الرئيسية » مقالات » حكاية النائب سين

حكاية النائب سين

قد يكون النائب (سين) في حقيقته اكثر من نائب واحد، وقد يكون (نموّنة) من اكثر من قائمة واتجاه، وربما يكون ملتزما بالعلن اواصر المذهب بالسياسة مثل كثيرين من النواب، او يكون علمانيا بالسر مثل قليلين لا يؤمنون بتلك الاصرة التي تمددت على عرض الدستور.. المهم ان للنائب (سين) حضورا على واجهات الفضائيات وفي مانشيتات الصحافة، وهو يتبادل الاتهامات مع زملائه وخصومه بلسان صاحب فضل، وبهمة صاحب حق، وبلغة صاحب وجدان.. وهو في واقع الامر لا يملك من ذلك شيئا.

يستيقظ النائب(سين) صباحا في منزله الذي يبعد عن بناية مجلس النواب مسافة عشرة صافرات انذار تطلقها ست سيارات من نوع الدفع الرباعي رواحا ومجيئا من المنزل الى البناية، اخذا بالاعتبار ان هذه الرحلة اللوجستية تتم احيانا على سبيل التمويه او جس النبض او نقل مختصات من جنس الاسرار او شؤون التجارة التي يقوم بها اشقاء او ابناء او اقارب بالنيابة.

الامر الاول في برنامج النائب المعنيّ لهذا الصباح هو الاطمئنان الى السلامة الامنية لحياته، وفي الغالب ستكون غير مشجعة(طبقا لنشرة اخبار الصباح واتصالات يجريها حراس موثوق بمعلوماتهم!) فيصرف النظر عن حضور جلسة اليوم، سيما ان هذه الجلسة ستناقش موضوعات تثير الصداع وفقدان الشهية، عدا عن الوجوه المكررة والخطابات المكررة والمزحات الجانبية المكررة.

غيابات النائب (سين) عن جلسات الدورة السابقة زادت على النصف، ثلاث منها بسبب المرض(ما له خُلُك!) وقد حصل على تقرير صحي من طبيب لم يكشف عليه (على الثقة!) وتغيّب اربع جلسات لاسباب امنية قضاها متخفيا في منزل آخر (مكان طوارئ!) باعتبار ان حياته اثمن بكثير من حياة الالاف الذين صوتوا له والذين لا يجدون غير الشوارع يتقون بها التفجيرات والهاونات واعمال الاختطاف، وبالمناسبة، فان النائب (سين) تعرض الى محاولتي اختطاف شغلت المحافل النيابية، فترة، لكن شركاء له في قائمته غمزوا بها قائلين في المرتين: ‘لا صحة للحادث’.

وثمة جلسات كثيرة غاب عنها النائب(سين) من دون سبب يعرفه احد، وهناك جلستان غاب عنهما لغرض الزيارة(مطلوب نِذِر!) واثنتان لاسباب عائلية، وواحدة لدواعي اتصال هاتفي طويل جدا من الخارج، وواحدة بسبب النسيان، وقد طرح اسمه، اكثر من مرة، كنائب يفتقد لروح المسؤولية، وبخاصة في المرات التي يتعذر فيها تأمين النصاب القانوني للجلسة، وقد بدا صاحبنا يتضايق من الحديث عن غياب النواب المتكرر، ويشعر ان اكثر من اصبع يشير اليه، ويوجه له الاتهام بعدم احترام صفته البرلمانية، وقد شكا مرة من احد شركائه في القائمة من ان الاخير صاح في محضر نواب كثيرين بصوت عال، واشار اليه غمزا ‘لا احد انتخب احدا، كلنا جئنا بالواسطة’.

نائبنا بدأ، منذ حين، مشغولا في مصيره (مصير مقعده النيابي طبعا!) في الانتخابات المقبلة، فدخلت حساباته في سلسلة من الاضطرابات، وبخاصة ما تعلق منها بالجمهور، ثم تلقى نصائح بوجوب التخلي عن خيار البرلمان لأن الجمهور الذي يفترض ان يصوت له غير راض عليه، بل ان سمعته صارت بالمزبلة، تلاحقها الشائعات من كل صوب، لكن كيف له وان الدولة خصصت له عشرة ملايين دينار رواتب لحمايته الشخصية، في حين انه يحتفظ بـاربعة عشر شرطياً من جهاز الشرطة في المحافظة التي ينتسب لها، وتدفع لهم رواتب بحدود 12 مليون دينار، هذا عدا عن امتيازات دورية ومخصصات تغطي شبكة الاتصالات واسطول الحماة والمرافقين والحبربشية الذين يديرون اعمالا ومصالح، لا احد يعرف مصيرها جميعا حين ينشمر صاحبنا خارج قبة البرلمان.. الى حالة انعدام الوزن.

ـــــــــــــــــــ

كلام مفيد:

‘لدى كل واحد منا سببان لعمل شيء ما.. سبب جيد، وآخر حقيقي’.

توماس كارلايل