الرئيسية » مقالات » ماركس التحرري ؟

ماركس التحرري ؟

يعتبر بيان ماركس الشهير “الحرب الأهلية في فرنسا” الذي كتب باسم المجلس العام لمنظمة العمال الأممية بعد يومين من سحق كومونة باريس , نصا ملهما بالنسبة للتحرريين . و هو يكتب باسم الأممية الأولى التي تمتع فيها باكونين بنفوذ هائل , قام ماركس في هذا البيان بمراجعة لبعض مقاطع البيان الشيوعي لعام 1848 . طور ماركس و أنجلز في البيان الشيوعي تصورا عن التحول البروليتاري عبر عدة مراحل . ستكون المرحلة الأولى الاستيلاء على السلطة السياسية , بفضل هذا الاستيلاء ستتم مركزة أدوات الإنتاج و وسائط النقل و الجهاز المصرفي “شيئا فشيئا” بأيدي الدولة . فقط بعد فترة طويلة من التحول , عندما يختفي الأعداء الطبقيون و تفقد سلطة الدولة طبيعتها السياسية , عندها فقط يمكن تركيز كل الإنتاج بيد “الأفراد المتشاركين” بدلا من أيدي الدولة . في هذا الشكل الأخير التحرري من الاتحاد سيكون التطور الحر لكل فرد هو الشرط للتطور الحر للجميع .
كان باكونين , على عكس الاشتراكيين الفرنسيين , على دراية بالبيان الشيوعي بلغته الألمانية الأم منذ عام 1848 و لم يفوت أية فرصة لينتقد الطريقة التي جرى بها تقسيم الثورة إلى مرحلتين – ستكون الأولى خاضعة لسلطة الدولة بشكل قوي جدا . لقد صاغ نقده هكذا : “ما أن تعين الدولة نفسها كمالك وحيد للأرض…فإنها ستكون أيضا الرأسمالي الوحيد , المصرفي , المرابي , منظمة و مديرة كل عمل الشعوب و موزعة منتجاتها . هذا هو المثال الأعلى , المبدأ الأسمى للشيوعية المعاصرة “. ما هو أكثر من ذلك : “ستتألف هذه الثورة من الاستيلاء على ملكية ملاك الأرض و الرأسماليين الحاليين , إما عبر مراحل أو بالعنف , و استملاك كل الأرض و رأس المال من قبل الدولة , و التي كي تؤدي مهمتها العظيمة في المجالين السياسي و الاقتصادي , عليها أن تكون حتما قوية جدا و شديدة المركزية . عبر مهندسيها الموظفين و عبر الجيوش المنضبطة لعمال الريف تحت إمرتها ستقوم الدولة بإدارة و توجيه زراعة الأرض . و في نفس الوقت ستؤسس على أنقاض كل البنوك الحالية بنكا واحدا لتشرف على مجمل الإنتاج و كل نواحي تجارة الشعب “. و مرة أخرى “لقد أبلغونا أنه في دولة ماركس الشعبية لن توجد أية طبقة ذات امتيازات . سيكون الجميع متساوين , ليس فقط قانونيا و سياسيا , بل أيضا من وجهة النظر الاقتصادية . على الأقل هذا هو الوعد , رغم أنني أشك جدا , آخذين بعين الاعتبار الطريقة التي يعملون بها و خطتهم المقترحة , أن هذا الوعد يمكن الوفاء به . ظاهريا لن توجد أية طبقة ذات امتيازات , لكن ستوجد هناك حكومة , و انتبه جيدا للتالي , حكومة تزداد تعقيدا , التي سوف لن تحكم و تدير الجماهير فقط بالمعنى السياسي , كما تفعل كل الحكومات الحالية , لكنها أيضا ستتحكم بالاقتصاد و ذلك بأن تركز في يديها كل الإنتاج و توزيع الثروة و زراعة الأرض و مؤسسات الحرف و تطويرها و تنظيم و السيطرة على التجارة و أخيرا استعمال رأس المال في الإنتاج عبر البنكي الوحيد : الدولة “.
