الرئيسية » مقالات » عبادة الأصنام تعود ثانية!؟

عبادة الأصنام تعود ثانية!؟

يحكى إن (عمرو بن لُحَيٍّ )* كبير خزاعة، نشأ على أمور الدين وعرف بفعل المعروف والنهي عن المنكر ، فأحبه أهل مكة ودانوا له، كأحد أكابر العلماء وأفاضل الأوليـاء‏ في زمانه.‏
وعندما سافر إلى الشام، رأى أهلها يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك ، فقدم مكة ومعه “هُبَل” واتخذ من “هبل” اول الامر رَبّاً لاسرته وارحامه، ثم وضعه في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى عبادته، ثم لم يلبث أهل الحجاز أن تبعوا أهل مكة.
ويذكر المحققون : أن (عمرو بن لُحَيٍّ) كان له رؤى من الجن، فأخبره الجن أن أصنام قوم نوح ـ ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا ـ مدفونة بجدة، فأتاها فاستثارها، ثم أوردها إلى تهامة، فلما جاء الحج دفعها إلى القبائل، فذهبت بها إلى أوطانها‏.‏
وتفشى ذلك الصنم ومعه قبيلة من الاصنام في الصحراء البكر، فصار لكل اسرة صنما في بلاد الجزيرة ، ولما تكاثرت الاصنام وتزايد عددها ، تدافعت فيما بينها وهلكت منها اقوام ولم يبق منها الا الاصنام الشديدة البأس وذات السطوة التي تلبستها من الأسر والقبائل التي تعبدها،فصارت اعدادا معدودة تلك التي استوطنت في اخر زمانها بين جدران الكعبة.
لكنها وخلال اطوار ترحالها ،وانتشارها ،وتكاثرها ،وتمركزها عشعشت في عروق العصبية القبلية ، وصارت لكل قبيلة رؤيتها الصنمية، وسلوكها الصنمي، ومواقفها الصنمية.
وتناثرت شظايا تلك “الصنمية” في كل الارجاء ،وسبتت في قرارة الوعي المجتمعي القبلي منذ ذلك الحين والى يومنا هذا ، رغم اندثار تلك المنحوتات (الاصنام)..دون ان تتلاشى تلك (الثقافة العصبية القبلية الصنمية) عن إدراك القبائل (التي صارت امما وشعوبا) اوعن مفردات ابجديتها وسلوكها.
وقبل اكثر من الفي عام ..
• كانت القبائل تختار لأنفسها رؤساء يسودونها.
• و كانت الوحدة العصبية أساس الكيان السياسى للقبيلة.
• وتربطهم المنافع المتبادلة في حماية الأرض ودفع العدوان الخارجي عنها‏.‏
• وكانت القبيلة تبعًا لرأي سيدها في السلم والحرب، لا تتأخر عنه بحال من الاحوال.
• وكان له من الحكم والاستبداد بالرأي ما يكون لدكتاتور قوى؛ حتى كان بعضهم إذا غضب غضب له ألوف من السيوف لا تسأله‏:‏ فيم غضب؟!
• إلا أن المنافسة في السيادة بين أبناء العم على زعامة القبيلة كانت تدعوهم إلى الرفق بالناس من الجود وإكرام الضيف والكرم والحلم، وإظهار الشجاعة والدفاع عن الغيرة، حتى يكسبوا المحامد في أعين الناس، ولاسيما الشعراء الذين كانوا لسان القبيلة في ذلك الزمان، وحتى تسمو درجتهم عن مستوى المنافسين‏.‏
• وكانت القبيلة تعتاش على الغنائم كمصدر رئيسي في اقتصادها البدائي.
