الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (17)

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (17)

الفصل الرابع
دور النواب الكرد السياسي في الدورة الانتخابية الثانية لمجلي النواب ( 1928- 1930)


تمهيد
في خضم الصراع السياسي الذي تحول الى ابرز سمة من سمات تلك المرحلة من عهد الانتداب البريطاني على العراق، الف عبد المحسن السعدون وزارته الثانية يوم الرابع عشر من كانون الثاني سنة 1928، وبعد مرور اربعة ايام فقط استصدر ارادة ملكية تقضي بحل مجلس النواب والشروع في انتخابات مجلس جديد. وبعد اربعة ايام اخرى اصدرت وزارة الداخلية تعليماتها الاصولية الى متصرفي (محافظي) الالوية كافة، بما في ذلك الالوية الكوردية، بالاستعداد للشروع في اجراء انتخابات جديدة.
لم تخل انتخابات النواب للدورة الثانية للمجلس من حالات التدخل والتزوير، فلقد اراد السعدون ان يضمن لحكومته الجديدة اغلبية مؤيدة لسياستها في البرلمان، خصوصا فيما يتعلق بموضوع تعديل الاتفاقيتين المالية والعسكرية الملحقتين بالمعاهدة العراقية-البريطانية التي كان عليها ان تنظر فيهما.
اثار موقف حكومة عبد المحسن السعدون من انتخابات دورة مجلس النواب الثانية حفيظة الرأي العام العراقي بقوة، الامر الذي جلب انتباه جميع الوطنيين الذين انتقدوه انتقادا لاذعا، فضلا عن الصحافة التي تابعت عن كثب مخالفات السلطة واساليبها من اجل ضمان الاكثرية للوزارة الجديدة داخل المجلس، مما دفع شخص الملك فيصل الاول الى التدخل في الموضوع بصورة مباشرة، فطلب من رئيس الوزراء “صيانة حرية الانتخابات”، ووضع حداً للتدخل في شؤونها، واتخاذ “الاجراءات القانونية اللازمة” بحق المتجاوزين، بل وحتى اعادة الانتخابات في الموصل تحديدا.
رغم ذلك حقق عبد المحسن السعدون مبتغاه، فقد دخل المجلس الجديد ستة وستون نائبا ينتمون الى حزبه “حزب التقدم” فيما توزع اثنان وعشرون نائبا بين المستقلين والمعارضة التي تمثلت يومذاك في حزبي “الشعب” و “الوطني”، وبذلك تمثل انتخابات سنة 1928 “تراجعا في التجربة البرلمانية العراقية”، الامر الذي انعكس ايضا “في عودة واحد وخمسين من اعضاء المجلس السابق الى مقاعد المجلس الجديد” وهذا يعني ان 42.04% من اعضاء المجلس الاخير فقط كانوا من الوجوه الجديدة، مما يؤلف تراجعا كبيرا اخر يقدر بـ 21.55% في اطار المقارنة بين تشكيلة المجلس الثاني والمجلس الاول” كما ورد نصا في دراسة متخصصة في الموضوع وللسبب نفسه يرى الدكتور مجيد خدوري في انتخابات العام 1928 احد عوامل تداعي المؤسسة التشريعية، وتراجع دورها ومركزها في النظام السياسي العراقي.
ضم المجلس الجديد، مع ذلك، عددا من ابرز الساسة العراقيين المعروفين، ممن توزعوا بين مؤيدين للحكومة، ومعارضين لها، من امثال جعفر ابو التمن ومحمد رضا الشبيبي ونوري السعيد وياسين الهاشمي وناجي السويدي ويوسف غنيمة وعبد العزيز القصاب ورشيد عالي الكيلاني وساسون حسقيل ومحمود رامز وحكمت سليمان وتوفيق السويدي وحمدي الباجة جي وغيرهم.

النواب الكورد فـي المجـلس الجـديد
اما بالنسبة للنواب الكورد فان العديد منهم كانوا بدورهم اعضاء في المجلس السابق من امثال محمد امين زكي واسماعيل رواندوزي وداود الحيدري وحازم شمدين اغا، ولكن لم يعد انتخاب عدد غير قليل من انشط، وابرز نواب ذلك المجلس في الدورة الانتخابية الجديدة، منهم ابراهيم يوسف وصبيح نشأت ونشأت ابراهيم واحمد مختار جاف الذين ادوا دورا متميزا في الدورة السابقة، مما لاحظناه في مباحث الفصل الثالث من دراستنا هذه.
