الرئيسية » مقالات » موقف غير عادل من قضية عادلة..!؟

موقف غير عادل من قضية عادلة..!؟

أقسى ما يواجهه الإنسان، أن تختلط مشاكله مع مشاكل الآخرين؛ أن يكون نفسه سبباّ لذلك الإختلاط، أو أن يكن الآخرون سبباّ له، أو أن تكن جميع الأطراف ضالعة في المشكلة نفسها..!!

فحالة التأزم الذي تعرضت لها العلاقات العراقية – التركية، وما تمخضت عنه إجتماعات مؤتمر إسطنبول من نتائج، والخطوة الإيجابية التي أقدمت عليها قيادة حزب العمال الكوردستاني بإطلاق سراح الجنود الأسرى، والتطمينات التي تشير اليها تصريحات المسؤولين العراقيين حول “النجاح” الذي حققه المؤتمر؛ رغم كل ذلك، فإنه من السابق لأوانه، التكهن بما سيؤول اليه مصير هذه العلاقات ومستقبلها..!

فالحشود العسكرية التركية على الحدود، ما زالت تشكل عامل ضغط وتهديد مستمرين، واللقاء التركي الأمريكي (بوش-اوردغان)، جاء داعماّ للموقف التركي، وأسس لتوافق (تركي- أمريكي- عراقي) جديد من وجهة النظر الأمريكية. أما على الصعيد الميداني، فما إنفكت المدفعية التركية تدك القرى العراقية الحدودية بين الحين والآخر؛ أما الخيار العسكري فلا زالت رايته تخفق عالياّ فوق رايات التهدئة والحوار وإشاعة السلم في المنطقة..!

كل ذلك قد رسم للمشهد القائم، صورة ضبابية الأبعاد كما تبدو في ظاهرها؛ صورة يغلب عليها، تشابك المصالح والأهداف وقد إختلط فيها، الحق بالباطل، البسيط بالمركب، الوطني بالقومي، الخاص بالعام، النضال بالإرهاب، حتى بات من الصعب تبسيطها وفك تشابكها..!؟

فقد حاول البعض ، وعلى هامش أعمال المؤتمر، وفي المقدمة، الولايات المتحدة الأمريكية، إختزال الأمر وتكييفه، الى مجرد عمليات “إرهابية” تمتهنها مجموعة من “الخارجين على القانون” ممن يحتمون بالجبال، متجاهلة كل أبعادها السياسية والإجتماعية أوالوطنية والقومية، كما إنتزعت، كل ما يمت بصلة لإصول ومنشأ الحركة النضالية لحزب العمال الكوردستاني وعلاقتها بمجمل نضال الشعب الكوردي في تركيا من أجل حقوقه المشروعة، حيث تمسك غالبية من حضروا مؤتمر إسطنبول، بأمر واحد فقط، وهو إلصاق صفة “الإرهاب” بنشاطات الحزب المذكور، بمن فيهم الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، وهذا ما يثير الدهشة والإستغراب؛ فالمسألة في جوهرها، مسألة داخلية تركية، أستدرج إليها الطرف العراقي، مرغماّ لا بطلا، وجرى ويجري توظيفها كورقة ضغط لمقاصد أخرى معروفة..!؟

فمهما تكن عليه مواقف الأطراف الأخرى، وبالذات الجانب العراقي (الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم)، من واقع التحشيدات التركية ودوافعها من جهة، ومدى صواب أو خطأ الإسلوب الذي ينتهجه حزب العمال الكوردستاني التركي في نضاله من أجل حقوق الشعب الكوردي في تركيا من جهة أخرى، فالأسباب التي تقف وراء هذه المواقف لم تعد بحاجة الى التحليل أوالتأويل، فحجم الضغوط التي يتعرض لها الجميع، وحده كافياّ لمعرفة أسباب ذلك..!

المهم في الأمر، هو الموقف السلبي للشرعية الدولية، ممثلة بأمينها العام والأعضاء الدائمين لمجلس الأمن من الأزمة القائمة، وذلك بتوصيف مجمل ما يجري على الحدود العراقية التركية بأنه مجرد نشاطات “إرهابية” ينبغي وقفها؛ وهو لعمري، موقف فيه من المحاباة للدولة التركية، ما يمثل غمطاّ لحقوق شعب يربو تعداده على العشرين مليوناّ ويشكل 30% من نسبة السكان، ويمنح حكومتها، دعماّ قوياّ في مواصلة السير بنفس طريق السياسة القمعية ضد هذا الشعب، بعيداّ كل البعد عن النظر الموضوعي لجذر المسألة وأسبابها الحقيقية..!؟

