الرئيسية » مقالات » العرب وحقوق الشعوب الأصيلة-الآشوريون والأقباط نموذجاً

العرب وحقوق الشعوب الأصيلة-الآشوريون والأقباط نموذجاً

 إيلاف 9/11/2007
بعد مناقشات ومداولات هادئة، امتدت لسنوات طويلة حول تعريف الشعوب الأصيلة وتحديد المعايير الدولية الدنيا لحماية حقوقهم،أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس في 12 ايلول 2007،الاعلان العالمي لحماية حقوق نحو 370 مليونًا من السكان الاصليين في العالم. وقد شارك في التصويت 158 من أعضاء الجمعية العامة الـ 192 فأيد 143 منهم الاعلان مقابل اربعة صوتوا ضده و11 امتنعوا عن التصويت.
بلا ريب،أن(الأمم المتحدة) قدرت تعقيدات ومضاعفات تطبيق هكذا اعلان،لهذا، وعلى غرار الاعلانات السابقة الخاصة بحقوق الانسان الصادرة عن المنظمة الدولية،جاء الاعلان غير ملزماً ولا يملك القوة الاجرائية لالزام الدولة المعنية وتلك الموقعة عليه بتطبيقه.لكن مع هذا فأن مجرد صدوره يشكل خطوة أخرى متقدمة باتجاه تعزيز ثقافة حقوق الانسان والديمقراطية التي لم تعد شأناً داخلياً كما كانت في السابق وانما أمست قضية عالمية بفضل نمو الوعي الانساني وتحضره.وبصدور(الاعلان العالمي لحماية حقوق الشعوب الأصيلة) تؤكد المنظمة الدولية مجدداً على إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية،وعلى رغبتها الدائمة في تعزيز العمل بالمبادئ الواردة في جميع الصكوك و المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة والمتعلقة باحترام حقوق وحريات الانسان،افراد وجماعات، والقضاء على جميع أشكال التعصب و التمييز العنصري أو الديني أو القومي بين البشر،حيث المساواة والعدالة تعدان من أهم عوامل ودعائم السلم الأهلي أولاً والاستقرار العالمي ثانياً.كما أن أهمية هذا الاعلان لا تأتي فقط من اعترافه بحقوق شعوب ومجموعات بشرية منسية عانت كثيراً من ظلم وعسف الأغلبية، وانما ايضاً من كونه جاء في مرحلة تشهد توتراً وقلاقل وصراعات عرقية ودينية ومذهبية في مناطق مختلفة من العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط حيث يترعرع أنواع الأقليات القومية والدينية والمذهبية واللغوية. على الرغم من أن الاعلان جاء غير ملزماً وتضمن فقرة خاصة تؤكد على (الوحدة السياسية للدول المستقلة ذات السيادة) لكنه لم يبدد مخاوف دول عديدة، تضم شعوب اصيلة بنسبة كبيرة تخشى من تفاقم مشكلتهم داخل أراضيها مستقبلاً.اذ وجدت هذه الدول في بعض احكام الاعلان تحريضاً للشعوب الأصيلة على المطالبة بتقرير المصير والحق في الاراضي والموارد والمطالبة بتعويضات على ما تراه من (ظلم) مئات السنين.لهذا امتنعت بعض الدول المتخوفة من الاعلان عن التصويت عليه، مثل نيجيريا وبوروندي من افريقيا.و بعضها الآخر- معظمها دولة ديمقراطية تدعي احترام حقوق الانسان واردة الشعوب في تقرير مصيرها- اعترضت عليه بشدة وصوتت ضده، مثل استراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة وكندا.يبلغ تعداد السكان الاصليين في كندا نحو 3,1 مليون من أصل 7،32 مليون نسمة.في حين اشادت بالإعلان،الفيليبينية (فكتوريا تولي)، رئيسة منتدى الامم المتحدة الدائم لقضايا الشعوب الاصلية، وقالت: (( ان الاعلان يمثل نصرًا كبيرًا للشعوب الأصلية )).كما دافع (بان كي مون)، الأمين العام للأمم المتحدة، عن الاعلان بالقول:((هذا يوم نصر لجميع الشعوب الأصيلة، وغير الأصيلة، هذا يوم تاريخي، إنه أول اتفاق من نوعه بين شعوب الأمس وشعوب اليوم)).