دخل المجلس في دورته الانتخابية الثانية، مقابل هؤلاء، عدد من النواب الكورد الجدد، وهم كل من معروف جياوك وجمال بابان وعبدالله المفتي الذين مثلوا لواء (محافظة) اربيل، ومحمد الجاف الذي مثل لواء (محافظة) كركوك، وصبري علي اغا وسيف الله خندان اللذين مثلا لواء (محافظة) السليمانية، والشيخ عبيد الله البربفكاني الذي مثل المناطق الكوردية في لواء (محافظة) الموصل. كان جميع هؤلاء النواب الكورد ينتمون إلى اسر كوردية معروفة دون استثناء، ولقد ادى عدد منهم دورا متميزا في اجتماعات الدورة الثانية لمجلس النواب، واثبتوا حضورا مشهودا بغض النظر عن مواقفهم سلبا او ايجابا، كما ان عددا منهم كانوا مجرد اسم من دون مسمى في المجلس، مع العلم ان معظمهم كانوا من ذوي ثقافة مرموقة، يجيدون اكثر من لغة، ويحمل بعضهم شهادات دراسية رفيعة، الصفات التي كانت تجمعهم مع افضل نواب المجلس في دورته الانتخابية الثانية على صعيد واحد. لا مراء في ان معروف بن علي اصغر بن مولود سعدي بديع الزمان (1884-1958) كان ابرز، وانشط النواب الكورد الجدد في المجلس طوال اجتماعات ذروته الانتخابية الثانية، بل انه كان واحدا من ابرز وانشط نواب العراق، ومن اكثرهم لباقة وجرأة في طروحاته ومداخلاته البرلمانية، الامر الذي جمعه على صعيد واحد مع المعارضة في عهد الملك فيصل الاول كما يؤكد ذلك باحث متخصص، وضع اليد في الوقت نفسه على ما يسميه بمواقف انتهازية بدرت منه في حالات معينة. جعل كل ذلك، وغير ذلك من صفات اتسم بها، ومواقع تسنمها، ومواقف اتخذها على اكثر من صعيد نتطرق اليها بعد قليل، جعل من معروف جياوك وجها بارزا من وجوه النخبة القانونية منذ بداية تكوينها على وفق دراسة جامعية اخرى.
ينتمي معروف جياوك إلى عشيرة بالك (باله ك) القاطنة في منطقة سريشمة التابعة لقضاء رواندوز من اعمال اربيل، درس في بغداد، ونال شهادة الاعدادية فيها سنة 1902، التحق بمدرسة (كلية) الحقوق في استانبول ونال شهادتها، وابدى نشاطا سياسيا ملحوظا ايام الاتحاديين، وبعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني في نيسان 1909 بمدة عاد إلى بغداد حيث انخرط في الحركة السياسية والثقافية، وتسنم بعض الوظائف.
ان اهم نشاط متميز مارسه معروف جياوك في تلك المرحلة من حياته هو اصداره في بغداد صحيفة سياسية عربية تركية اعتبارا من يوم الثامن عشر من كانون الثاني عام 1912 باسم (الحقوق) التي استمرت تصدر إلى العدد الثلاثين بانتظام ثم توارت عن الانظار، فضلا عن انه صاحب عدد من المؤلفات باللغات العربية والكوردية والتركية “مما يجعله من المنتمين إلى النخبة القانونية المتميزين” النخبة التي ادت دورا فاعلا في الحياة الفكرية والسياسية للعراق في عهد الاتحاديين وطوال عهد الملك فيصل الاول.
ومن المفيد ان نشير إلى ان معروف جياوك مارس المحاماة في عهد الملك فيصل الاول، وعين حاكما في المحاكم المدنية في كركوك واربيل وكربلاء وغيرها في ذلك العهد لانه كان له “المعية الفذة في القوانين”، كما اصدر في تلك السنوات عددا من مؤلفاته المهمة، ونشر سلسلة من مقالاته السياسية في صحيفتي “المفيد” و “الاستقلال” وغيرها وابدى نشاطا برلمانيا واسعا، بل انه تحول فعلا إلى احد ابرز محركي مجلس النواب في دورته الانتخابية الثانية، فلطالما اثارت مداخلاته الساخرة، وانتقاداته اللاذعة ضحك وتصفيق “ومقاطعة زملائه النواب تأييداً واستحساناً لكلامه، او احتجاجا عليه في حالات اخرى، وكان يلجأ في مداخلاته إلى البليغ والبديع في لسان العرب وحكمه، بل وحتى احيانا إلى ابيات معبرة من ديوانهم الثر. نلاحظ لاحقا انه مرارا اشار في انتقاداته الى اسماء كبار المسؤولين من امثال ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني وحمدي الباجه جي ونوري السعيد وناجي السويدي وغيرهم صراحة، او ضمنا، حتى انه قال عن نوري السعيد في احدى مداخلاته ما نصه:
فاذا كان المسؤول نوري السعيد، او غيره او كائنا من يكون يلزم ان يذهب إلى الحبس، ويسجن ويحبس”.