لم تحاول الشرعية الدولية، حتى من باب ذر الرماد في الأعين، أن توجه ولو كلمة واحدة تبدي فيها إشارة أو حتى تلميحاّ الى الحكومة التركية تدعوها فيه، الى ضرورة إعطاء فرصة للسلام، وتحثها على الإعتراف بحقوق الشعب الكوردي وحل المسألة القومية بالطرق السلمية، بل ولم تسهم أيضاّ، بأية مبادرة لإيجاد مخرج من الأزمة..!؟

فمهما كان لإشكالية تواجد حزب العمال الكوردستاني من خصوصية على صعيد العلاقات الدولية والقانون الدولي في الوضع الحالي، فإن ذلك لا يبرر طمس حقيقة نضال الأمة الكوردية في تركياّ، وتواجد الحزب جزء من هذا النضال، بذريعة تمسكه بالأساليب العنفية في هذا المضمار، والتغاضي في الوقت عينه، عن إجراءات الحكومة التركية البوليسية والعسكرية المبالغ فيها ، والتي لا تتناسب مع حجم الفعل المعاكس على الصعيد الميداني..!؟

وأيضاّ، ما تمثله حشودها الجبارة، من عوامل التهديد والضغط على جارتها الجنوبية العراق، وما تزرعه من خوف ورعب وقلق في نفوس العراقيين، الذي يبدو بعيداّ كل البعد عن حق الدفاع الشرعي الذي تتذرع به السلطات التركية، والذي يفترض سلفاّ، إذا ما إفترضنا صحة هذا الإدعاء، وجود عدوان مسبق من الجانب العراقي على أمن الأراضي التركية، بل هو في الحقيقة، يشكل وبالعكس، حالة إرهابية وتهديداّ بالعدوان تمارسه الحكومة التركية، ضد دولة جارة، تمتلك معها الكثير من علاقات الصداقة والتعاون، التي تساعد على تعزيز روابط الثقة وحسن الجوار..!؟

ولا أريد هنا أن أذهب بعيداّ في الحديث عن الدوافع والأهداف التي تقف وراء ذلك، أو عن المصالح المشتركة للأطراف الأخرى الداعمة للموقف التركي من دول الجوار، ولا البحث في التفسير التركي للمسألة القومية في تركيا، فقد جرت الإشارة الى ذلك من قبل الكثير من الكتاب والمتابعين ومن قبلي فيما سبق، ولكني وإختصاراّ للأمر أقول: هل من العدل أن يقارن نضال شعب من أجل حقوقه المشروعة، مثل الشعب الكوردي في تركيا، بما تمارسه منظمة القاعدة الدولية من نشاطات إرهابية، وأن يصنف هذا النضال في عداد “الحرب على الإرهاب” التي تقوده أمريكا عالمياّ، على حد إدعاء الحكومة التركية..؟! (1)

خلاصة القول ؛ فإن الشرعية الدولية وأمينها العام ، وللأسف أشير: قد وقفا موقفاّ غير عادل من قضية عادلة، في الوقت الذي كان ينبغي على المنظمة الدولية، طرح مبادرتها لنزع فتيل الأزمة، ومطالبة الحكومة التركية الجنوح للحلول السلمية، ودعوتها الى سحب حشودها من الحدود العراقية، كبادرة حسن نية، لما تشكله من تهديد لأمن دولة جارة عضو في هيئة الأمم المتحدة، ولتعارضه مع المباديء العامة لميثاقها ، والبدء بالسعي لتفعيل دور المجتمع الدولي في حل المسألة الكوردية في تركيا بالطرق الديمقراطية وبرعاية الأمم المتحدة ومبادرتها، حفظاّ للسلم والأمن الدوليين في المنطقة وتجنيب شعوبها ويلات الحروب..!؟

أما ذريعة “الإرهاب” التي تلاحق نضال حزب العمال الكوردستاني التركي، فإن ما سيرسمه هذا الحزب وما سيقدم عليه من سياسات واقعية ومنطقية وعقلانية متوازنة على الصعيد الميداني، وهو مدعو لذلك، تأخذ بالإعتبار طبيعة الظروف التي تعيشها الأمة الكوردية في تركيا، وفي باقي دول الجوار، وحدها كفيلة أن تسحب البساط من تحت أقدام مروجي هذه الذريعة، وتمنح الشعب الكوردي في تركيا فرصاّ أكبر في تعزيز نضاله من أجل حقوقه المشروعة، وتفتح آفاقاّ أوسع أمام التيار الديمقراطي لدى الشعب التركي والشعوب الأخرى وشعوب ودول الإتحاد الأوروبي بالذات، لدعم هذا النضال، وقطع الطريق على صيادي المياه العكرة، والمتربصين من ذوي النزعة العسكرية القومية الشوفينية في تحقيق ما يبتغوه..!
____________________________________________________________________

(1) http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=1086