الرئيسية » التاريخ » تاريخ الأكراد في المراجع و الكتب الألمانية

تاريخ الأكراد في المراجع و الكتب الألمانية

جلس إبراهيم على الأرض ، ويداه ترتجفان ، وتجاعيد عميقة حفرت على جبينه . لا بسمة ترتسم على الوجه العظمي الشاحب للكردي ، والعينان فقدتا لمعانهما.

نشأ إبراهيم في قرية أوفالجيك من منطقة درسيم الكردية Dersim ، وهو رجل عجوزرليس له مستقبل.

ذات يوم ، هكذا يتحدث ، ترك الجنود مواقعهم في وسط قريتنا ، زمجروا وصاحوا علينا واتهموننا بأننا ساعدنا حزب العمال الكردستاني ب . ك . ك . ثم أشعلوا النيران في جميع البيوت و اقتادوا كل سكان قرية أوفالجيك إلى الساحة الرئيسية وأجبروا الرجال على خلع ملابسهم . وبعد ذلك هاموا علينا بالضرب الشديد أمام أعين النساء . ولحد هذا اليوم لن تزول هذه الإهانة العميقة عن روح و ذاكرة إبراهيم . هم فصلوا الرجال عن نسائهم ، واعتقدنا بأنهم سيقتلوننا جميعا ، إلا أنهم إختاروا بعض الرجال من بيننا و أخذوهم معهم إلى الجبال . وقد وجدنا جثث أصدقائنا فيما بعد .

قال الجنود بأنهم رموا بالرصاص إرهابيي حزب العمال الكردستاني ، وهكذا يقولون دائما في مثل هذه الحالات .

إضطر إبراهيم أن يبيع أغنامه بأقل قيمة وبأسعار رخيصة ، ثم رحل مع عائلته المكونة من عشرة أشخاص إلى أقربائه في إستانبول .

وقصته هي قصة مئات الآلاف من الأكراد الذين أزاحتهم دولة أتاتورك منذ سنوات بصورة منظمة عن مواطنهم التي نشأوا و ترعرعوا فيها في منطقة جنوب شرقي الأناضول .

وهكذا استمرت أنقرا في أغلب الأحايين من تاريخها بهذه الطريقة التقليدية القديمة للإمبراطورية العثمانية التي أجبرت ترحيل جماعات ضخمة من أراضيها و أخضعتهم تحت سيطرتها .

إن أرض الأناضول شبعت و ارتوت بدموع هذه الجماعات المشردة المطرودة . صرح أحد ممثلي قوات الأمن التركية بأن تركيا الحديثة قررت من خلال إخلاء البلاد من السكان القضاء على مشكلة الأكراد و تنظيمها و ذلك بتحويل المياه عن الميليشيات الكردية .

وقد أعلن الحاكم العام المسؤول عن المناطق الكردية أرنال أوركان طهرنا مناطق شاسعة كبيرة من جنوب شرقي الأناضول .

إعترفت وزارة الداخلية التركية في شهر تموز عام ١٩٩١ بتدمير ٥٤ قرية و ٣٠٤ كفرا . و في سبتمبر عام ١٩٩٢ طلب في حينه الرئيس تورغوت أوزل أثناء رحلته إلى منطقة الجنوب الشرقي من السكان المدنيين أن يغادروا كل المناطق الحساسة التي تحارب فيها ميليشيات حزب العمال الكردستاني ب.ك.ك. و منذ نوفمبر ١٩٩٤ إتبعت قوات الأمن إستراتيجية الأرض المحروقة بصورة منظمة . و بذلك أصبحت أجزاء شاسعة من كردستان أراضي ميتة. تشير معلومات المنظمة التركية لحقوق الإنسان أن قوات الأمن التركية أحرقت في الفترة الواقعة ما بين ١٩٩٠ و ١٩٩٣ المجموع الكلي ٢٣٧٨ قرية كردية.

وقد هرب ربما مليوني مواطن أو ربما أكثر . لم يكن هروب المواطنين الأكراد بسبب تدمير القرى فحسب ، بل لأسباب عدة مختلفة :
الفقر والشعور المتزايد بعدم الأمن و الأمان وكذلك إبادة قطعان المواشي والأغنام والتقييد الراديكالي لحرية التنقل أو تحطيم الغابات والبساتين والحقول والمزارع لا سيما قبيل موسم الحصاد أو بسب تسميم آبار مياه الشرب .

