الرئيسية » مقالات » كم سيطول صمت أكراد إيران؟

كم سيطول صمت أكراد إيران؟

يؤكد علماء الأجناس وتاريخ المجتمعات البشرية بأن الأكراد هم من الشعوب الإيرانية الرئيسية، ولقد التبس معرفة الأكراد على كثير من علماء التاريخ والبلدانيين في بدايات العهود الإسلامية، إذ دمج الكثير منهم الأكراد بالفرس ولم يميزوا بينهما كمجموعتين بشريتين متمايزتين، في حين أن بعضهم الآخر وصف الأكراد بأنهم الطبقة الحاكمة لإيران (المسعودي، التنبيه والإشراف). وفي الواقع يعتبر الأكراد من اقرب الشعوب ثقافياً ولغوياً إلى الفرس، إذ أن اللغة الكردية هي توأم اللغة الفارسية، وعلى الأرجح أن الأكراد والفرس تمايزا تاريخياً وانبثقا من شعب واحد، وظلا مطولاً مترابطين ضمن حضارة ـ إمبراطورية واحدة هي الإمبراطورية الميدية، ومن ثم الأخمينية.
وعلى الأرجح اكتسب الأكراد خصوصيتهم كشعب مستقل، في سياق تمايز وتفاعل وتطور المجتمعات البشرية في مرحلة تعود إلى ما قبل ميلاد السيد المسيح بعدة قرون، وعلى التوازي من هذا من التفارق،استمرت علاقة الشعبين الفارسي والكردي مميزة، وجاء تميزها من علاقات الجوار الجغرافي والجذر الثقافي ـ اللغوي المشترك، وتوطد العلاقات إبان المراحل الأولى للإمبراطورية العربية الإسلامية، التي جمعت الشعبين من جديد في ظل إمبراطورية دينية.
أما في المراحل المتأخرة من هذه الإمبراطورية فقد برز عامل تمايز وربما تفارق آخر بين الشعبين الكردي والفارسي وتجسد ذلك بالخصوصية المذهبية ـ الدينية لكل منها، وترتب على ذلك حسن علاقة الأكراد مع العثمانيين ـ الأتراك على حساب علاقاتهم التاريخية والثقافية مع فارس.
فالأكراد عمليا كانوا من مؤسسي الخلافة العثمانية وربما شكلوا خلفيتها وعمقها الأيديولوجي ـ المذهبي (السني).
ونتيجة لمجمل الأوضاع والصراعات الدائرة في العالم الإسلامي، شكل الأكراد قبل خمسة قرون طرفاً ثالثاً وكتلة بشرية ورقعة وجغرافية عازلة بين العثمانيين الأتراك حملة راية (المذهب السني) والفرس الصفويين حملة راية (المذهب الشيعي)، على خارطة أيديولوجيات تلك المرحلة.
وانقسمت مناطق الأكراد وبلادهم رسمياً وقانونياً بين السلطتين العثمانية والصفوية بعد معركة جالديران عام1514، وثبت خط الحدود رسميا بموجب معاهدة زهاب عام 1639 م.
ونتيجة لهذه الاتفاقات انقسم عملياً الكيان الكردي سياسيا وثقافياً، وتأرجح بين الولاء من جهة والعداء من جهة أخرى لكل هاتين الدولتين المتصارعتين سياسيا ومذهبيا، مما كان له الأثر الأول في التباعد الكردي ـ الفارسي، السياسي والثقافي.
وعلى الرغم من هذه الظروف فقد ظل دور الأكراد أساسيا في الحياة السياسية والاجتماعية لإيران طوال القرون الأربعة الأخيرة، بل أن أغلب الإيرانيين يؤكدون على فضل الأكراد على بقاء إيران كبيرة وقوية بهذا الشكل، ويذكرون على وجه الخصوص دور الإمبراطور (نادر شاه) الذي وحد إيران وطورها ووضع بنيان وحدود دولتها المعاصرة.