يصف (مكتب حقوق الانسان)، التابع للأمم المتحدة، (الشعب الأصلي) بأنه هو الذي ولد وعاش وتوالد وصار جزء من مكان معين وله ثقافة وتاريخ معين، ويريد المحافظة على عاداته وتقاليده وثقافته، وهو الذي يعاني من الظلم لأنه يختلف عن الشعب الذي يسيطر على الحكومة، ولأنه ظل في نفس المكان قبل أن تسيطر على الحكومة الشعب الآخر. طبعاً لم نتمكن بعد من الاطلاع ومعرفة اسماء جميع السكان والشعوب التي أدرجتها أو صنفتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ضمن قائمة (الشعوب الأصيلة)،لكن التمعن والتدقيق في هذا التعريف أو المفهوم العام للشعب الأصيل نرى بأنه ينسحب على العديد من الشعوب القديمة في منطقة الشرق الأوسط،قلب العالم القديم، ومركز أهم ثلاث حضارات عالمية تاريخية عريقة تعود لأكثر من سبعة آلاف عام.الحضارة الآشورية (الأكادية/البابلية) في بلاد ما بين النهرين،الحضارة الفرعونية(القبطية) في وادي النيل، الحضارة الفينيقية /الآرامية/السريانية في سوريا الكبرى(الهلال الخصيب).جدير بالذكر أن الدول القائمة حالياً(مصر سوريا العراق)تحمل اسماء السكان الأوائل (الشعوب الأصيلة) بناة تلك الحضارات في هذه المناطق.مصر أخذت اسمها عن الأقباط، وسوريا عن السريان.والعراق عن مدينة (أور أو أوراك) المدينة الأكادية/البابلية.أن تحمل دول وأوطان ومناطق مهمة أسماء مجموعات سكانية متميزة عن الأغلبية (العربية)الحاكمة والسائدة فيها اليوم، لها سماتها الخاصة تتحدث بلغتها الأم واحتفظت بخصوصيتها الثقافية والاجتماعية والقومية وتتمسك بها، فضلاً عن أن الكثير من المدن والبلدات والأماكن في هذه الاوطان والمناطق مازالت تحتفظ بأسمائها التاريخية القديمة،لهو دليل منطقي و تاريخي قوي على أن هذه المجموعات البشرية هي ليست بشعوب طارئة أو وافدة، وانما هي شعوب أصيلة تقيم على أرضها وموطنها التاريخي،وكانت تدير شؤون حياتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية،قبل ان تغزوها وتتوافد لها شعوب وأمم أخرى العرب وغيرهم بقرون كثيرة. في ضوء هذه الحقائق والمعطيات التاريخية أرى أن من الاجحاف أن لا يصنف كل من الأقباط في مصر، والكلدوآشوريين(السريان) في كل من سوريا والعراق، كشعوب اصيلة تقيم وتعيش على أرضها التاريخية، موطن آباءها وأجدادها.وتالياً من الخطأ أن لا يشملهم الاعلان العالمي لحماية حقوق الشعوب الأصيلة الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لن ندخل في تفاصيل التطورات والتحولات التاريخية العالمية العميقة التي مكنت العرب المسلمين القادمين من شبه الجزيرة العربية،موطنهم الأساسي ومركز حضارتهم،من فرض سيطرتهم على معظم منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا والاحتفاظ بها،فهذا ليس موضوعنا.وانما ما نريد طرحه بمناسبة صدور الاعلان العالمي لحماية السكان الأصليين هو واقع حال ما تبقى من شعوب اصيلة(كلدوآشوريين/سريان، اقباط)- معظمهم من اتباع الديانة المسيحية- على أرضها متمسكة بثقافتها وهويتها الخاصة بعد قرون من حكم وسيطرة العرب المسلمين عليهم.اذ ليس من المنطق والمقبول أن تهمل أو تشطب قضية هذه الشعوب الأصيلة بذريعة كون العرب هم ايضاً يدخلون في خانة الشعوب الشرقية القديمة،تمكنوا من تعريب القسم الأكبر من هذه الشعوب الأصيلة وافقدوها الكثير من سماتها الخاصة.أو بحجة صمت وسكوت (السكان الأصليين) على حقوقهم وعدم تقديمهم شكاوي للأمم المتحدة بما يعانونه من مظالم تحت حكم الأغلبية العربية المسلمة.لا اعتقد يخفى على أحد عواقب أن تقدم مجموعة ما،بغض النظر عن هويتها، شكوى لدى جهة خارجية، أياً تكن هذه الجهة، على حكومة استبدادية غير ديمقراطية تتنكر لحقوق مواطنيها ولا تعترف بوجود الآخرين. حتى أن مجرد الحديث عن حقوق الانسان وطرح هموم ومشاكل الأقليات في هذه الدول هو مصدر ادانة وجريمة يعاقب عليها القانون.