الرئيسية » مقالات » الملف الكوردي … من جديد

الملف الكوردي … من جديد






مـع انتهاء الحرب الكونيـة الأولى وضعت مـلفـات شعوب كثيرة على الـرف، واقتضـى أمر إعادتها إلى واجهـة الأحداث تغييـرا جوهريا في النظام العالمي وتطـورا كبيـرا في المفـاهيـم والاتجـاهـات وحتى في شكل وطبيعة المصالح الأساسية للقوى المؤثـرة وسبل تأمينهـا، إضافة إلى أنـهـار من الدمـوع والدمـاء وآلاف الضحـايا التي قدمتهـا الشعوب والقوميات التي شاءت مصالح المنتصرين في الحـرب أن تضعها في الخانة السوداء ،وكان الشعب الكوردي بملايينه العديدة وبما يملكه من ثروات طبيعية هائلة وأراضي شاسعة اكثر شعوب الشرق تضررا، خاصة بعد معاهدة لوزان التي كرست تمزيق كوردستان ودفنت عمليا كل الآمال والمطاليب العادلة للشعب الكوردي والتي سبق لمعاهدة سيفر أن أقرت البعض منها ، واصبح الملف الكوردي ملفا داخليا لمتمردين وعصاة وخارجين على القانون لا اكثر، ملفا تتعامل معه الدول المقتسمة لكوردستان كما تشاء دون أي اعتبار لأية قوانين أو أعراف أو أي شكل من أشكال التعامل الإنساني،ولم تعرف الإجراءات التعسفية هذه أية حدود في سبيل إلغاء الهوية الكوردية ومسحها من على خارطة الشرق الأوسط ومن تاريخ المنطقة ووجدان شعوبها، فتركيا على سبيل المثال منعت على امتداد سبعين عاما ، بحكم القانون وأمام أنظار الرأي العام العالمي، مجرد الحديث باللغة الكوردية ، ولم تمر إطلاقا عشر سنوات دون أن تشهد كوردستان هنا أو هناك مجازر جماعية وتدمير للبنى التحتية وتهجير قسري ومحاولات مستمرة لتغير التركيبة الديموغرافيه وحتى استعمال الأسلحة الكيماوية والبايولوجية. لقد اقتضى الأمـر حوالي قـرنا من الزمن العصيب لكي يستطيع الشعب الكوردي أن يعيد مـلـف قضيته إلى واجهة الأحداث ساعدته في ذلك ، إضافة للتضحيات والمقاومة المستمرة، ما يسمى اليوم بالعولمه، بما لها وعليها، وتحول عالمنا هذا إلى قرية كونية صغيرة لم يعد من الممكن تجاهل الجرائم المروعة التي تحدث في أحيائها أو حتى التستر عليهاخاصه والبشريه تخطو خطواتها الأولى في عالم يؤمن بالحوار والحلول السلمية وتدشن عهدا جديدا يتميز بالامتعاض الشديد على مستوى عالمي من العنف بكل أشكاله .

صحيح إن المـلف الكوردي لم يصبح بعد مـلفا ساخنا، ولا يزال يعرض تحت يافطة الدفاع عن حقوق الإنسان، ولكنه موجود على طاولات مهمة في عالم اليوم، يحتمل الاستفادة منه كما يحتمل استغلاله في اكثر من مجال واتجاه باعتباره أحد الملفات المرشحة إقليميا للبروز على ساحة الأحداث إذ يعود لما يقارب ال (30) مليون إنسان يحتلون قلب الشرق الأوسط ويعيشون حالة من الحرمان الشبه المطلق من كل الحقوق الإنسانية، والسؤال المهم هو : ألم يحن الوقت الذي تمنح فيه شعوب المنطقة ودولها ، هذا الملف، الأهمية التي يستحقها، قبل أن يصبح الحديث عن أي أمن إستراتيجي قومي أو إقليمي في المنطقة متأخرا عن سياق الأحداث وتطوراتها ؟ خاصة والحركة الوطنية الكوردية ، بفصائلها المختلفة، تعي اليوم حقيقة أن مرحلة اللجوء إل العنف مقابل العنف في طريقها إلى الزوال وان لا سبيل إلى حل القضايا العالقة إلا باللجوء إلى الكفاح السلمي، الديموقراطي، الجماهيري واستعمال لغة الحوار والمجادلة بالتي هي احسن، الأسلوب الذي يفرض نفسه كلغة للقرن إلحادي والعشرين ويحوز على قبول عام، هذا بالإضافة إلى الإرث التاريخي الذي تملكه الحركة الوطنية الكوردية، ارث الدعوة إلى الكفاح المشترك والتآخي والتعاون بين شعوب المنطقة وصياغة المطاليب الكوردية المشروعة في إطار الوحدة الوطنية للدول التي تقتسم كوردستان .