تحت تأثير نقد باكونين شعر ماركس و أنجلز بالحاجة إلى تصحيح الأفكار الدولتية ( أي المتمركزة أو المتعلقة بالدولة – المترجم ) أكثر من اللازم التي حملاها في عام 1848 . في مقدمة لطبعة جديدة من البيان الشيوعي بتاريخ 24 يونيو حزيران 1872 اتفقا أنه “في نواح كثيرة” فإنهما كانا سيستخدمان “تعابير مختلفة” عن النص موضع الدراسة في عام 1848 . لقد صرحا عن دعمهما لهذه المراجعة في ( من بين أشياء أخرى ) “الخبرة العملية التي تم اكتسابها أولا في ثورة فبراير شباط ( 1848 ) , و فيم بعد أكثر حتى في كومونة باريس , عندما أمسكت البروليتاريا السلطة السياسية و لأول مرة لمدة شهرين كاملين”. لقد توصلا للاستنتاج أن “هذا البرنامج أصبح في بعض تفاصيله متقادما”. شيء واحد خاصة تم إثباته من قبل كومونة باريس , أنه لا يمكن للطبقة العاملة أن تضع يدها ببساطة على ماكينة الدولة المتشكلة سابقا و أن تستخدمها لأغراضها” . و كان بيان 1871 قد أعلن أن الكومونة هي “الاكتشاف الأخير للشكل السياسي الذي يمكنه أن يؤدي على الانعتاق الاقتصادي للعمال”.
في ترجمته لحياة كارل ماركس يشدد أيضا فرانز مهرينغ أنه عند هذه النقطة “الحرب الأهلية في فرنسا” , إلى حد ما , فإن ماركس قد قام بمراجعة البيان الشيوعي حيث تنبأ بانحلال الدولة حتما , و لكن فقط كعملية طويلة المدى . فيما بعد , بعد وفاة ماركس يؤكد لنا ليهنينغ أن أنجلز , في صراعه ضد التيارات الأناركية , قد أسقط هذا التصحيح و عاد إلى الأفكار القديمة للبيان الشيوعي .
إن هذا التغير المفاجئ في الاتجاه السريع إلى حد ما لكاتب بيان 1871 يربط دوما باستثارة التشكك عند باكونين , لقد كتب باكونين عن الكومونة :”لقد كان لها تأثيرا هائلا في كل مكان لدرجة أنه حتى الماركسيين , الذين أثبتت الثورة خطأ أفكارهم , وجدوا أن عليهم أن يرفعوا قبعاتهم احتراما لها . لقد فعلوا أكثر من ذلك , على الضد من أي منطق حتى أشده بساطة و من مشاعرهم الحقيقية , فقد زعموا أن برنامجها و هدفها هو برنامجهم و هدفهم هم أيضا . هذا تشويه مضحك , لكنه كان ضروريا . كان عليهم أن يقوموا بهذا – و إلا فقد كان عليهم أن يواجهوا خطر السقوط و النبذ , كانت هائلة جدا المشاعر التي حركتها هذه الثورة في كل إنسان “.
لاحظ باكونين أيضا “قد يظهر أن أنجلز , في مؤتمر هاغ ( أيلول سبتمبر 1872 ) كان خائفا من الانطباع الهائل الذي سببته بعض صفحات من البيان الشيوعي , و أعلن بحماسة أنه قد أصبح وثيقة لاغية , و أنهما ( ماركس و أنجلز ) قد تخليا عن أفكاره . إذا كان قد قال هذا فإنه كان يكذب , لأنه قبل المؤتمر مباشرة كان الماركسيون يفعلون كل ما بوسعهم لنشر هذه الوثيقة في كل بلد “.
استجاب جيمس غيلوم , رفيق باكونين في فيدرالية جورا , عند قراءته بيان 1871 بعبارات مشابهة :”إنه إعلان مبادئ مثير للدهشة , حيث يبدو أن ماركس قد ألقى برنامجه جانبا لحساب الأفكار الفيدرالية . هل كان هناك تحول حقيقي لكاتب رأس المال , أو أنه انصاع بأي ثمن للحماسة الخاطفة تحت قوة الأحداث ؟ أو أنها كانت خدعة , تهدف إلى استخدام الالتزام الظاهري ببرنامج الكومونة للفوز بالمكانة الرفيعة المرتبطة بهذا الاسم ؟ “.