ويعد نائب اربيل جمال بابان (1893-1965) بدوره واحدا من ابرز نواب المجلس في دورته الانتخابية الثانية، ينتمي إلى واحدة من اعرق الاسر الكوردية، تخرج في مدرسة الحقوق ببغداد سنة 1914، واصدر اول مجلة كوردية نصف شهرية في العراق باسم “بانك كورد” (نداء الكورد) التي توقفت بعد صدور عددها الخامس بسبب نشوب الحرب العالمية الاولى، انضم إلى قوات الامير فيصل ايام الثورة العربية، ورافق الامير إلى بلاد الشام حيث عهدت اليه امرية بطرية مدفعية، وبقي في وظيفته إلى حين سقوط حكومة فيصل في سوريا مما يؤشر حالة خاصة بالنسبة لموضوع رسالتنا وارتباط اطاره الزمني بعهد الملك فيصل الاول تحديدا. وبعد عودته إلى بغداد مارس جمال بابان المحاماة إلى حين تعيينه حاكم جزاء وصلح ومنفرد في بغداد والسليمانية والموصل إلى ان استقال من سلك القضاء على اثر انتخابه نائبا في العام 1928، وقبل ان تنتهي مدة الدورة الانتخابية الثانية للمجلس استوزر لاول مرة في وزارة نوري السعيد الاولى، لتستمر بعد ذلك حياته الوظيفية والسياسية نائبا وعينا ووزيرا طوال العهد الملكي.
ومع ان نائب السليمانية سيف الله خندان (1897-1971) لا يرتقي إلى مستوى معروف جياوك وجمال بابان من حيث نشاطه ومداخلاته داخل مجلس النواب في دورته الانتخابية الثانية وخارجه ايضا، إلا انه كان ينتمي بدوره إلى اسرة معروفة، فان والدته من آل بابان، ووالده عزت بيك بن حسين باشا كان احد وزراء السلطان وحيد الدين السادس، فيما كان عمه سعيد باشا المعروف بالكوردي من اساطين عهد السلطان عبد الحميد الثاني. دخل سيف الله خندان مجلس النواب والاعيان مرارا في عهدي الملك فيصل الاول والملك غازي، ثم التحق بالسلك الدبلوماسي ومثل العراق سكرتيرا ومشاورا وقائما باعمال ووزيرا مفوضا وسفيرا في كل من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا والمانيا الغربية واسبانيا إلى حين سقوط النظام الملكي. ومن المفيد ان نشير إلى انه نال شهادة الدكتوراه من فرنسا في الرابعة والخمسين من عمره، وكرس اطروحته لدراسة مشكلة قبرص التي كانت تؤلف يومذاك واحدة من اعقد المشاكل على صعيد الشرق الاوسط. ينطبق التقويم نفسه بدرجات متفاوتة على بقية النواب الكورد الجدد، ولا سيما على نائب كركوك محمد الجاف الذي عرف بمشاعره القومية الجياشة وعلى نائب الموصل عبيد الله البريفكاني. اضيفت اصوات هؤلاء إلى اصوات النواب الكورد الاخرين الذين اعيد انتخابهم في دورة المجلس الثانية، خصوصا نائب السليمانية محمد امين زكي ونائب اربيل اسماعيل بيك الرواندوزي، الذي اعيد انتخابه ان يسجل اسمه بصورة خاصة ايضا، وللاستدلال على وزنه ودوره يكفي ان نشير الى ان مراقبا اجنبيا سجل عنه الملاحظة الاتية بعد مرور اربعة عقود على انتهاء اعمال مجلس النواب العراقي في دورته الانتخابية الثانية:
“في اثناء انتدابنا على البلاد نبغ رجال حرصوا على الدفاع عن حقوق الشعب الكوردي: شيخ محمود الحفيد، شيخ احمد البارزاني، شيخ طه شمد نياني، اسماعيل بيك راوندوزي، هؤلاء لم يجاروا بالشكوى، ولم يقوموا بانتفاضتهم المسلحة عبثا”.
ومما يدل على اهتمام الراي العام الكوردي المتزايد باعمال مجلس النواب العراقي في دورته الانتخابية الثانية، وبدور النواب الكورد فيه تحديدا، ان صحيفة “زيان” (الحياة) اولتهما اهتماما استثنائيا، فكرست للموضوع العشرات من مقالاتها التي جمعت بين التأييد والتشجيع والتوجيه من جهة، والنقد اللاذع والتجريح المباشر من جهة اخرى.
