية لثمانية عقود قادمة لكن هذه المرة على يد حزب “العدالة والتنمية” بحجة أنه ليس كماليا وأنه قد تكرم وسمح للأكراد باستخدام لغتهم القومية في الإذاعات والصحف فالكاتب يأبى إلا أن يقزم القضية الكردية ويطمس جوهرها وكنهها الحقوقي القومي الديموقراطي الثابت كقضية شعب يعيش على أرضه وله الحق في تقرير مصيره عبر تصويره إياها وكأنها قضية محصورة في السماح للأكراد بالتحدث بلغتهم في حين أن شعبا صغيرا كشعب تيمور الشرقية الذي لا يتعدى تعداده المليون نسمة قد نال استقلاله قبل بضعة أعوام عن أكبر دولة في العالم الإسلامي وهي اندونيسيا وكذلك شعب مونينيغرو ( الجبل الأسود ) الذي يبلغ تعداده الستمائة وخمسين ألف نسمة قد حصل هو الآخر على استقلاله عن صربيا قبل عام ونيف تقريبا وفي هذه الأثناء يتهيأ شعب كوسوفو الألباني الذي لا يزيد تعداده على المليوني نسمة للحصول على استقلاله عن صربيا ففي ظل كل هذه التطورات الكونية الايجابية لجهة حل المسألة القومية عبر الإقرار بحق الشعوب والقوميات المختلفة في تقرير مصيرها بما في ذلك حقها في الاستقلال وإقامة دولها القومية الخاصة بها بعيدا عن سياسات ونظريات الدمج والقسر والإكراه والتعصب والصهر القومي في ظل كل هذه التحولات والتبدلات المفاهيمية ( الركون إلى حق تقرير المصير ) والعملية ( تغير الخرائط بفعل قيام دول جديدة نتيجة ممارسة الحق في تقرير المصير) في ظل ذلك يخرج علينا آغري ليطالبنا كأكراد يبلغ تعدادنا الخمسين مليون نسمة بالتطبيل والتزمير والرقص فرحا وابتهاجا كوننا قد حصلنا على مكرمة من السلطان أردوغان تتيح لنا التحدث بلغتنا الكردية .
أما حديث الكاتب عن شروع حكومة “العدالة والتنمية” في تطوير المناطق الكردية فانها نكتة لا تثير الضحك حتى فالواضح أن الكاتب لازال متأثرا بأجواء الانتخابات الأخيرة التي كان السيد رجب طيب أردوغان سخيا خلالها في إطلاق الوعود الكلامية الإصلاحية والتنموية في كردستان تركيا بغية كسب أصوات المحافظات الكردية فما حدث بعد الانتخابات كان بعيدا كل البعد عن الرغبة في المصالحة والإصلاح والتسامح ونبذ العنف بما يمهد لحل سلمي وعادل للقضية الكردية بل على العكس من ذلك تماما فقد شرع أردوغان والعسكر رغم الانقسام الحاد والمزمن بينهما وبغية التغطية على هذا الانقسام واحتواءه ( إذ أن التنكر للقضية الكردية ومعاداة الشعب الكردي وهضم حقوقه هي مسلمات وثوابت فوق مستوى خط الانقسام السياسي في تركيا ) شرعا في تسيير الحملات العسكرية الضخمة على المناطق الكردية واستصدار قرار من البرلمان يجيز للجيش التركي غزو العراق حيث أخذ الجيش يحشد الحشود على الحدود العراقية مهددا باجتياح كردستان العراق بحجة ملاحقة حزب العمال هذا في العلن أما الحقيقة فهي أن أنقرة تسعى إلى النيل من تجربة كردستان العراق الواعدة وعرقلتها عبر زعزعة استقرارها وأمنها المستتبين بغية التشويش والتأثير سلبا على الاستفتاء القادم في كركوك وغيرها من المناطق الكردستانية المعربة فتركيا تضمر الشر للتجربة الكردية في العراق وتتحين الفرص لإجهاضها وتخريبها وهي ما آنفكت تختلق الذرائع والحجج الواهية والمتهافتة لاجتياح كردستان العراق والتدخل في شؤونها وشؤون العراق عامة وما حزب العمال الكردستاني سوى الذريعة الأسهل في هذا السياق .