إن مصالح شعوب المنطقة وطموحاتها المشروعة في امتلاك مستقبل افضل وضمان السلام والأمن الإقليميين تفرض تناول ومعالجة الملف الكوردي بعقلية عصرية جديدة تحترم حقوق الإنسان وحرياته الاساسيه خاصة بعد أن أثبتت تجربة قرن من الحروب العنصرية الظالمة ضد الكرد انه ليس فقط من المستحيل إلغائهم من على خارطة المنطقة وذاكرة شعوبها ، بل اصبح من المستحيل أيضا الوقوف في وجه تحقيق مطاليبم المشروعة التي تحظى بدعم لم يسبق له مثيل في التأريخ الكوردي المعاصر ،رغم ضالته، من جهات مختلفة ولأسباب مختلفة .

أن التمسك بالقول بأن خارطة الشرق الأوسط غير قابلة للتغيير وأن القوى الإقليمية والدولية لن تسمح بذلك هي من باب التمنيات والرغبات الذاتية وتحقيق المصالح الانيه للجهات التي تروج لمثل هذا الادعاء، مثلهم كمثل الذين كانوا يدعون خلود الاتحاد السوفيتي ونجاح تجربته في كل أنحاء العالم !!!فليس هناك ما هو مقدس في هذه الخارطة أمام هجمة المصالح وليس هناك أي منطق في الإبقاء على منطقة مزروعة بالألغام إلى ما لانهاية، سيما وأن تفجيرها قد يؤدى إلى نتائج كارثيه غير محسوبة العواقب . المصالح هي الدائمة والسؤال هو مالذى يمكن أن يحدث عندما تتعرض هذه المصالح للخطر؟

حقيقة أن عصر الدويلات الصغيرة الضعيفة قد ولى وها هي أوروبا بكل ما تملكه من قوى بشريه وتقنية متطورة، ورغم جراحات الماضي القريب وحربين عالميتين، تتجه نحو التوحد لمواجهة متطلبات المستقبل وضمان حياة كريمة لمواطنيها، ولكن الوحدة الأوروبية وأي وحدة حقيقية أخرى ، لا تستطيع أن تقوم إلا على الاتحاد الاختياري الحر والمساواة التامة في الحقوق والواجبات في مجتمع مدني ديموقراطي يحترم إرادة الإنسان وحقوقه، وهو كل ما تحتاجه دول المنطقة لمعالجة الملف الكوردي معالجة صائبة تحمى المصالح الاستراتيجية لشعوبها، بدلا من اشغالها ولعقود طويلة قادمة بالحروب والاقتتال الداخلي وبما ستجره من ماسي وخسائر بشرية واقتصادية.

إن تجاهل الملف الكوردي ومحاولة وضعه على الرف لن يجدي أي طرف، فهو موجود على الأرض، والقول بان الكرد لا يملكون أية أوراق قوية في اللعبة الإقليمية والدولية لم يعد صحيحا تماما.
أن كل ما تحتاجه حكومات المنطقة هو قليلا من الشجاعة الانسانيه للاعتراف بحق الآخرين في الحياة الحرة الكريمة بعيدا عن التنظيرات القومية العنصرية والأيدلوجيا المتخلفة، وهو جوهر كل المطاليب التي يتضمنها الملف الكوردي الذي يسير ببطء ولكن بثبات نحو واجهة الأحداث في المنطقة .
KRG.ORG