بدأت “زيان” تتصدى لهذا الموضوع منذ شروع انتخابات الدورة الثانية لمجلس النواب ففي عددها الصادر يوم الاول من آذار سنة 1928 نشرت مقالة افتتاحية تشغل كل صفحتها الاولى وجزءاً من صفحتها الثانية، وتحمل مثل هذا العنوان الذي يعبر لوحده بوضوح لا لبس فيه عن ابعاد واهداف المسألة التي نحن بصدد معالجتها هنا:
“لمناسبة الانتخابات الجديدة للنواب بضع كلمات خشنة لكنها مفيدة”.
فضلا عن ذلك ان ما ورد في ثنايا المقالة تلك تبين مدى الاهتمام الواسع الذي حظيت به الانتخابات الجديدة في اوساط الرأي العام الكوردي، فلقد استهلت “زيان” افتتاحيتها بالقول نصا:
“بدأت مدينة السليمانية تعيش في الآونة الاخيرة، ولمناسبة الانتخابات الجديدة، حالة عجيبة، ففي كل شارع ومقهى ومجلس… بل وحتى في دوائر الحكومة يكاد يقتصر حديث الناس على هذا الموضوع بالذات والكل يروجون اما لانفسهم، او لاحد من اقربائهم او اصدقائهم”.
وبعد ان تتحدث “زيان” عن الانتهازيين من الذين لا يهمهم سوى مصالحهم الخاصة، ممن “يلبسون لكل زمان لبوسهم”، وتحذر منهم، ومن اساليبهم تتوجه إلى الناخبين وتقول لهم بحرارة:
“ايها الشعب… ان كلامي هذا ليس من اجل ان ادخل اليأس في نفوسكم… فان بينكم يوجد اناس وطنيون مضحون، فافتح عينيك جيدا، وفكر بتمعن، لا تخجل من احد، لا تاخذ القرابة والصداقة بالحسبان انتخب من يفيدك، ويداوي جراحك، من تعتمد على معرفته وسويته، من وزنه معلوم ومجرب لديك من معك في حياته ومماته، كما في سعادته وهلاكه، واطلب منه منهجا محددا”.
وبالحماسة نفسها تتوجه “زيان” إلى النواب الكورد الجدد وبعد انتهاء الانتخابات بمدة، وتطلب منهم في مقال افتتاحي ايضا، ان لا ينسوا انهم يمثلون “شعبا مهما” ولكن “متخلفا للغاية” مما يفرض عليهم “ان يسعوا من اجله فوق طاقتهم” حتى “يواجهوه بوجه ناصع”يدفعه “إلى ان يذكر اسماءكم باجلال وشرف، ويسجله بماء من ذهب”، لذا “عليكم ان تتحدثوا هذه المرة قطعا بلسان واحد، وتسعوا وتبذلوا الهمم من اجل هذا الشعب المظلوم لاستكمال حاجاته” مما ترى فيه “زيان” اهم سبيل لكي “يعيش الكورد اخوانا مع العرب”. وبعد ان تشهد الجريدة بالخدمات الجليلة التي قدمها نائب السليمانية محمد امين زكي لشعبه في اجتماعات الدورة الانتخابية الاولى نتوجه إلى النواب الكورد في ختام افتتاحيتها لنقول لهم ما نصه:
“ومن اجل ان يحظى كل واحد منكم بموقع رفيع في نظر الشعب ينبغي ان نسمع من الان صوتكم داخل المجلس دوما”.
ومن المفيد ان نشير بالمناسبة ايضا إلى ان محمد امين زكي كان فعلا من انشط النواب الكورد، وابرزهم واكثرهم تاثيرا، وانه تصرف اثناء انتخابات الدورة الثانية للمجلس بروح عصرية كدأبه دوما، فحضر إلى مدينة السليمانية شخصيا، ومارس حملة انتخابية منظمة تليق بمقامه، وتوافق مع قيم المجتمع في تلك المرحلة، فلا غرابة ان تحول مجلسه في تلك الايام إلى ملتقى المثقفين والشعراء والادباء وجهاء المنظمة، كما قام بزيارة مدارس المدينة، واحتك بالاسرة العلمية والطلاب بصورة مباشرة، وتبرع بمبلغ مائة روبية إلى “جمعية المعارف الكوردية”، وتابعت زيان نشاطاته هذه اولا باول. لا مراء في ان مثل هذا الاهتمام النوعي للراي العام وضع مسؤولية اضافية على عاتق النواب الكورد في الدورة الثانية للمجلس التي شهدت اجتماعاتها بعض التطور في مواقف عدد منهم من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي طرحت على بساط البحث يومذاك.