أما زيارة الرئيس التركي عبدالله غول إلى المناطق الكردية فهي تذكرنا بزيارات الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين إلى كردستان العراق والذي كان يتفوق فيها على غول في ارتداءه الزي الكردي خلال زياراته تلك إمعانا منه في الاستعراضية القاتلة والعبثية الدموية بيد أننا كنا نتمنى أن لا يتجاهل الكاتب عمدا الرقم الهزيل من الناس الذين حضروا للاستماع إلى السيد عبدالله غول والذي لم يتعدى الخمسمائة شخص فقط لا غير .
وأما ادعاء الكاتب بان حزب “العدالة والتنمية” قد حصد غالبية الأصوات الكردية في الانتخابات الأخيرة فهذا ادعاء فارغ يجانب الصواب والموضوعية إذ أن تركيا رغم تطبيل الإعلام العربي وتزميره مؤخرا لديموقراطيتها النموذجية إلا أنها في واقع الأمر ديموقراطية عرجاء قاصرة لاسيما عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية وليس سرا أن المواطنين الأكراد يتعرضون لشتى صنوف القمع والترهيب والتضييق فضلا عن الترغيب المخادع الذي يجيده حزب “العدالة والتنمية” خلال المواسم الانتخابية التركية بغية التأثير والتلاعب في خياراتهم وتشتيت أصواتهم الانتخابية وحتى تزويرها فنحن نتحدث عن انتخابات تنظمها دولة تحكمها وتسيرها آيديولوجية قومية عنصرية متطرفة ويردف الكاتب بان حزب العمال أخذ يفقد رصيده في صفوف الأكراد لصالح تشكيلات جديدة تمثل اتجاهات مغايرة في الوسط الكردي . والكاتب يناقض هنا نفسه بنفسه فهو يدعي تارة استيلاء حزب “العدالة والتنمية” على ناصية الشارع الكردي وصوته الانتخابي وبعد إقراره لاشعوريا بالرصيد الشعبي الكردي الكبير لحزب العمال عندما أشار إلى تقلص ذاك الرصيد ثم يعود ويشير إلى ظهور تشكيلات كردية جديدة تسيطر على الساحة الكردية في تركيا التي كان توا قد بشرنا بانها قد آنعقدت بقضها وقضيضها للسلطان النيوعثماني رجب طيب أردوغان والحال أن هذه التشكيلات التي يشير لها الكاتب والتي تعبر كلها عن حيوية ودينامية المجتمع الكردي في تركيا وفي مقدمها حزب “المجتمع الديموقراطي” الكردي الذي أوصل إلى البرلمان التركي 22 نائبا كرديا رغم كل العراقيل والعقبات التي واجهها ويواجهها في نضاله السلمي الديموقراطي لحل القضية الكردية فضلا عن العديد من المنظمات والمؤسسات والهيئات الحقوقية والمدنية والثقافية والإعلامية النشطة والتي تشكل جميعها بغض النظر عن كونها واجهات لحزب العمال أم لا جزءا من الحراك الوطني الديموقراطي الكردي الذي يقوده حزب العمال الكردستاني شاء الكاتب أم أبى والمفارقة أن أصدقاء السيد آغري في الحكومة والإعلام التركيين يقرون بهذه الحقيقة فهم والحال هذه أكثر إدراكا للواقع والماما بتفاصيل المشهد الكردي من صديقهم ومناصرهم السيد نزار آغري إذ أنهم ما فتئوا يشيرون إلى حقيقة كون هذه الأحزاب والمنظمات الكردية مجرد فروع وواجهات لحزب العمال .
ويمضي الكاتب الذي يريد أن ينصب نفسه ديكارت عصره في إطلاق الشتائم بحق حزب العمال إذ يدعي أن الحزب يعتمد قاعدة : أنا أقتل إذا أنا موجود . فالحق أن الكاتب يردد ببغائيا أكاذيب واتهامات الآلة الإعلامية التركية المتهافتة ويحاول تسويقها بطريقة فجة ومبتذلة ما عاد الإعلام التركي نفسه يعتمدها وذلك عبر تصويره الحركة التحررية الكردية على أنها مجموعة قتلة مهووسين وقطاع طرق فارين من العدالة ويلوذون بالجبال فيا لها من طريقة بالية مستهلكة وفاشلة لتشويه القضية الكردية وأبلسة الحركة الكردية وشيطنتها والتي ما قاتلت وما رفعت السلاح إلا دفاعا عن شعبها وأرضها فثوار حزب العمال الكردستاني هم نتاج شعبهم الكردي المغبون والمنتهك الحقوق وهم موجودون كمدافعين عن حقوق شعبهم وكممثلين عن قضيتهم القومية العادلة التي يريدون حلها بطريقة سلمية حضارية وديموقراطية إنهم موجودون في عقل وقلب ووجدان ملايين الأكراد ممن حرقت قراهم ورملت نسائهم وثكلت أمهاتهم وانتهكت أعراضهم وآستهدفوا في كرديتهم وهجروا للعيش على هامش المدن التركية الكبرى في مدن الصفيح لا لشئ إلا لكونهم أكراد لا بد من استعبادهم وقهرهم وإذلالهم وفق الآيديولوجيا الكمالية العنصرية السائدة في تركيا والتي وهنا المصيبة أعظم لقحت وطعمت الآن على يد أردوغان وحزبه بجرعة اسلاموية فبعد أن كان يتم قتل الأكراد واضطهادهم في تركيا على أساس تخوينهم ونعتهم بالانفصالية والإرهاب سيصار الآن علاوة على ذلك إلى تكفيرهم ونعتهم بالردة والصليبية والتمرد والخروج على ولي الأمر التركي .