إزدحمت المدن وارتفع عدد سكانها كهياكل ضخمة ولم يكن بالإمكان السيطرة عليها أي أنها فلتت من السيطرة .

توجه حاكم مدينة هكاري يائسا برجاء إلى هيئة الصليب الأحمر الدولية طالبا منها إرسال مئات الخيم ، لأن المدينة لا تستطيع أن تستوعب حوالي ٥٥ ألف لأجئ من القرى المحيطة والواقعة على الجبال الرومانتيكية الوعرة من كردستان , على كل حال ، فإن عدد السكان سيرتفع إلى ثلاثة أضعاف في غضون سنوات معدودة , فمثلا كان عدد سكان ديار بكر عام ١٩٩٠ لا يزيد عن ٣٠٠ ألف مواطن ، أما الأن فإن عدد سكانها زاد عن المليون نسمة. فقط الفقراء تم تشريدهم إلى هناك .

فمن يستطع أن يضع كل ما يملك في سيارته ، فإنه سيرحل إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط .

تشير الإحصائيات إلى أن حوالي ٧٠٠ ألف كردي و كردية لجئوا إلى أدنة Adana ، ومعظمهم يسكن في الكراجات وبيوت إحتياطية وفي الخرائب والمباني التي لم ينتهي بناؤها ، بدون نوافذ و أبواب ، وأغلبها بدون جدران. سمحت قوات الأمن التركية لغيرهم أن يسكنوا في مخيمات أعدت لهم خارج المدينة و على أطرافها ، بحيث لا يمكن لميليشيات حزب العمال الكردستاني التوغل إلى داخل هذه المخيمات.

أما إبراهيم ، فعلى العكس ، فإنه إتجه إلى إستانبول . وهناك لم يجد له عملا ولو لبضع ساعات .
يقول إبراهيم : إني راعي أغنام و أستطيع التعامل مع الحيوانات و سكني لم يكن في المدينة .
تمتم إبراهيم بحسرة قائلا : لقد سلبوا مهنتي و أموالي و أملاكي و بيتي . وهو الأن مكسور الخاطر .
وهذا بالضبط هدف السياسيين في أنقرا ، كما قال أحد المحللين الإجتماعيين الأتراك .
هم يريدون حل مشكلة الأكراد و تحطيم إرادة الناس و خلط السكان .

وقد رحل أكثر من نصف ١٢ مليون كردي و كردية إلى غرب البلاد ، ربما رحل مليوني نسمة منهم إلى إستانبول . و من الطبيعي فإن حياتهم في المدينة ستسلب هويتهم . إن هذه الإستراتيجية تشبه اللعبة الخطيرة بأن يرمي أحد الخشبة فتعود إلى قاذفها ، كما صرح بذلك التركي المدافع عن حقوق الإنسان هيسنو أونديل

لأن الحكام في أنقرا يحملون بذلك النزاع مع الأكراد من جنوب شرقي الأناضول إلى المدن الكبيرة في البلاد . وان الدولة أخذت كل ما يملكون ، وهي لا تريد أن تعوضهم و تعطيهم شيئا .

وبهذه السياسة بإنهم ( الحكام ) يزرعون و يغذون في قلوب اللاجئين حقدا و كرها عميقين لهذه الدولة . والحكومة بتصرفها هذا توسع الهوة و الخلاف بين السكان .

تحدثت سيدة كردية عجوز قائلة : لقد عشنا دائما بسلام مع الأتراك ، إلا أن الدعاية الرسمية سممت الأجواء بحيث أن الأتراك في المدينة المجاورة لا يتحدثون معنا و يرفض عدد كبير من الأتراك تأجير شققهم و بيوتهم على الأكراد .

وغالبا لا يتم تعيين المختصين و المتخرجين الأكراد بسبب أصولهم العرقية القومية .

وهكذا ينمو اليأس و الخوف و الإستعداد للعنف و كذلك الحقد لدى الجانبين . والدولة لا تترك لنا أي خيار ، ولذلك نقوم بتنظيم أنفسنا في المدن ، صاح أحد الشبان الأكراد ، يجب علينا أن نرد على الإرهاب بنفس السلاح .

ماربورغ في ١٧ / ١٠ / ٢٠٠٤

راجع كتاب : :
Albert Metzger : Zum Beispiel Kurden, Lamuv, 1. Auflage 1999, S. 7-10