الرئيسية » مقالات » عن البشر العاديين

عن البشر العاديين

كثيرا ما يكون الكلام عن التغيير غريبا عما يدور حولنا و نحن نرى الانتهازية و “التكيف” القائم على طأطأة الرؤوس و الانخراط في عملية التصفيق للنظام و ما يرافق مناسباته من هرج و مرج , يطرح هذا أسئلة أساسية جدا على محاولتنا تفسير ما يجري والبحث عن المخرج إلى فضاء الحرية من سجن النظام , أسئلة عن دلالة ألفاظ كالإنسان و الشعب و السلطة و المجتمع في أرض الواقع الفعلي..هناك بالتأكيد أزمة بين المستوى التنظيري و الحالة القائمة فعليا بين الإحساس بضرورة التغيير و مقاومة سياسات النظام و تدميره لحياتنا و إعادة بناء الواقع وفقا لقيم أكثر حرية و عدالة و بين اختيار غالبية الناس الرضوخ لقمع النظام و محاولة “تدبير الأحوال” من داخل حالة القهر و الفساد التي يشكلها و يفرضها..لماذا ما يزال معظم “الشعب” أو “المجتمع” بعيد عن التحرك وفقا لهذه القناعات أو هذا الإيمان و كيف الطريق إلى تجاوز حالة العطالة هذه التي يستفيد منها النظام و “أعداؤه” الذين يتنافسون على مصير هذا البلد و الشعب و يواصلوا لعبة القط و الفأر هذه في غياب الناس أو أي حالة فعل جدي للمجتمع..ما الذي يجعل , و حتى هذه الساعة , من الأسهل على الإنسان أن يسلك طريق الرشوة و الانخراط الانتهازي في لعبة النظام و مؤسساته و الاستكانة لقبضة النظام الحديدية..في العراق بعد سقوط نظام صدام انطلقت حناجر الناس بلعن النظام “البائد” في محاولة للتطهر من تخاذل الممارسات الانتهازية الماضية و في تلك اللحظة التاريخية التي اختفى فيها النظام نتيجة فعل قوى خارجة عن هؤلاء الناس أنفسهم عاد الناس للانضواء تحت عباءة كل القيم و الانتماءات و الولاءات السابقة التي حلت مكان النظام و تماهت مع وظائفه السابقة , هنا لم يكن التفكير في المصير ليخرج عن السائد الموروث , كانت لحظة تاريخية لا تختلف عن ممارسات الاستسلام لقمع النظام , لحظة لم تشعر فيها الناس بوجودها أو باستقلالها أو حتى برغبة مؤثرة في العيش على نحو أفضل..يمكن أن نرصد ممارسات مشابهة للناس العاديين “الأعضاء هنا” في حالة التنظيمات السياسية المختلفة على اختلاف إيديولوجياتها – اليسارية و القومية و الإسلامية التي اعتبرت أن مهمتها تتجسد في رفع الجماهير إلى مستوى وعيها و اعتبرت نفسها نخبة مسؤولة عن التغيير القادم و مارست انضباطا صارما على مستوى القواعد فيما كان الحراك الذي شهدته يقتصر على طبقة القيادة هذا الحراك الذي أفرز انشقاقات مؤلمة في أكثر الأحيان انتهت بتشرذم بعض هذه التنظيمات خاصة القومية و اليسارية منها و اعتماد مبدأ التجانس المطلق في قيادتها و بالتالي إعادة إنتاج سيطرة هذه القيادات لسنوات طويلة تكاد تعادل سنوات حكم الأسد الأب الثلاثين أو تتجاوزها بالنسبة للبعض – مثال خالد بكداش..هذا المنطق من النخبوية الذي ينتج نخبا تضيق و تضيق حتى تقفل على نخب قيادية “تاريخية”..تتطلب هذه المقاربة النخبوية تضحيات قدمتها بلا شك طائعة مختارة العديد من كوادر هذه التنظيمات بما فيها من قياداتها لكنها تطلبت أيضا موقفا متفرجا إزاء تفعيل حراك جدي داخل المجتمع و فئاته و طبقاته وصل إلى درجة قيامها بقمع هذا الحراك عندما وصلت إلى السلطة كما في حالة الأنظمة القوميوية..في ظروف تاريخية خاصة عندما شهد هذا الشرق غزوات خارجية دموية كالغزوات الصليبية و المغولية كان من الغريب أيضا أن نجد الناس العاديين في حالة غريبة من العجز و الشلل حتى عن الدفاع عن النفس..