ويعود السيد آغري إلى مواقف الزعيم الكردي عبدالله أوجلان ليحملها ما لا تحتمل وليصورها كبوصلة يهتدي بها حزب العمال في كل شاردة وواردة وكل صغيرة وكبيرة وليخلص على ضوء ذلك إلى أن حزب العمال وبكل بساطة لم تعد له أية أهداف قومية كردية أو وطنية تركية . فالكاتب يجهد والحال هذه كي يثبت بان هذا الحزب الذي يتمتع بقاعدة شعبية واسعة في كردستان تركيا وحتى في الأجزاء الأخرى من كردستان هو مجرد آلة قتل فالتة من عقالها وهنا فان على السيد آغري إدراك أن ثمة فرقا جوهريا وبونا شاسعا بين النقد العلمي الموضوعي النزيه وبين التزوير والتلفيق وفبركة التهم وكيل الشتائم لدوافع ذاتية بحتة لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالواقع الموضوعي مثار البحث فآغري إذ ينعت ثوار حزب العمال الكردستاني بانهم قتلة وإرهابيون فهو يهين بذلك ويخدش مشاعر وكرامة عشرات الملايين من الأكراد في طول كردستان وعرضها .
أن أهداف حزب العمال هي أهداف الشعب الكردي في تركيا في العيش بحرية وكرامة ومساواة مع الشعب التركي في إطار دولة ديموقراطية تعددية جامعة على أساس التعايش والتسامح والتكامل والاتحاد الطوعي الاختياري وهذه الأهداف هي بالطبع أهداف سامية نبيلة بالمعيارين القومي الكردي والوطني التركي على حد سواء وهي تتسق مع المناخات والمبادئ الكونية المشددة على الديموقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها هذا بالنسبة لأهداف حزب العمال وهي واضحة جلية كما ذكرنا أعلاه لكن ما نحن بحاجة إلى معرفته وتبينه هي أهداف ودوافع السيد نزار آغري في حملته الجديدة – القديمة على الحركة التحررية الكردية سواء في تركيا ممثلة في حزب العمال أو في العراق ممثلة في رئاستي الإقليم والحكومة في كردستان العراق فهو بعد أن كف بشكل مفاجئ عن كتابة مقالات القدح والذم النارية التي كان همها ومحورها ومبتغاها تشويه التجربة الديموقراطية في الإقليم الكردي العراقي وتسفيهها وقذف القيادة الكردية هناك وتحديدا قيادة الحزب الديموقراطي الكردستاني بوابل من النعوت البذيئة والاتهامات والتلفيقات الباطلة ها هو طبع السيد آغري قد غلب تطبعه فها هو يتهم حكومة إقليم كردستان بانها قد وقعت في الفخ الذي نصبه لها حزب العمال الكردستاني “فهي ترغب في الإفادة من قوة شكيمة هذا الحزب والرهان على العنف الذي يختزنه وذلك كوسيلة لجر الحكومة التركية إلى حوار في شأن قضايا شائكة من قبيل مسألة كركوك غير أن لعبة كهذه مع طرف قوي كتركيا تنطوي على مخاطر وسبق للحكومة السورية أن جربت هذه اللعبة لتحصل على تنازلات من تركيا ولكنها سرعان ما تخلت عنها حين انتهى اللعب وحانت ساعة الجد” . والحال أن هذه المقارنة العبثية المضحكة بين حالتين مختلفتين تماما ما هي سوى محاولة بائسة من الكاتب لإضفاء الصدقية على الادعاءات والاتهامات التركية لأكراد العراق بدعم وتحريض حزب العمال وحقيقة الأمر أن من يسعى إلى نصب الفخاخ لإقليم كردستان العراق وإجهاض تجربته الديموقراطية هي تركيا وذلك عبر تصدير أزماتها الداخلية وعلى رأسها القضية الكردية الملتهبة إلى الخارج وتحديدا إلى كردستان العراق بغية التحرش بها واجتياحها بحجة ملاحقة حزب العمال الذي يخوض كفاحا مسلحا ضد أنقرة منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عاما بالتمام والكمال