إبان الحرب العالمية الأولى ونتيجة زيادة تأثير ونفوذ السياسية الكولونيالية المباشرة لدول أوربا على إيران من جهة، وإعلان دول الحلفاء عن مبادئهم الأساسية في دعم استقلال وتحرر الشعوب الخاضعة للسلطة العثمانية من جهة أخرى، تفاعلت القوى السياسية الكردية مع هذه الأوضاع، ونهلت من هذه المفاهيم والشعارات، حيث سبق لها المطالبة بالتحرر، وبشكل من أشكال الاستقلال عن السلطتين العثمانية والإيرانية. إلا أن القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى لم توحد الأكراد على الأرض، ولم تساعدهم على انجاز استقلالهم السياسي، على الرغم من توقيع معاهدة سيفر 1920 التي دعت لاستقلال كردستان بوضوح. وما حدث على أرض الواقع كان النقيض، فبدلاً من أن توحد القوى العظمى التي كانت تحتل المناطق الكردية وتركيا وإيران الأكراد، قامت بإعادة توزيع المناطق الكردية على دول جديدة مستحدثة، ومن ثم طويت صفحة كردستان المستقلة مع معاهدة لوزان 1924.
إلا أن هذه السياسات الكولونيالية للمركز تجاه الأكراد لم تقوض أمانيهم في الاستقلال، واستمرت حركات الأكراد السياسية في العمل من أجل التحرر وتقرير المصير، ولم يقتصر ذلك على الأكراد الذين كانوا تحت حكم العثمانيين سابقا، وإنما أيضاً شمل أكراد إيران الذين تحدد وجودهم داخل إطار إيران المعاصرة بشكل نهائي. وهنا لابد من الإشارة والتذكير بأن التمييز ضد الأكراد أقل في إيران المعاصرة، لكن النزعات الاستقلالية القومية كانت تتفاعل مع المعاناة الاجتماعية والفقر وبؤس المناطق الكردية لتتبلور على شكل دعوات صريحة للتحرر عن سلطة طهران المركزية.
يتمركز أكراد إيران جغرافياً في المناطق الغربية منها، وتبدأ حدود هذه المناطق من سفوح جبال زاغروس على مشارف الخليج العربي باتجاه الشمال، أي من حدود مدينة الأكراد (شهركرد) باتجاه (خرم آباد) وإلى (كرما نشاه) التي تعتبر العاصمة الرسمية لإقليم كردستان حسب التوزيع الراهن للأقاليم في إيران، وهذه المناطق هي موطن الأكراد الشيعة. ثم تتواصل وتتداخل مع المناطق الكردية شمالاً باتجاه ستندج ومريوان، بانه وسقز ومهاباد وهي مراكز حضرية لمناطق الأكراد السنة. تمتد وتتسع جغرافية المناطق الكردية شمالا لتصل إلى أورمية، وبالتالي إلى حدود أذربيجان وارمينا في أقصى شمال غرب إيران. فالأكراد يتواجدون بشكل رئيس غرب إيران في مناطق سكناهم التاريخية المتصلة أصلا مع مناطق أكراد العراق وأكراد تركيا. إلا أن الكتلة الثانية من الأكراد تتواجد في شمال إيران على حدود تركمانستان ويعرفون بـ (أكراد خراسان)، ويستقرون في مناطق: (قوجان وشيروان) التابعة لمدينة مشهد، وهؤلاء كانوا في الأساس سكان جبل الأكراد في جوار مدينة حلب السورية، حيث نقلهم الشاه إسماعيل الصفوي إلى هنالك قبل أربعة قرون تقريباً، كما ورد ذكره في بعض المصادر التاريخية، وهنالك روايتان تجتهدان لتفسير هذه الهجرة، تبين الأولى بأن هؤلاء الأكراد كانوا شيعة، لذلك تم نقلهم إلى هنالك ليشكلوا سداً بوجه التركمان(السنة)، ولكي لا تبطش بهم السلطة العثمانية، في حين تشير الرواية الثانية إلى أنهم تشيعوا بعد نقلهم إلى خراسان. ومن المؤكد أن أصلهم من محيط مدينة حلب، لأنهم مازالوا يتحدثون اللغة الكردية اللهجة الكرمانجية الشمالية الغربية (لكنة أكراد جبل كرداغ بجوار حلب) غير المستخدمة بين أكراد كردستان الإيرانية. هذا ويقدر عددهم بتسعمائة ألف نسمة.
وإلى جوار هذا التوزيع المناطقي فالأكراد منتشرون بكثرة ومندمجون حاليا في المجتمع الإيراني، وثمة مؤشرات تشير إلى تقبل واحترام عام من قبل الشعوب الإيرانية للأكراد، وبذلك يشكلون ثقل سكاني وسياسي وثقافي داخل إيران، ويتواجدون أيضا وبنسب عالية في مدن: طهران، مشهد وأصفهان وشيراز، ويقدر مجموع عدد الأكراد حالياً في إيران بحوالي عشرة ملايين نسمة.