فالحكومات العربية المشبعة بالفكر القومي العربي والاسلامي الشمولي،هي لم تكتف بطمس والتنكر لوجود شعوب أصيلة و لمسألة الأقليات عامة فحسب، وانما وضعت خطط وبرامج عنصرية مختلفة لاقتلاع هذه الشعوب من جذورها و لتدمير ثقافتها الخاصة،كالتعريب القسري للجغرافيا وللتاريخ وللثقافة والتضييق عليها ودفعها للهجرة وترك وطنها. في العراق الديمقراطي الفدرالي الجديد وصل الاستخفاف بالآشوريين والمسيحيين العراقيين عامة،سكان العراق الأوائل، والنيل من كرامتهم الوطنية الى درجة اسقاط عنهم انتماءهم الوطني للعراق ووصفهم بـ(الجالية المسيحية) من قبل حكومة نوري المالكي في كتاب رسمي صدر عن رئاسة مجلس الوزراء.فبعد اجتماع لها مع اساقفة ورجال دين مسيحيين، لتلبية بعض حاجات الكنائس في بغداد، وجهت الامانة العامة لمجلس الوزراء الموافقة على مطالبها بكتابها المرقم ش و/8/1/3/42/1238 والمؤرخ بـ / 29 / 7 / ‏2007‏‏،وعممته الى الوزارات المعنية ومنها وزارة حقوق الانسان تحت عنوان (طلبات الجالية المسيحية في العاصمة بغداد).طبعاً،لا يمكن أن يكون مثل هذا الموقف المهين بحق المسيحيين العراقيين قد صدر خطأ أو حصل سهواً عن ديوان رئاسة مجلس الوزراء، وانما هو يعكس المستوى الهابط الذي انحدرت اليه الثقافة الوطنية والتشوه الكبير الذي أصاب مفهوم المواطنة من جهة، وطغيان الثقافة والأفكار الاسلامية، ليس لدى العامة في العراق وانما حتى لدى أعلى المستويات والنخب السياسية والطبقة الحاكمة في العراق من جهة أخرى.
قد يرى البعض في توقيع الدول العربية والاسلامية المحكومة بأنظمة دكتاتورية واستبدادية، على الاعلان العالمي لحماية حقوق الشعوب الأصيلة، خطوة متقدمة باتجاه احترام هذه الدول لحقوق الأنسان وحماية الأقليات والسكان الأصليين لديها،لكن الوقائع والممارسات اليومية تقول عكس ذلك تماماً. فعلى الرغم من توقيع معظم هذه الدول على الكثير من المواثيق الدولية ذات الصلة باحترام حقوق الانسان فأن التقارير الدورية الصادرة عن المنظمات الدولية المعنية بقضايا حقوق الانسان تؤكد على أن سجل هذه الدول في مجال الحريات السياسية والدينية وحقوق الانسان هو الأسوأ من بين دول العالم.ومازالت دساتير الدول العربية تتضمن مواد ونصوص تنتقص من حقوق المواطنة لغير المسلمين ولغير العرب وتحرمهم من تولي مناصب سياسية سيادية ومهمة.حتى الاهتمام الخجول الذي بدأت تبديه بعض هذه الدول مؤخراً بحضارة شعوبها القديمة والأصيلة وابرازها للعالم هو لأهداف وغايات سياحية بحتة ولا بأتي هذا الاهتمام في اطار الاعتزاز بها وترسيخها في الوعي الوطني والثقافة الوطنية لشعوبها كجزء أصيل من الحضارة الوطنية لبلادها.طبعاً،من غير المتوقع من أنظمة استبدادية لا تحترم دساتير بلادها ولا ارادة شعوبها،أن تحترم مواثيق دولية وقعت عليها تؤكد على مسؤولية كل دولة بحماية وجود الأقليات وهويتها القومية والثقافية والدينية واللغوية، وبتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية وتنميتها.غالباً أن توقيع الدول العربية والاسلامية على اعلان حماية الشعوب الأصيلة يندرج في سياق سياسة ايهام الذات وتضليل المجتمع الدولي بأن لا مشكلة أقليات وشعوب اصيلة لديها.فالعرب المسلمون، وكما يزعمون دوماً، هم الشعب الأصيل والسكان الأوائل وأصحاب الأرض أينما كانوا وحيثما حلوا واستوطنوا والآخرون هم الغرباء الوافدون.ربما هذا يفسر مرور صدور الاعلان العالمي لحماية حقوق الشعوب الأصيلة من غير أن يحظى بأي اهتمام من قبل الاعلام العربي والاسلامي، الرسمي والمعارض والمستقل.