وتحديدا منذ 15 / 8 / 1984 أي قبل قيام التجربة الكردية في العراق بقرابة العقد ونيف من الزمان أضف إلى ذلك أن الحزب متواجد في جبال قنديل وغيرها من المناطق الجبلية الوعرة في المثلث الحدودي التركي – الإيراني – العراقي منذ أوائل ثمانينات القرن المنصرم وعليه فهو لم يتواجد فيها إذا بقرار من سلطات إقليم كردستان العراق التي لم تكن قائمة أصلا حينذاك اللهم إلا إذا كان الكاتب يريد من أكراد العراق إعلان حرب مفتوحة على بني جلدتهم من أكراد تركيا إرضاء لأنقرة وغيرها من عواصم الدول المقتسمة لكردستان وتحقيقا لرغباتها في اندلاع اقتتال كردي – كردي وقد كان السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق حازما وصارما في تبديد هذه الرهانات والرغبات وقطع الطريق عليها عندما أكد أن لا عودة مطلقا إلى الاقتتال الكردي – الكردي رافضا تسليم أي كادر من كوادر حزب العمال لتركيا ومصرا على عدم وصف الحزب بالإرهاب طالما أن أنقرة لا تعتمد لغة السلم والحوار في التعامل مع الحزب ومع القضية الكردية في تركيا برمتها فلقد برهنت القيادة الكردية في كردستان العراق وفي مقدمها الرئيس مسعود البارزاني خلال الأزمة المفتعلة التي أثارتها معها أنقرة بالتنسيق مع دمشق وطهران برهنت مرة أخرى على مدى حنكتها ودهائها السياسيين عبر تعاملها المبدئي المسؤول وأدائها الدبلوماسي المتمرس وإدارتها الحكيمة الواعية لهذه الأزمة التي يمكن القول على ضوء نتائج زيارة أردوغان إلى واشنطن وما سبقها من خطوة إنسانية وأخلاقية رفيعة وغاية في الذكاء والبراعة سياسيا وإعلاميا من جانب حزب العمال عشية وصول أردوغان إلى واشنطن عبر إطلاق سراح أسرى الجيش التركي الثمانية لديه استجابة لدعوات القيادة الكردية وشخص الرئيس مسعود البارزاني تحديدا لإطلاق سراح أولئك الجنود في ضوء كل ما تقدم يمكن القول أن تركيا قد خرجت مهزومة سياسيا وعسكريا من هذه الأزمة – المواجهة التي أتت نتائجها في الاتجاه المعاكس تماما لما كان يبتغيه الأتراك وكل من دعمهم وحرضهم على غزو كردستان العراق وأضفى المشروعية على عزمهم في اجتياح العراق عبر كردستان على ما فعل بشار الأسد الذي انفرد من بين سائر زعماء العرب والمنطقة والعالم في موقفه المحرض لأنقرة على ارتكاب حماقة انتهاك سيادة العراق وتهديد وحدته وسلامة أراضيه .
أما ذروة مغالطات الكاتب ادعاءه أن أكراد العراق يبتزون تركيا بحزب العمال لجرها إلى حوار حول كركوك . وهو بذلك يصور كركوك وكأنها مدينة تركية يبتز أكراد العراق أنقرة للتنازل عنها في حين أن كركوك هي مدينة كردستانية عراقية وعملية تطبيع الأوضاع فيها والاستفتاء المرتقب في محافظة كركوك وفق المادة ( 140 ) من الدستور العراقي الدائم هي قضية داخلية عراقية صرفة لا يحق لتركيا التدخل فيها بتاتا والأكراد والعراقيون عامة وكتحصيل حاصل ليسوا في وارد الدخول في أي حوار مع تركيا أو غير تركيا في شأن داخلي وسيادي عراقي بحت كقضية كركوك التي ثمة خارطة طريق دستورية وقانونية عراقية لحلها وتسويتها وعليه ليس ثمة لعبة كالتي يتخيلها الكاتب حتى يتوعدنا هو وأصدقائه الأتراك بالويل والثيور وعظائم الأمور حتى أن آغري يتوعد أكراد العراق وكأنهم أطفال في الروضة عندما يخاطبهم : سينتهي وقت اللعب وتحين ساعة الجد وهنا لا يسعنا إلا القول أن شر البلية ما يضحك .
