الرئيسية » مقالات » أنطون تشيخوف (1860-1908)

أنطون تشيخوف (1860-1908)

لعل الإقتراب من صرح من صروح الأدب الروسي كانطوان تشيخوف يحتاج الكثير من الجرأة، خصوصاً من صحفي لم يُجد يوماً ما لغة هذا الأديب، ولم يقرأ عنه وعن عصره إلا ما نقله إلى القاريء العربي بعض الشجعان الذين تعاملوا مع الأدب الروسي وأبدعوا في إيصاله إلينا، باذلين جهوداً كبيرة، خصوصاً ممن هم في الأساس مبدعون قدموا نتاجات مهمة للأدب العربي قصة ورواية ومسرحاً وشعراً. رغم كل هذا الجهد فإن أسماءهم العربية كانت تُكتب كمترجمين لهذا النص بحروف صغيرة في الصفحة الثالثة أو الخامسة من الكتاب المترجم في حين تأخذ دور النشر والطباعة مساحة أكبر وحروفاً أعمق وأكثر بروزاً كونها فقط نفذت مشروع المطبوع وقامت بعملية التسويق. ولعل هذا المهتم المقترب من تشيخوف يعتريه الخوف من أن يتعرض إلى نقد لاذع . لكن مادمنا نقرأ لذلك الأديب وغيره وعن عصره “الربع الأخير من القرن التاسع عشر وعتبات القرن العشرين” التي شهدها وهو في أوج نشاطه الإبداعي وحظيت لغتنا العربية بالعديد من هذه النتاجات المذهلة في بساطتها وعمقا، الرفيعة في تماسها مع الهم الإنساني وحياة البشر المنبوذين المعزولين قسراً عن الحياة ودفعهم إلى الهامش، هامش الحياة التي لا معنى لها كما يصفها تشيخوف، ثم وصف حياة هؤلاء الفقراء وصفاً أخّاذاً مثيراً، ودفعها إلى المقدمة كمشهد حياتي مهم. نجد ذلك بشكل خاص في قصة الخادمة، وقصة الرجل الذي تحدث إلى الحصان وقصص أخرى. وما دمنا قد حظينا بمشاهدة هذا الإبداع مدروساً ممسرحاً منقولاً بأمانة في أكثر الأحيان إلى مسارحنا العربية في دمشق وبغداد وغيرهما، فلا بأس من نقل قصته القصيرة “الرهان” إلى العربية.
ما قرأته لتشيخوف قبل هذه القصة هي قصص قصيرة جداً لا تتجاوز الفكرة الواحدة، الفكرة التي هي أشبه بالإنفجار الذي يثير الكثير من الأمثلة المشابهة عدا رواية العم فانيا. أما قصة الرهان ففيها الكثير من التفاصيل ومفعمة بالمشاعر الإنسانية، وهي لعبة خطيرة يلعبها بعض المرابين مع الطموحين في الثروات من الشباب. حين استفسرت من الروائي العراقي برهان الخطيب عن هذه القصة، قال إنها قصة شهيرة ومهمة في أدب تشيخوف وقد كتبها في مرحلة مبكرة من حياته وحظيت باهتمام الأوساط الأدبيية والمتلقين في روسيا والدول الأوروبية، وحين سألته إن كانت هذه القصة قد تُرجمت إلى اللغة العربية، بدا وكأنه يفكر كونه قرأ جلّ الأدب الروسي المعاصر وبلغة أهله، وساهم في نقل نتاجات مهمه إلى القاريء العربي. ربما حظي الآخرون ممن يجيدون لغة تشيخوف من العرب بقراءة “الرهان” بلغتها الأصلية وربما نقلها أحدهم إلى اللغة العربية منذ زمن بعيد.
ما لا يمكن إغفاله هو أن من يقرأ لتشيخوف يشعر بالألفة مع أبطاله ويدهش لفكرة القصة وبساطة أحداثها وأبطالها وموضوعاتها، وكيف توصّل بلغة متاحة ولكن ممتنعة إلى هذا الوصف الأخّاذ والدقيق لفجيعة الإنسان المسحوق المغلوب على أمره، خصوصاً وأن تشيخوف عُرف في بداياته كاتباً نبيلاً لطبقة المتعلمين وربما لبعض الأرستقراطيين.

تشيخوف بين زواج شرعي وعشق كبير

• سئل تشيخوف مرة، لماذا لم يعتزل مهنة الطب ويتفرّغ تماماً للأدب وللتأليف. كان وقتها كاتباً شهيراً مرموقاً، ألّف العديد من القصص القصيرة والنصوص الدرامية للطبقة الراقية المتعلمة.
أجاب وقتها قائلاً :
– مع مهنة الطب أعيش زواجاً شرعياً. أما الأدب فهو العشيقة. حينما أملّ وأتعب من الأولى أقضي الليل مع الثانية. إنها حياة شاقة تلك التي أعيشها لكنني لم أشعر بالملل إطلاقاً. لم أخسر أياً من هاتين الحياتين. ولم تنقلب إحداهما ضدي.
كان ذلك في فترة تناوب القرنين بين رحيل القرن التاسع عشر وبزوغ القرن العشرين. كان الأسلوب الأدبي الذي يقود تلك الفترة هو المذهب الطبيعي. تعرية كلّ شيء، أي أن يبدع الكاتب في وصف البيئة والناس بأمانة ودقّة، يعد الدراسات أولاً، ويجمع المواد الأساسية الخام للمنهج العلمي قبل أن يشرع بالكتابة. إن عملاً ميدانياً يسبق العمل الإبداعي، يزور المرء بنفسه الأحياء الفقيرة، يصف الناس في مجتمعات القاع. في فرنسا مثلاً يعتبرون أميل زولا الممثل العظيم لهذا المسار من خلال الرواية التي تتحدث عن “نانا” إحدى بائعات الهوى في باريس. ورواية “البهو” التي تعالج الحياة في تلك المعارض والصالات التجارية الفخمة “المتصدعة فيما بعد”. ورواية “معدة باريس” التي تصور ما يجري من فعاليات حياتية في تلك الأيام في قلب المدينة، أي تصور أحشاء باريس وما يجري من فعاليات حياتية في تلك الأحشاء. وليس من الغريب أيضاً أن تشيخوف في عمله الأدبي قد استفاد من موهبته العلمية، لكنه في الوقت ذاته إمتلك شيئاً من الحزن والشفافية والهدوء الحالم، وكأنه قد فهم أن العالم لن يكون أكثر واقعية مما هو عليه عند مدخل القرن العشرين. ناضل تشيخوف طيلة حياته ضد التدرن. ومات في سن الرابعة والأربعين. لكنه رغم قصر عمره حظي بسلطة هائلة كروائي ومسرحي. وقد قُدمت أعماله الدرامية على مسارح العالم أجمع، وأكثر تلك الأعمال شهرة هي “النورس، العم فانيا وبستان الكرز” التي كتبها في الفترة الواقعة مابين “1896- 1904”.
قصص تشيخوف القصيرة تتحدث في أغلب الأحيان عن تفاهة ولا جدوى الحياة في موضوعاتها. إنه يفضح محاولات الناس تجميل حياة هي في الحقيقة ينقصها المعنى والحكمة في محتواها. وقد تميّز بسخريته الرائعة التي يعالج بها معنى الحياة في قصة الرهان.