في أيامنا , آرثر ليهنينغ , الذي ندين له بالطبعة المعروفة من أرشيف باكونين – و الذي يستمر إصداره – شدد أيضا على التناقض بين الأفكار الواردة في البيان عام 1871 و بين سائر كتابات ماركس الأخرى : “من سخرية التاريخ أنه في اللحظة الفعلية التي بلغ فيها الصراع بين الفصائل التسلطية و اللا تسلطية في الأممية الأولى أقصاه فإن ماركس , بفعل الأثر الهائل لانتفاضة البروليتاريا الباريسية الثورية , قد تحدث عن أفكار تلك الثورة ( التي كانت مناقضة تماما لما يمثله بالفعل ) بطريقة يمكن أن نسميها ببرنامج القسم المعادي للتسلطية الذي كان يحاربه ( داخل الأممية ) بكل الوسائل الممكنة…لا يوجد شك في أن البيان الرائع للمجلس العام …لا يمكنه أن يجد أي مكان له في منظومة “الاشتراكية العلمية” . إن بيان الحرب في فرنسا هو مضاد للماركسية إلى أبعد حد…لا يوجد أي شيء يجمع كومونة باريس مع دولة ماركس الاشتراكية , التي كانت أقرب بكثير إلى أفكار برودون و نظريات باكونين الفيدرالية…حسب ماركس , كان المبدأ الأساسي للكومونة أن المركزية السياسية للدولة يجب أن تستبدل بالعمال الذين يحكمون أنفسهم , و بانتقال المبادرة إلى فيدرالية من وحدات صغيرة ذاتية التسيير , حتى هذا الوقت كان من الممكن وضع الثقة في الدولة…لم تهدف كومونة باريس إلى أن تترك الدولة “تختفي” لوحدها , بل أن تقوم بإزالتها فورا…لم يعد إلغاء الدولة النتيجة النهائية الحتمية لعملية ديالكتيكية تاريخية , لمرحلة متقدمة من التطور الاجتماعي , التي تشترط هي نفسها بصيغة أرقى من الإنتاج “.
يضيف ليهنينغ أن “كومونة باريس قامت بإلغاء الدولة بدون أن يؤثر ذلك في أي من الشروط التي استخدمها ماركس سابقا كمقدمة لإلغائها…لم تكن هزيمة الدولة البرجوازية بيد الكومونة بغرض تنصيب دولة أخرى مكانها…لم يكن هدفها بناء ماكينة دولة جديدة , بل استبدالها بتنظيم اجتماعي يقوم على أساس الفيدرالية الاقتصادية…في “الحرب الأهلية” لم تكن القضية في ترك الدولة “تختفي لوحدها” , بل في الإلغاء الكامل و الفوري للدولة “.
كذلك فإن دارس الماركسية ماكسيميلين روبل يعترف أنه : “من المسلم به أن فكرة ماركس عن استيلاء البروليتاريا و إخضاعها للدولة وجدت صيغتها النهائية في بيانه عن كومونة باريس , و أنها كذلك تختلف عن الفكرة الواردة في البيان الشيوعي”.
على أنه هناك اتفاق بين اثنين من الدارسين : ليهنينغ , الذي , عن صواب أو عن خطأ , يرى في ماركس شخصا “تسلطيا” , و يؤكد أن البيان هو “جسم غريب في الاشتراكية الماركسية” , في حين أن روبل , على الطرف الآخر , يحب أن يرى في ماركس الشخص “التحرري” , و يرى أن الفكرة الماركسية قد وجدت “صيغتها النهائية” في البيان .
لكل هذا فإن بيان 1871 سيبقى ينظر إليه على أنه نقطة انطلاق في الجهود الحالية لإيجاد تحليل بين الأناركية و الماركسية , و كإثبات أول أنه من الممكن إيجاد مصالحة مبتكرة بين اتجاهين للتفكير . فالبيان هو حقا ماركسي تحرري .

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.spunk.org/library