• وللسادة والرؤساء حقوق خاصة، فكانوا يأخذون من الغنيمة : المِرْباع والصَّفي والنَّشيطة والفُضُول، يقول الشاعر‏:‏
لك المِرْبَاع فينـا والصَّفَايا ** وحُكْمُك والنَّشِيطة والفُضُول
ولم تكن الاصنام يوما الا (اعمالا فنية) لفنانين فطريين ابدعوا في التعبير عن قيمهم وقيم القبيلة الجمالية والمعرفية،ولم تتلوث الاعمال الفنية التي رافقت الانسان منذ عصر الكهوف الاول ..الا عندما :
• اقحم فيها الانسان ثقافة التخلف الضيقة الافق.
• والبسها رؤيته الغيبية بعد اخفاقه في فهم اسرار محيطه الاقتصادي الاجتماعي والطبيعي الذي يفتك به.
• واضفى عليها من الطاقات مايعجز هو عن فعله.
وبعد كل تلك القرون الطويلة منذ تدمير (كاليري الاصنام الاول) ، وتحميل تلك المنحوتات مسؤولية التردي الفكري والظلم الاجتماعي والاختلال الاقتصادي في مرحلة ماقبل فتح مكة، زالت من الذاكرة صور تلك المنحوتات (الاصنام) .. لكن الصنمية التي أُلْبِسَتْ لها ليحقق الانسان المتعسف والمتخلف مآربه من خلالها ، بقيت كامنة في ثقافة شعوبنا واممنا التي (انتصرت) في تحطيم الاصنام (المنحوتات) دون ان تنتصر في تطهير الوعي من (الصنمية)!.
وعلى سبيل المثال لاالحصر..
بعد مايزيد على الالفي عام من تحطيم (الاصنام) ، عندما استنطق (كارل ماركس) عَرَقَ الشغيلة وأشاح الغمام عن (فائض القيمة) ،ادرك أهله الإفرنج غاياته ، وحاربه من حاربه ، وناصره من ناصره.. لكن(فتوى) فائض القيمة دخلت علينا ..صنما نعبده ، ونموت دونه ، دون ان ندركه!.
واليوم بعد سقوط دكتاتورية الصنم القبلي الاوحد عام 2003 ، واجتياح جيوش قبائل(الامبريالية اعلى مراحل الراسمالية) مضارب قبائلنا في العراق وغير العراق، كانت اولى ثمار (فوضى الصنمية الرامسفيلدية الخلاقة) التي اطلقتها تلك الجيوش العصبية القبلية الغازية:
• ايقاظ العصبية القبلية الصنمية الكامنة فينا منذ عمرو بن لُحَيٍّ.
• فطفحت على سطح حياتنا السياسية انماط متعددة ومتنوعة من الاصنام، الغثة والسمينة.
• ومعها تطحلبت اقوام من المتماهين بتلك الاصنام، وبينهم اهل (علم) ورواد(ثقافة).
• وبدأت تتفاقم على قشرة وعينا – من جديد – ادران التذلل للاصنام والتخاذل امامها والاذعان الكفيف لها.
• وصرنا نلتقي قسرا كل اوان (اصناما) تحدق فينا وتتوعدنا وترهبنا..
o على شاشات التلفاز.
o وعلى جدران المنازل.
o وفي مداخل مباني الاحزاب والحركات والهيئات والمنظمات والجمعيات.
o وفي الساحات العامة.
o و على اغلفة الكتب.
o وعلى صفحات الجرائد.
o وفي مداخل ومخارج الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة.
o وفي الاماكن المطهرة وغير المطهرة.
o وعلى صدور النساء.
o وعلى ظهور الصبية.
o وعلى جباه الشيوخ.
o وعلى بنادق المسلحين.
o وعلى متاريس الازقة.
o وعلى رايات انتصار الاخوة على الاخوة.
o وفي مجالس العزاء.
o وعلى طبول الفرح.
o وفي حفلات الختان.
o وفي مؤتمرات الثقافة.
o وفي دواوين الحوار.
o وفي مشاهد الذبح.
o وفي منتديات الشعر.
