الرئيسية » مقالات » أسعار ظالمة لفنون ونفط العراقيين

أسعار ظالمة لفنون ونفط العراقيين

مستشار في العلوم والتكنولوجيا

عندما علم الفنان العراقي ضياء العزاوي أن أعماله الفنية اجتازت حاجز المائة ألف دولار في مزادي الفن “كريستيز” و”سوذبي” قال: “يمكن الدولارات ما بقت لها قيمه”!.. وقبل نحو أربعين عاماً كان والده حسن العزاوي يعلق بروح السخرية البغدادية نفسها عندما يشاهد مقتني الفن يفدون إلى كراج منزله، الذي حوّله ابنه إلى مرسم. واستوقف العزاوي الأب طبيب العائلة حسن فليح حين وجده يشترى لوحات ابنه ضياء: “هاي شنو دكتور؟.. مو إنت تفتهم”!. وكما في أي نكتة تملك سخرية العزاوي الأب والابن قدراً من الحقيقة. ولعل أظرف توصيف لأوضاع العراق الحالية تقدمه نكتة مشهورة عن العزاوي الأب أرجو أن تتسع لها خاتمة هذا المقال.

وكما سنرى ليس هناك نكتة أكثر سخرية من أسعار أعمال الفنانين العراقيين سوى أسعار نفط بلدهم. فأعمال العزاوي، الذي يعتبره الناقد الفرنسي إلن جيفري “بيكاسو العرب” تباع في المزادات العالمية بأسعار تقل عن أسعار فنانين عرب وإيرانيين وهنود اجتاز بعضهم حاجز ربع المليون، ونصف المليون دولار. ويؤكد حكم الناقد الفرنسي أن القيمة الفنية لا تحدد أسعار الفن، بل تحددها الآلية التي تتحكم بالسوق. والدور الأساسي في السوق يلعبه لوبي الفن، الذي يتكون من بيوت المزاد، والمؤسسات الثقافية، والنقاد، ودور العرض (الغاليرهات). وللتواطآت والمضاربات دورٌ، كما حدث أخيراً حين رفعت مزايدة رجل أعمال خليجي سعر لوحة ابنته الفنانة من 6 آلاف إلى 60 ألف دولار!

وإذا كانت أسعار أعمال العزاوي المعروف على صعيد عالمي ظالمة فماذا عن زملائه العراقيين؟ لعل أقرب مؤشر على وضعهم غياب ذكر العراقيين في النشرة الصحفية لمزاد “كريستيز” الأخير الذي عُقد في “أبراج الإمارات” في الجُميرة بدبي. ويبدو العراقيون المحرومون من مظلة اللوبي التجاري والرسمي كالأيتام في مأدبة اللئام. وبسبب الحصار الطويل والحرب بيعت أعمال عدد من أبرز فنانيهم بأسعار بخسة. وتحولت الطبقة المتوسطة العراقية من مشترٍ مزهوٍ بأعمالهم إلى بائع لها بائس وحزين. وساهم بإضعاف سوق الفن العراقي تزوير أعمال فنانين كبار، كجواد سليم، وفائق حسن وشاكر حسن، وسُحب بعضها من بيوت المزاد بعد احتجاج نقاد عراقيين. وأنقذ ضياء العزاوي مجموعة ثمينة منها، تشكل الآن نواة مشروع “متحف الفن العربي الحديث”، الذي يرعاه الشيخ حسن آل ثاني، وهو فنان وعضو في الأسرة الحاكمة في قطر.

وشقّت أجيال جديدة من فناني العراق طريقها بنفسها إلى الأسواق العربية والعالمية، ولم يتوانى أفرادها عن بيع أعمالهم بأنفسهم في أسواق الفن الشعبية في أوربا، وتعهد بعضهم أعمال تزيين الأماكن العامة بالجداريات والمنحوتات. والتمعت في عواصم أوروبية وعربية أسماء عفيفة لعيبي، وجبر علوان، وإبراهيم رشيد، وفيصل لعيبي، وصلاح جياد، ومكي حسين، وفؤاد جهاد، ووليد مصطفى، وشفيق النواب، ويحيى الشيخ، ورشاد سليم، وهاني مظهر، وسليم ناصر، ونعمان هادي، وأناهيد سركيس، وسيروان باران عارف. وأنشأت الفنانة ميسلون فرج عام 2002 “آيه غاليري” Ayagallery في لندن، وأسس طبيب الأسنان الفنان علي زيني أول موقع للفنون العراقية IraqiArt في الإنترنت.

