الرئيسية » مقالات » انتخابات الرئاسة اللبنانية .. وطريق الجلجلة

انتخابات الرئاسة اللبنانية .. وطريق الجلجلة

تركزت الأنظار وتقاطعت الطرق عند بكركي , حيث مقر البطريرك اللبناني الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير , هذا الرجل الذي وضعوا في يده سلة الحلول لأزمة انتخابات الرئاسة اللبنانية وطلبوا منه أن يختار , بعض , من بين أسماء , حيث لايرغب ولا يريد , الخوض , كونه رجل دين للجميع لاسياسي , والأسماء المختارة هي لمرشحين محتملين ليصبح احدهم الرئيس المقبل للجمهورية اللبنانية , بعد أن عجز الساسة عن التوافق , واختلفوا في تفسير بنود الدستور الممهدة لانتخابات شرعية عن طريق مجلس النواب , حتى لايقع المحذور الذي أساسه الوقوع في فخ الفراغ الدستوري بعد تاريخ 24112007 , وانتهاء ولاية الرئيس الحالي أميل لحود ثم ماحدد دستوريا كفترة انتقالية يتوجب خلالها التصويت واختيار الرئيس الجديد .
– الموارنة كطائفة رئيسية , المفروض دستوريا أن يكون الرئيس المقبل من حصتهم , والمنقسمين حاليا قيادات وأحزاب بين مؤيد للأكثرية النيابية ومعارض لها , لايجمعون ولا يتوافقون على تسمية شخصية معينة , وذلك طبيعي ومقبول في المجتمعات الديمقراطية حرة الاختيار , ولا تعاني اقنيتها الشرعية من عرقلة أو تجميد أو تعطيل متعمد , كما هو حال المؤسسات الدستورية اللبنانية , البرلمان والحكومة والرئاسة , وعودة الطوائف الرئيسية مجبرة أحيانا إلى جذورها , تتمترس خلفها بدل الجدل والنقاش , والاختلاف والنقد البناء , داخل قبة البرلمان والاحتكام في النهاية إلى صناديق الاقتراع , لا المناداة بتوافق المحاصصة وضرورة إرضاء رغبات من يقود الفئات الكبرى الطائفية , وعدم تجاوز معارضة نواب طائفة أساسية لانتخاب رئيس حتى لو فاز بأكثرية أصوات النواب اللازمة لانتخابه , وتلك خصوصية لبنانية يدعي مؤيدوها كونها امتداد لصيغة تكون ونشوء وترتيب البيت اللبناني , قبل وبعد اتفاق الطائف .
– ما الدور الحالي و( الوضع ) الذي يجد البطريرك صفير له القدرة والإرادة والفائدة إن تدخل واختار , وتخلى عن حياديته التامة , وصمته السياسي , وحمل صليبه وسار في طريق الآلام والجلجلة التي نهايتها اللبنانية 24112007 , وعنوانها تاريخ 21112007 والجلسة المفتوحة للبرلمان التي يجب فيها وخلالها انتخاب رئيس جديد للبنان , او الدخول في متاهات ونفق الفراغ الدستوري , وتباين الاتجاهات والمواقف للكتل النيابية ؟ , .
– ماكان ليتأخر أو يتردد لو ترأى له أو تلمس في الأفق ضمانة بان ماسيقوله ويحدده سيوفر الأجواء الملائمة , لجعل الأبواب مفتوحة ومشرعة للنواب ليتموا المهمة , علما أن لامجال بعد ذلك لتأجيل أو تسويف أو مماطلة , اوحتى مواصلة مباحثات , وتبرز له من ذكرياته تجربة العام 1988 المشابهة , عندما حملوه نفس الهم والصليب , وأصروا (وتمنوا ) عليه أن يختار أسماء محددة تطرح للتصويت لانتخاب رئيس , اصطدمت اللائحة وقتها بحائط الصد السوري الرافض للمبدأ نفسه وجميع الأسماء , وقتها كان لبنا ن أرضا وقرارا تحت السيطرة والوصاية السورية الكاملة تقريبا , ومن غرائب الصدف وعجائب السياسة اللبنانية , إن احد المختارين ضمن قائمة 1988 المرفوضة سوريا , هو العماد ميشيل عون ! , المتحالف مع سوريا حاليا , والرافض اليوم لمبدأ وضع قائمة أسماء لمرشحين من قبل البطريرك , رغم ماقيل إن اسمه متواجد ضمن القائمة الجديدة 2007 , .