ومثلما كنا بالامس نواجه صنما أوحدا .. نواجه اليوم بمرارة وخيبة (اصناما) متنوعة ،ومتعددة ،ومتكاثرة ،ومتناحرة:
o اصناما سياسية عصبية قبلية عقائدية.
o وأخرى أصناما سياسية عصبية قبلية دينية.
o وثالثة اصناما سياسية عصبية قبلية قومية.
o ورابعة اصناما سياسية عصبية قبلية طائفية.
o و خامسة اصناما سياسية عصبية قبلية لبرالية.
o وسادسة اصناما سياسية عصبية قبلية تاريخية.
o وسابعة اصناما سياسية عصبية قبلية ثورية.
o ووووووو…
وميزتها عن سالفاتها قبل الاف السنين :
• ان اصنام القبائل المندثرة كانت بلانفع ولاضرر..اما اصنامنا اليوم فانها مدججة بوسائل الافناء ونوايا الخراب..انها اصنام قبلية عصبية فتاكة..
• ان سادة القبائل الصنمية (عند السلف ) كانوا يكتفون بالمِرْبَاع والصَّفَايا والنَّشِيطة والفُضُول ، ام اصنامنا السياسية اليوم .. فيستلبون (الصاية والصرماية)*** وعيونهم على (اللواث)****!.
• واليوم تجري بمنهجية تغذية العصبية القبلية الصنمية كملاذات لتلك الاصنام السياسية،في وقت كان تيار الوعي قبل اكثر من الفي عام يتجه للانتفاض على العصبية القبلية الصنمية.
• وانا لست ممن يتوهمون بان (بوش بن بوش)هو من استقدم الاصنام و الصنمية الى ارض النهرين ، بل هي كامنة فينا ..وهو من استثارها وحرس لها بيئة التكاثر والتأثير..
لكنه وغيره ..
لن يستطيعوا ادامة “الاصنام”..
بسبب خوائها ..
ولن يبلغوا اشاعة “الصنمية” فينا ..
لتعارضها مع قوانين التطور واحتياجات انسان عصرنا، في عالم تسوده المصالح العقلانية و”غير العقلانية” ، وفي مجتمع عرف بالعصيان والميل الى المعرفة.
لكنهم يستطيعوا اسناد “الاصنام” بالخوازيق المسلحة لبعض الوقت ، مثلما استطاعوا ادامة دورة الارهاب لبعض الوقت.
ان تحرير الانسان من العصبية القبلية الصنمية المعشعشة في احشاء الدولة وفي عروق خصومها ، وفي الاحزاب المنخرطة في العملية السياسية وفي عقول مناهضيها ، وفي ثقافة المجتمع وفي ثقافة نابذيها..هو السبيل لتطهير الوطن من اخطر مصادر التخلف والتطرف التي تولد الارهاب وتشيع الخراب..
ان السبيل الى ذلك هو اقامة الدولة المدنية الدستورية التنموية..دولة الوطن المتحرر من الاحتلال ، والمواطن الفرد الكامل الحقوق، والمتحرر من كل اشكال الاستغلال والتعسف.
—————————————–
*عن موسوعة المكتبة الاسلامية(نداء الايمان).
**المرباع‏:‏ ربع الغنيمة، والصفي‏:‏ ما كان يصطفيه الرئيس، أي يختاره لنفسه قبل القسمة، والنشيطة‏:‏ ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصل إلى بيضة القوم‏.‏والفضول‏:‏ما فضل من القسمة مما لا تصح قسمته على عدد الغزاة، كالبعير والفرس ونحوهما‏.‏
***(الصاية والصرماية): ويعني كل مايملكه المرء وحتى ثيابه التي يرتديها.
****(اللواث):حفنة الطحين التي تلاث بها فسقة العجين قبل تخبيزها ووضعها في التنور، ويضرب ذلك مثلا للفاقة عند اهل جنوب العراق فيقولون (فلان لم يبقى عنده حتى اللواث)!