والله يعلم كيف يتدبر أمرهم فنانو الداخل، الذين لا نجرؤ حتى على ذكر أسمائهم. ولا أملك تحية لهم أظرف من عبارة اقتبسها الناقد سهيل سامي نادر من مسلسل الكارتون القديم عن الكلب “مولتي” Malty do some thing! “أيها الأصدقاء.. افعلوا شيئاً..لا تموتوا”!.. فالعمل الفني بالنسبة لهؤلاء المبدعين، كالتغريد بالنسبة للطيور، حسب الفنان الفرنسي مونيه. وتشكل قصص حياة كثير منهم مادة خاماً مدهشة لروايات وأفلام سينمائية، أتمنى أن تكون حاضرة في المهرجان الدولي للأفلام العراقية الوثائقية، الذي سيعقد الشهر المقبل في مدينة يوتوبوري بالسويد.

وإذا كانت أسعار فنون العراقيين في المزادات العالمية تعتصر القلب فإن أسعار نفط العراق تحطم القلب. ويبدو الآن الحجم المهوّل للخسارة إذ يقترب سعر برميل النفط الخام في الأسواق العالمية من حاجز المائة دولار للبرميل، في حين يستورد العراقيون، الذين قد يملكون أكبر احتياطيات للنفط في العالم المنتجات النفطية من الخارج. وتستمر عمليات تهريب النفط العراقي الخام من قبل المليشيات الحاكمة وعصابات مافيا النفط. وتغطي دماء أكثر من مليون قتيل وجريح، ودموع أربعة ملايين مهجر ومشرد أشنع عملية نهب للثروات في التاريخ.

يتم النهب بموجب مرسوم رئاسي شبه سري صدر عن البيت الأبيض عشية الحرب. فرض المرسوم على العراق العودة إلى اعتماد الدولار في تعاملاته النفطية بدلاً من عملة “اليورو” الأوربية، التي كان العراق قد اعتمدها عام 2000. كم مليار دولار خسر العراق حتى اليوم بسبب ذلك؟ لا تذكر عشرات التقارير الصادرة شهرياً عن نفط العراق هذه الواقعة، التي تعتبر أكبر أسباب الحرب. وقد كتبت عن هذا في مقال “لماذا الحرب المجرمة على العراق؟”.. واستشهدت في المقال المنشور هنا، خلال العمليات الحربية في 13 أبريل عام 2003 بقول الزعيم الصيني ماوتسي تونغ أن “الحرب صراع سياسي بوسائل دموية، والسلم صراع سياسي بوسائل غير دموية”. وتكشف آخر التطورات الاقتصادية أن حرب العراق أكبر معارك الحرب العالمية الثالثة، التي لن تتوقف حتى يتحرر الاقتصاد العالمي من عبودية التعامل بالدولار.

ويُعتبرُ أهم خبر اقتصادي هذا الأسبوع إعلان المسؤولين الصينيين عن تنويع احتياطيات بلدهم من العملات الأجنبية، والتي تبلغ تريليون و430 مليار دولار. أدى الإعلان إلى أكبر هبوط لسعر الدولار منذ شهر سبتمبر بالمقارنة مع عملات ست من أكبر شركاء الولايات المتحدة. وتوقع مسؤولون أوربيون في بنوك احتياطيات العملة العالمية استمرار التراجع في أسعار الدولار بالمقارنة مع “اليورو” التي تعادل حالياً نحو دولار ونصف، وهو أدنى مستوى بلغه الدولار منذ بدء التداول بالعملة الأوربية عام 1999.

والله والتاريخ لا يحاسبان العراقيين على خوضهم أول معارك هذه الحرب العادلة، لكن الحساب مع من يغتني بدماء العراقيين من دون دفع صدقتها، أو الذود عن ذويها. فهذه الحرب ستنزل الدولار من موقعه كعملة قياسية رئيسية، أي توقف دول العالم عن تمويل العجز المالي للولايات المتحدة عن طريق توظيف احتياطياتها في سندات الخزانة وغيرها من المدخرات بالدولارات، كالأسهم الأميركية والعقارات. وستكون هذه نهاية أكبر نكتة في تاريخ الاقتصاد العالمي، الذي يبادل ثرواته منذ أكثر من نصف قرن بأوراق خضراء تطبعها واشنطن لا قيمة حقيقية لها.

و”طريقتي في النكات تكمن في قول الحقيقة، إنها أكثر النكات طرافة في العالم” حسب الفيلسوف الأيرلندي الساخر جورج برنارد شو. وتذكر أطرف النكات العراقية أن جندياً كردياً التحق للعمل في مقر وزارة الدفاع ببغداد، فطلب من أهله أن يراسلوه على عنوانه الجديد: “وزارة الدفاع، مقابل لبن أربيل”. و”لبن أربيل” هو اسم حانوت مشهور في بغداد لبيع الأغذية يملكه والد الفنان ضياء العزاوي!

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=32418
جريدة الاتحاد

www.alittihad.ae