الرئيسية » مقالات » عابراً وحده: إبراهيم عبد الملك، بين نظارتي أبيه المهجورتين وحيرة تفاصيل الغربة

عابراً وحده: إبراهيم عبد الملك، بين نظارتي أبيه المهجورتين وحيرة تفاصيل الغربة

السبت 10/11/2007

الكتاب: عابراً وحده. “مجموعة شعرية”.
المؤلف: إبراهيم عبد الملك، “شاعر عراقي مقيم في السويد”.
إصدار: دار الفارابي، بيروت.
الغلاف: لوحة للفنان والقاص سعيد فرحان.
تاريخ الإصدار: تشرين الثاني/نوفمبر 2006.

لا مفرَّ إذن
صار مجّاً حديثُ المساكينِ عن مدنِ الحلمِ..
مرَّ الفلاسفةُ المُتْعَبونَ هنا، أو هناكَ،
ومرَّ الكثيرُ من الأنبياءِ
ولم يلتفتْ للبلاغةِ أي جدارٍ
فماذا ستفعلُ بالشعر حاناتُنا والمقاهي؟

إبراهيم عبد الملك من جديد وهديله الشعري النبيل في مجموعته الجديدة “عابراً وحدَه.. شعر وما يشبهه”، الصادرة أوائل تشرين الثاني/نوفمبر 2006 عن دار الفارابي ببيروت. الشعر يضم ستاً وعشرين قصيدة، أما ما يشبه الشعر فهي مجموعة من الأفكار الحائرة في نصوص وضعها الشاعر في الصفحات الأخيرة من مجموعته تحت عنوان “بعيداً عني.. قريباً من العين”. نقرأ منها مثلاً:
“ما الذي يجب إلا ينتهي؟ المغامرة؟ أم المعرفة؟ أم الطريق.”
“المرآة التي أتخيلها الآن أكثر ألفةً –رغم ما أرى فيها من فظاظة- من تلك التي أتمرى فيها عادة.”
بقدر ما يحسّ القارئ بخشونة جارحة وعناد مرتجف في كل فكرة دَوَّنَها في نصوصه التي اتفقنا على أن لا نسميها شعراً بل هي أفكار كانت قد تكدست في ذاكرته اليومية أفرغها في نصوص خام قصيرة وضعها كما هي دون تهذيب في قالب بدائي حتى بدا عمرانها أشبه بسقائف صغيرة على جانبي النهر الشعري مشيّدة من طين غير مفخور. إذن هي قريبة من الشعر وليست شعراً. نقول: بقدر ما بدت تلك الأفكار خشنة، بدت قصائد الشاعر هادئة خفيفة تلمس الحاسة القارئة لمساً أشبه بطبقة الهواء الشفيفة الساخنة المحيطة بشفتي حسناء وأصابعها. تلك الحرارة الصائدة المعطرة بعبير بشرتها. هل للشعر بشرة يمكن أن نلمسها، تلمسنا؟ هل ثمة عبير ما لبشرة القصيدة؟ كأن عبد الملك بخشونة أفكاره نثراً، أراد أن ينظف مسكن الشعر في عقله ووجدانه وبين أصابعه ويملأه بهواء جديد ويعيد تأثيثه، ليغري القصيدة لتخرج مرتاحة هادئة متأنية لا تتيح للمتلقي إلا انتباهة تفر مع هروب الكلمة وبقاء الفكرة. هذه القصيدة التي تلمس ولا تحفر، لا تُحدث سوى حفيف ناعم للستارة، تنقل العين إلى النافدة وما وراءها من عالم الشاعر المفعم بالمعاناة والأصدقاء.
هي قصيدة التأمل والنظرة غير المتعبة. والبناء القوي في تماسكه، البسيط في تكوينه، الخالي من النتوءات والشوائب.

الآنَ أدرِكُ أنني غِرٌّ.. ظَنَنتُ الليلةَ
اكتَشَفَتْ سبيلاً كي تُخَلَّصَني من
العشرينَ تحتَ الصِّفرِ.. أسبوعي
ثَقيلاً مرَّ.. كنت قد انسَحَبتُ بِلؤمِ أفعى
من سماءٍ أمْطَرَتْ حولي زهورَ بَنَفسَجٍ..
ونسيتُ أني أدمَنَتْ أذنايَ بُحَّةَ صوتِ
قُبَّرةٍ، فأوصَدتُ النَوافِذَ دونَها..
عشرونَ تحتَ الصِّفرِ..

في قصيدته “هناك.. قبيل مرور قطارين”، يصطاد إبراهيم لحظة أصغر من عابرة. لحظة بلا زمن إن أردنا أن نلغي أجزاء الثانية من الزمن. لو حولنا الفكرة إلى قصة قصيرة، يصبح المشهد كالتالي:
“في محطة واحدة. الشاعر في قطار. والفتاة في القطار المقابل. القطاران متعاكسا الاتجاه. إذن فمحصّلة الفراق بينهما مضاعفة. في اللحظة التي يتحرك أحدهما تلتقي العيون. تلك هي اللحظة الصائدة. قطار الشاعر يأخذه إلى القصيدة، وقطار الفتاة يأخذ نظرة عينيها.”
هذا هو كل ما في الأمر. دون أن تنتبه الفتاة ولا الشاعر ولا القصيدة نفسها، ما الذي سيتركه المشهد فيمن يقرأهم جميعاً. وكم من الصور ستتحرك في مخيلة المتلقي، وكيف ستتحرك العينان مع حركة قطار الفتاة وهو يأخذ نظرتها بعيداً. ربما لن يحفل أحد بقطار الشاعر الذي سيأخذه إلى خيبته أو إلى قصيدته الماكرة أو البريئة. وأحسبها ماكرة. ربما سرقت تلك القصيدة ما في عيني الحسناء من براءة أو مكر.

فلا تَنظُري..
بيننا سِكَّةُ سَتروحُ بعَِجزي
وأخرى سَتأخُذُ نَظرَةَ عينيكِ
نحوَ الرتابةِ..
في السِّكَّتَينِ قطارانِ
ضَجّا بصَمتِ مواسمَ من قلقٍ
واحدٌ سوف يستُرُ رغبتيَ المستميتةَ
والآخرُ… الآنَ!
آهٍ..

في هذه المجموعة أيضاً وبعد صدور مجموعتيه السابقتين: “أطياف من حي حزين”، عن دار أورينتاليا في ستوكهولم عام 1999، “وقليل من الدفء يكفي”، عن دار المدى في دمشق عام 2002 واشتراكه مع الشاعر جاسم محمد في ترجمة مجموعة شعرية للشاعرة السويدية “إيفا رونيفلت” إلى اللغة العربية التي أصدرتها دار سلمى في ستوكهولم عام 2005. وترجمته لـ 19 قصة أطفال صدرت ما بين عامي 2002 و2006 عن داري المنى وآبك في ستوكهولم. لم ينجُ إبراهيم عبد الملك من حديقته وكرسيه وكفي أمه تحجبان عينيها بعد رؤيتهما هلال العيد أو أي شهر عربي مبارك، مُدَّخِرَةً عينيها لوجه إبراهيم الذي تسعى لرؤيته أول ما ترى بعد صورة الهلال. ولم ينجُ بعد من نظارتي والده وعبث أشقائه الصغار. فيقول في قصائد إحدى مجموعته “عابراً وحده”:

التفاصيلُ.. التفاصيلُ..
التفاصيلُ استبدَّتْ بالزمان هنا
قليلٌ ما تبقّى لابتسامةِ شاعرِ وقصيدةِ
بعد استكان الشاي.