ويمضي الكاتب في قلب الحقائق وتحريف الوقائع متهما الأكراد بالاستسلام للنزعة الشعبوية والتحريض المجاني والهتافات العنترية والخطابات النارية” . والحال أن أي نظرة منصفة ومحايدة لمجريات الأزمة القائمة بين تركيا والأكراد تظهر بما لا يقبل الجدل أن كل النعوت والاتهامات التي ساقها الكاتب أعلاه بحق الجانب الكردي هي على العكس تماما تنطبق وبحذافيرها على الجانب التركي فعلى مدى أسابيع من الأزمة التي افتعلتها أنقرة مع الأكراد وحتى قبلها ما فتئت تركيا حكومة ومعارضة وجيشا في تحريض الشعب التركي وشحنه ضد كل ما هو كردي عبر إثارة الغرائز والنزعات العنصرية القومية الطورانية المغرقة في البدائية والحاقدة على الأكراد بوصفهم العدو الوجودي للأمة التركية “السعيدة” و”الخالدة” و”العظيمة” وحسبنا هنا إلقاء نظرة عابرة على يوميات الأزمة من خلال تصريحات كبار المسؤولين الأتراك مدنيين وعسكريين وخطابهم التصعيدي الهستيري والى المظاهرات المناهضة للشعب الكردي في كبريات المدن التركية وما كان يتخللها من شعارات وصيحات تنضح حقدا وعدوانية وكراهية ليس حيال حزب العمال وأكراد تركيا فقط بل حيال كافة الأكراد لاسيما أكراد العراق والرئيس مسعود البارزاني خصوصا أما إذا كان الكاتب يرى في الموقف الكردي المؤكد على الحق في الدفاع عن النفس والأرض في حال غزو تركيا لكردستان العراق عنتريات وشعبوية فهذا شأنه هو ويقينا فان تركيا في حال ارتكابها حماقة اجتياح كردستان العراق واستهداف تجربتها الديموقراطية فانها لن تكون آنذاك في نزهة وستفتح على نفسها أبواب جهنم إذ أن الأكراد في تركيا أيضا سينتفضون حينها في المناطق الكردية وفي الداخل التركي ففي مدينة اسطنبول وحدها يعيش أكثر من أربعة ملايين كردي الأمر الذي سيقود إلى فوضى عارمة وحرب أهلية تركية – كردية شاملة فان قررت تركيا ضرب وتخريب التجربة الرائدة في كردستان العراق فعليها توقع ردود فعل كردية متناسبة مع مكانة هذه التجربة الثمينة وأهميتها القصوى والوجودية للأكراد في جميع أجزاء كردستان وفي مقدمها كردستان المركزية ( كردستان تركيا ) ولا ينطوي هذا الكلام بطبيعة الحال على أية عنتريات أو مبالغات وتهويلات إذ أن ثمة أمة كردية يستحيل طمسها وإبادتها وغمط حقوقها إلى ما لا نهاية فتركيا تدخلت عسكريا في السنوات الماضية في كردستان العراق لأكثر من 24 مرة دون أن تحقق شيئا لجهة القضاء على الثورة الكردية بقيادة حزب العمال الكردستاني الذي رغم إعلانه وقف إطلاق النار من جانب واحد لخمس مرات ( آخر إعلان لوقف النار من جانب الحزب كان في 1 / 10 / 2006 ولا يزال قائما ) دون تجاوب الطرف التركي معه لازال يتمتع بكامل جهوزيته العسكرية وبراعته القتالية وخير دليل على ذلك العملية النوعية الأخيرة التي نفذها الحزب في سياق صده للهجمات التركية حيث تم قتل العشرات من الجيش التركي وأسر ثمانية من جنوده تلك العملية التي كسرت الكبرياء الزائف للعسكر الكمالي وجعلتهم هم وحكومة “العدالة والتنمية” يفكرون ألف مرة قبل الشروع في غزو كردستان وانتهاك سيادة دولة العراق فبدلا من أن يسدي الكاتب نصائحه لتركيا بالكف عن التحرش والتربص بكردستان العراق ومحاولة إقحامها في حربها الهوجاء الظالمة على الشعب الكردي في تركيا وبدلا من حضها على