الرئيسية » مقالات » الازمة على الحدود العراقية التركية

الازمة على الحدود العراقية التركية

العبارة التي اطلقتها بعض وسائل الاعلام ـ الازمة على الحدود العراقية التركية ـ للاشارة الى النزاع القائم بين اقليم كردستان وتركيا مؤخراً، تعتبر تسمية موفقة وقريبة جداً الى الواقع، فالازمة متشعبة ومتداخلة لدرجة كبيرة، سواء من حيث الاهداف او المصالح والدوافع، وما يجعل من الازمة الحالية عصية الفهم على العديد من اصحاب الاختصاص والاحتراف بالاضافة الى عامة الناس، هو تعدد الاطراف المشاركة واختلاف اجندتهم الى حد كبير وتداخلها في نفس الوقت .

الصراع التركي الداخلي يلقي بظلاله على الازمة الحالية، ويتذكر الجميع المعركة الحامية التي جرت قبل واثناء الانتخابات الرئاسية التركية الاخيرة، ودعوة العسكر التركي لغزو الاراضي العراقية ‘اقليم كردستان’، تحت ذريعة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني عقب عملية عسكرية قام بها الاخير، والموقف الحازم للحكومة الاسلامية حينها تجاه نوايا العسكر التركي تجنباً لتحقيق اي انتصارات قد تؤثر على نتائج الانتخابات الرئاسية لصالح الجيش واليمين القومي التركي، والحالة نفسها تتكرر اليوم في محاولة جديدة لقادة الجيش التركي لانقاذ ما يمكن انقاذه، وربما هي صدفة او خطوة غير مدروسة او مدروسة والله اعلم، ان يقوم حزب العمال الكردستاني بعمليات عسكرية نوعية تسهل من مهمة العسكر التركي للعودة الى الواجهة مجدداً، بعد تأجيج الشعور القومي لدى الشارع التركي، والحكومة الاسلامية التركية تمتلك بما فيه الكفاية من الدهاء وتدرك جيداً ان العمليات الاخيرة لحزب العمال الكردستاني ستصعد من نجم الجيش التركي، وستجد الحكومة نفسها في موقف صعب لا يحسد عليه، ان هي اعلنت عن رفضها للقيام بعملية عسكرية ضد العمال الكردستاني، وتماشياً مع نبض الشارع التركي، اعطت الاغلبية البرلمانية الاسلامية الضوء الاخضر للجيش التركي للقيام بعملية عسكرية في اقليم كردستان العراق .

اختلاف المصالح والاهداف بين جنرالات الجيش التركي والحكومة الاسلامية ما زالت قائمة والتحدي لم ينتهي بعد، وما شاهدناه من خصام شرس بين الطرفين قبل الانتخابات لم يكن سوى جولة من الصراع المرير بين اتباع الاتاتوركية والقوميين الترك بقيادة الجيش التركي من جهة، وخصومهم في الحكومة الاسلامية وانصار تركيا المدنية الديمقراطية من جهة اخرى .

لا يمكن تجاهل الاختلاف والتناقض التركي ـ التركي الداخلي وفصله عن مجريات الازمة الحالية بين تركيا واقليم كردستان العراق، كذلك الامر بالنسبة الى التناقضات الكردية ـ الكردية، فهي لا تقل اهمية عن التناقضات التركية ـ التركية لفهم الازمة الحالية، فاشكالية تواجد حزب العمال الكردستاني على اراضي اقليم كردستان العراق، وفشل الحزب المذكور خلال حربه المتقطعة الطويلة ضد الجيش التركي في الانتقال الى الطرف التركي من كردستان، تبقى اشكالية قائمة تؤرق العديد من الاطراف، ولعبة الشد والجذب السياسة بين حكومة اقليم كردستان وتركيا في عملية استخدام حزب العمال الكردستاني كورقة ضغط رابحة يمكن استخدامها من قبل هذا الطرف او ذاك في الوقت المناسب، يبدو انها قد وصلت الى نهاياتها وتشبه كثيراً الحالة السورية ـ التركية في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي في طريقة التعامل مع حزب العمال الكردستاني، حيث كان يتلقى هذا الاخير الدعم الكامل من السلطات السورية على مدى عقدين من الزمن، بهدف استخدام الورقة الكردية التي انفرد حزب العمال الكردستاني بتمثيلها للضغط على تركيا في مسألة مياه الفرات، وفي الطرف التركي كان لحكام تركيا اجندتهم الخاصة في تلك المرحلة، حيث تم افراغ الاف القرى الكردية من سكانها، وتم تشكيل مجموعات مسلحة من الكرد سميت ‘بحماة القرى’ لتبقي على الصراع المسلح كردياً خالصاً في معظم الاحيان، واستمرت الحالة لنهاية التسعينات حيث انتهت اللعبة بعقد صفقة ثنائية بين الطرفين التركي والسوري، اوقفت بموجبها جميع نشاطات العمال الكردستاني على الاراضي السورية، وتم ابعاد زعيمه الاوحد ‘عبد الله اوجلان’ ليتم اعتقاله لاحقاً في عملية استخباراتية دولية غامضة .