– مابين الرفض السوري المتكرر , ولكن بصمت غير الراغب , وهمس يتردد صداه عاليا عند الأتباع والمريدين , والاهتمام الدولي والعربي الواضح والمنصب على لبنان , والتواء دهاليز سياسته المتداخل فيها والمتشابك الكثير من الخيوط الممتدة والمرتبطة بمواقف إقليمية وعالمية , لها تصوراتها المتعاكسة في مرايا الوضع الداخلي وتجاذباته , بحيث لايرغب في التدخل الزائد , رجل دين كالبطريرك يحاول أن يجمع ولا يفرق أو يختار , والغريب أن من يطلب منه مواقف سياسية لايجيزها لرجال الدين في بلده , سواء كان عربيا لو غربيا ! , ويميل حتى إلى اعتبارها خروج على القانون غير مرحب به غالبا حسب المفاهيم المتداولة لفصل الدين عن السياسة , وتستمر محنة البطريرك , وهو يضع نصب عينيه مصير تماسك الطائفة المارونية ومكانتها , وكيان واستقرار لبنان المستقبل, فلماذا يدفعه البعض نحو الألم والصلب المعنوي والشهادة ؟ .
– في بلد ديمقراطي كلبنان , له مؤسساته الدستورية الشرعية المستمرة والمجربة , يتوجب على الأكثرية النيابية المنتخبة , أن تلعب دورها عند الحسم ولحظة الاختيار وبعد استنفاذ كل الوسائل التي يراد بها الجمع لا التفريق , ولكن الديمقراطية هي محصلة تاريخ حافل ومكرر من الصراع والتطاحن والتجاذب الشرعي البرلماني بين قوى الأكثرية والأقلية , لايتخلى منتخب ومسؤول عن واجبه كسياسي في خدمة بلده واستقراره , رغم مايسببه ذلك من استفزاز مؤقت لمشاعر طائفية أو مذهبية , ولكن التردد كما يبدو هو الغالب , وكأن الطاقم السياسي الحاكم , لم يستفد أو يأخذ العبر والدروس من ما حصل عند معركة نهر البارد , وخروج الجيش اللبناني العلماني الموحد بالتجربة والتعمد بالدم , منتصرا وبجدارة , على قوى منهجها المعلن وتوجهاتها طائفية محسوبة إذا أخذنا منطق التخلف كميزان , على التيار الرئيسي لفريق الأكثرية الحاكم , والطائفة السنية تحديدا , ولكن الشيطان الأخرس والساكت عن الحق , كان تواجده في رحاب قوى من طوائف أخرى , تأخرت عن الوضوح والانتصار للبنان بانتظار النتيجة , وقاد المعركة سياسيا وعلى مستوى الدولة , رئيس الوزراء المحسوب على السنة فؤاد السنيورة , وتخرج الحرب من نطاق محيطها الطائفي الضيق حتى بالقياس الجغرافي لمنطقة طرابلس وأهلها وفلسطينيوا المخيم نفسه وقياداتهم المتوحدين مع الجيش , وتدخل في إطار الوطن العلماني الحاضن للجميع لبنان .
– والآن وفي قادم الأيام يستطيع الفريق الحاكم والمتوزعة رؤوسه الكبيرة على غالبية الطوائف , المتلقي لسهام القتل والاغتيال لأجل سيادة الوطن واستقلاله , أن يقرر مايراه مناسبا مادامت له الأكثرية و ويطرح التوافق والتلاقي إلى آخر لحظة , ثم يحسم ويختار , ولا يترك البطريرك لوحده في طريق الجلجلة , بل يحمل صليبه هو الآخر , ويذهب به من مجلس النواب إلى قصر بعيدا , ليثبت شرعا وقانونا رئيس جديد منتخب للجمهورية اللبنانية . .