وقف هذه الحرب لصالح البدء بحوار جدي وعقلاني مع حزب العمال ومجمل الحركة الوطنية الكردية في تركيا بما يوقف نزيف الدم ويؤسس لحل سلمي شامل وعادل للقضية الكردية في إطار دولة مدنية ديموقراطية اتحادية بدلا من ذلك يوزع الكاتب نصائحه المردودة عليه لحكومة إقليم كردستان العراق بالكف عن مغامراتها وسياساتها في تصدير القتل وتحويل كردستان إلى بؤرة للكراهية ونحن بدورنا ننصح الكاتب بالاحتفاظ بنصائحه “النيرة” لنفسه وبالكف عن محاولة تزوير الواقع عبر إدانة الضحية الكردية وتبرئة الجلاد التركي بطريقة سمجة إذ كيف يعقل اتهام كردستان بكونها بؤرة للكراهية وتصدير القتل في حين لا يختلف عاقلان على كون كردستان وشعبها هما ضحية آيديولوجيات الحقد والكراهية والهوس والاستعلاء القوميين الحاكمة في الدول الغاصبة لكردستان والتي ما برحت تتنافس في تصدير صنوف القتل والإرهاب إلى كردستان عبر تدمير عشرات آلاف القرى الكردية وقتل وإبادة مئات الآلاف من الأكراد وحرق كردستان وتدميرها مرة بعد مرة بما في ذلك استخدام أسلحة الدمار الشامل بغية طمس وجود الشعب الكردي وإبادته وإطفاء جذوة الحياة المتقدة أبدا لديه .
يختم الكاتب قائلا بان مقاتلي حزب العمال الكردستاني هم “ثوار من دون قضية هم يضربون ويقتلون لان ذلك هو الشئ الوحيد الذي يتقنونه” . والواقع أن ثوار حزب العمال الكردستاني ليسوا بحاجة إلى شهادة حسن سلوك من السيد آغري فهم يستمدون شرعية وجودهم السياسي والعسكري من شعبهم الكردي وهم عنوان القضية الكردية في تركيا ومفتاح حلها متى ما كفت تركيا عن مقارباتها العسكرية الفاشلة مرارا وتكرارا للقضية الكردية وقررت الرضوخ لمنطق الحق والعصر والسلام ولعل الفشل الأخير دبلوماسيا وسياسيا وعسكريا الذي منيت به أنقرة خلال الأزمة الأخيرة مع الأكراد معطوفا على نشر الصحافة التركية للاعترافات الجريئة المزلزلة لكبار جنرالات الجيش التركي السابقين من كنعان افرين قائد الانقلاب العسكري في عام 1980 ورئيس الجمهورية السابق إلى رئيس الأركان ما قبل الأخير حلمي أوزكوك حيث أكدوا جميعهم استنادا إلى تجاربهم العملية المديدة في محاربة حزب العمال الكردستاني استحالة الحل العسكري وعقمه ولا جدواه في حل القضية الكردية ما يعني الإيحاء بضرورة اعتماد خيارات وبدائل سلمية ولعل كل ذلك يكون دافعا لأنقرة نحو تبني سياسات ومقاربات جديدة ديموقراطية وسلمية في حل القضية الكردية بدلا من اجترار الحلول والمغامرات العسكرية الفاشلة باعتراف نخبة من رموز المؤسسة العسكرية ورؤساء الأركان السابقين في تركيا كما ذكرنا أعلاه .
ختاما يبدو أن من لا قضية له هو السيد نزار آغري وليس ثوار حزب العمال الكردستاني هم الذين لا قضية لهم كما عنون مقاله الذي نحن بصدده اللهم إلا إذا اعتبرنا مواظبة السيد آغري على شتم القيادات الكردية وتجريم ثوار الحركة التحررية الكردية وتحريض أنقرة وغير أنقرة على الإمعان في قتل الأكراد واجتثاثهم واستئصالهم قضية وعليه فان “القضية” البائسة والخاسرة التي يحملها آغري هي تشويه عدالة القضية الكردية والاستهانة بعذابات وآلام الشعب الكردي عبر تبرئة جلاديه وتجميل صورتهم البشعة وتصويرهم كضحايا للأكراد مصاصي الدماء المهووسين بالقتل الذي لا يتقنون شيئا سواه بحسب نزار آغري .