بقدر ما تحمله الازمة الحالية بين اقليم كردستان وتركيا من تعقيدات، فهي تتعدى كذلك ما يصرح به في العلن، وتتجاوز بكثير قضية تواجد بضعة الاف من عناصر العمال الكردستاني في اقليم كردستان العراق، الانجازات المختلفة لكرد العراق من فدرالية كردية دستورية وتفعيل حقيقي للدور الكردي في الحكومة المركزية والمشاركة الكردية الفعالة في اتخاذ القرارات المصيرية على الساحة العراقية، تلك الانجازات تشكل محور الازمة التركية الكردية القائمة، والهاجس التركي هذا لا يقتصر على تيار او طرف تركي دون اخر، على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم السياسية، لكن في نفس الوقت من السذاجة وضع كل الترك في سلة واحدة، فقيم تركيا الكمالية لم تعد وبالاً على الكرد فقط، فبمرور الزمن اصبح احفاد اتاتورك انفسهم يعانون من الاتاتوركية المترهلة وسطوة العسكر التركي وتدخلهم الفظ في السياسة وانقلاباتهم العسكرية المتكررة بحجة الحفاظ على قيم الجمهورية الاتاتوركية الاولى، لكل تلك الاسباب واسباب اخرى عديدة، ظهرت قوى تركية تؤمن بضرورة القيام بتغيير حقيقي في الحياة السياسية التركية، والحكومة الاسلامية الحالية تحسب على تلك القوى وربما تكون اكثرها اختلافاً مع الاتاتوركية، والتغييرات الدستورية التي كان من المتوقع الشروع في القيام بها من قبل الاكثرية النيابية الاسلامية لولا حدوث الازمة الاخيرة، انما كانت خطوة على الطريق الصحيح في بناء الجمهورية الثانية، وابعاد الجيش الى الابد عن الشأن السياسي التركي، فبين انجازات كرد العراق وبين تناقضات تركيا الداخلية، تثار اليوم قضية تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني في اقليم كردستان العراق، لتكون حجة لاهداف ضمنية غير معلنة .

لا يختلف اثنان ان للاقليم الكردي مصلحة حقيقية في تجنب الوقوع في صراع مع تركيا’ قدر الامكان’، خاصة بعد فوز الاسلاميين الاكثر تفهما ومرونة في التعامل مع الملف الكردي من اليمين القومي المتطرف وجنرالات الجيش التركي، اما حزب العمال الكردستاني التركي اجندته كانت ومازالت تختلف مع حكومة ومصالح كرد العراق، سواء قبل اعتقال اوجلان او بعد اعتقاله وسواء في سياساته القديمة الداعية الى استقلال وتوحيد كردستان او الجديدة الداعية لتحسين ظروف اعتقال الزعيم وفي احسن الاحوال اطلاق سراحه .

الامر المحير في الازمة الناشبة على الحدود العراقية التركية، هو توجه حزب العمال الكردستاني التركي الى التصعيد النوعي من عملياته العسكرية ضد الجيش التركي في فترة حرجة للغاية، فمن له مصلحة في ادخال اقليم كردستان في حالة حرب مع دولة تتربص بالاقليم الكردي وتسعى جاهدة للنيل من مكتسبات كرد العراق؟ ومن له مصلحة في تأجيل مسألة كركوك ؟ ومن له مصلحة في اثارة النزعة القومية التركية في فترة حساسة وقاسية تمر بها الكمالية القومية التركية المتعصبة مني انصارها بهزيمة شنعاء؟ والاهم من كل هذا وذاك، من له مصلحة في التأخير من التغييرات الدستورية التي كان من المتوقع القيام بها من قبل الحكومة التركية وممثليها في البرلمان ؟ ومن له مصلحة في التأخير من كتابة الدستور التركي من قبل مدنيين منتخبين لا عسكر متسلطين لاول مرة في تاريخ تركيا، واخيرا وليس اخرا، من له مصلحة في اجهاض الجمهورية التركية الثانية اللااتاتوركية والتي ربما قد يكون للكرد فيها شأن يذكر ؟