كان هذا طبعا بالنسبة للبعض علامة على غضب السماء و جزءا أساسيا من سننها و هو بالنسبة لأستاذنا عبد الرحمن بن خلدون تغلب طبيعي لتجمعات بشرية ما تزال متمسكة بالعصبية على مجتمعات ضعفت عصبيتها..لكن ما أريد أن ألفت الانتباه إليه هو قضية مختلفة تماما..لقد تمحورت الحياة السياسية و الفكرية في الفترة السابقة على قدوم تلك الغزوات حول السلطة و توجهت المؤسسة الدينية غالبا – ما عدا بعض دعوات المعارضة التي أصبحت فيما بعد إما هرطقية أو خارج التعليم أو الممارسة السائدين لهذه المؤسسة – و معها النخبة المثقفة إلى الناس طالبة منهم الخضوع للسلطان و انتهت صيرورة السلطة السياسية إلى حالة شديدة المركزية حالة فردية تعتمد بشكل مباشر على القوة العسكرية و تتمتع بتأييد المؤسسة الدينية ما دامت تنتصر لمفهومها و رؤيتها للمقدس..كان الناس في حالة من التهميش و الجميع يطالبهم بالخضوع للأمر الواقع الذي تمت مساواته بإرادة الله..بعد ذلك نجد من ينتقد أداء هؤلاء المساكين على الغزوات الوحشية التي تعرضوا لها..كانت السلطة بجنودها المرتزقة هي المسؤولة عن حماية المدن و كانت لذلك تتعامل مع الواقع الاقتصادي و الاجتماعي في المناطق التي تسيطر عليها تماما كعصابة تفرض الخوات على الجميع و كانت هذه السلطة تتحالف مع المؤسسة الدينية التي أصبحت تعتبر السمع و الطاعة لأولي الأمر أساس الأمر الإلهي تجاه السلطة و كانت محاولات المعارضة قد انتهت إلى بناء دول مشابهة لا تختلف عن نموذج تلك التي انتفضت عليها أو أنها قمعت..كان الناس لا يملكون من أمرهم شيئا و كان الجميع يريد لهؤلاء الرعاع أن يبقوا في حالة قبول سلبي بالواقع..عندما جاء الغزاة و فشلت كل الوسائل التي كانت بأيدي النخب العسكرية و السياسية و المؤسسة الدينية في الدفاع عن البلاد الواسعة كان التصرف الطبيعي لهؤلاء الرعاع أن يبقوا متفرجين كما طلب منهم دوما أن يفعلوا..إن البشر اليوم في منطقتنا بل ربما في العالم في ذات الوضعية على الرغم من كل التقدم الهائل في كل شيء , إننا بشر يطلب إليهم الجميع السمع و الطاعة بشر يقال لهم أنهم لا يعرفون و لن يعرفوا كيف يتصرفوا بحياتهم ناهيك عن أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم و ليس علينا لكي ننجو بجلودنا من مصائب الدنيا و الآخرة إلا أن نواصل السمع و الطاعة من المهد إلى اللحد..هذه المقاربة تستدعي كما تخبرنا أحداث التاريخ انتصارات عشوائية و بالمقابل هزائم مرة في أغلب الأحيان..إننا اليوم نقف في مواجهة أنظمة فاسدة تقمعنا و تجبرنا على استجداء خبزنا بالاستخذاء لها و تحول مجتمعاتنا إلى سجن كبير , نقف دون حتى أدنى إحساس بإنسانيتنا و حقوقنا , نمارس ما مارسه الناس الفقراء و المهمشين على الدوام من التقاط للفتات و طأطأة للرؤوس , و الممتع هذه المرة أن الجميع , الجميع ربما من دون استثناء يتحدثون عنا , بذات الطريقة التي تريد لنا أن نبقى صامتين مشلولين , تماما كما كان الكثير من رجال الدين و أفراد النخبة المثقفة يلومون الناس المساكين على هزائم جنود السلطان المرتزقة و على استسلامهم للقدر الذي طالما بشرونا بالجنان لمجرد استسلامنا له كأمر إلهي لا سبيل لمواجهته أو رده..لنعد إلى قضيتنا , لو كنت مثلي من هؤلاء الناس الذين لا يملكون شركات كبرى و لا فضائيات , لست وزيرا و لا حتى موظفا مهما تستطيع أن تغرف كما تشاء من المال العام , أو ضابطا في جهاز استخبارات يقوم بحماية نظام ما , و لا من كبار المساهمين في شركات البترول العالمية , أو من كبار موظفي مؤسسات النقد العالمية , فإن عليك تماما كما هو واجب علي أن نبحث عن عالم مختلف يحقق لكل البشر أحلامهم خاصة في حياة كريمة و حرة……..