في الجانب السياسي وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى خابت آمال الأكراد الاستقلالية في إطار إيران أيضا، وبسط رضا شاه سلطة طهران المركزية على كافة المناطق الكردية، وساد الصمت الأوساط السياسية والاجتماعية الكردية، إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية، وإثر دخول قوات الحلفاء إلى إيران واضطراب الأوضاع السياسية في المنطقة عموما، تحركت القوى السياسية الكردية وخاصة (منظمة كوموله) للسعي إلى الاستقلال. فقد تحالف الأكراد مع الأذربيجانيين بدعم وتشجيع من الاتحاد السوفيتي حينئذ، وأعلنوا الاستقلال عام 1946 . حيث أسست جمهورية كردية في مهاباد بقيادة القاضي محمد، وعرفت بجمهورية مهاباد الكردية، وبسطت سلطتها على قسم كبير من مناطق الأكراد الرئيسية في غرب إيران. وخلال أقل من سنة انسحب السوفيت من إيران، وكذلك بريطانيا، واتفقوا على إعادة مركزة السلطة في طهران ودعم الشاه رضا. وعادت القوات الحكومية لقمع الاستقلال الكردي واجتاحوا مهاباد العاصمة عام 1947. ومن ثم تم إعدام أعضاء الحكومة، ورئيسها قاضي محمد في ظل صمت بريطاني سوفيتي دولي مشترك.
خيم الصمت والأسى على أكراد إيران من جديد وظل نضالهم السياسي في حدوده الدنيا بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ إيران(ح.د.ك.إ) وذلك طوال عشرين عام (1947ـ 1967). إلى أن تصاعد النضال السياسي الكردي خلال السبعينات، وتفجرت عام 1978على شكل انتفاضة جماهيرية، وكان للقوة الكردية السياسية والعسكرية دور رئيس في إسقاط نظام الشاه بالتحالف مع مجاهدي خلق والحزب الشيوعي الإيراني (توده).
واثر سقوط نظام الشاه رحب الأكراد بحكم الإمام الخميني وتحالفوا معه حتى استقر الوضع لصالح النظام الجديد. وسرعان ما برز الخلاف بين الأكراد والسلطة الدينية في طهران حول طبيعة الحكم الذاتي لكردستان إيران، وتحول الخلاف إلى صراع سياسي فعسكري. هاجمت القوات الحكومية وخاصة(حرس الثورة) على المناطق الكردية، دارت حرب حقيقية طوال أعوام 1979 ـ 1983 وكانت شرسة ودامية، إذ ذهب ضحيتها أكثر من عشرة آلالاف كردي، أغلبهم من المدنيين الذين حكموا بالإعدام من قبل محاكم مذهبية شكلية بقيادة (قاضي الشنق) آية الله صادق خلخالي.
عند نهاية الحرب العراقية الإيرانية تفاوض أكراد إيران ممثلين بالحزب الديمقراطي الكردستاني مع حكومة طهران، لكن ما يؤسف له اغتيال قائد الحزب الديمقراطي الدكتور عبدا لرحمن قاسملو في الجلسة الأولى من المفاوضات عام 1989، ومن ثم اغتيل لاحقا خلفه صادق شرف كندي، فكانت خاتمة دموية للمفاوضات السلمية!
منذ حوالي عشرين سنة يلف الصمت المناطق الكردية في إيران، وتواصل قواها السياسية نشاطها السلمي.
وبالتوازي مع ذلك مارست طهران سياسية مرنة تجاه كردستان إيران في عهد رفسنجاني، ثم تطورت هذه السياسة إلى سوية أكثر ليبرالية في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، حيث منحت بعض الحقوق الإدارية لكردستان، وتم الاهتمام بالثقافة واللغة الكردية…
إلا أن الوقائع تشير إلى استمرار الاضطهاد السياسي المركب (مذهبي ـ قومي) تجاه أكراد إيران، كما أن الوعي القومي الكردي أصبح أكثر تجذراً، وتنوعت القوى السياسية الحاملة للمشروع القومي الكردي في إيران. اليوم وإثر ظهور البوادر الأولى لصراع غربي (أوربي ـ أمريكي) مع السلطة الحاكمة في طهران،
تبدو الأوساط الكردية في إيران قلقة، وعلى الأرجح أن أكراد إيران سيخرجون عن صمتهم، الذي دام في دورتها الأخيرة أكثر من عقدين من الزمن، وكان صمتهم هذا يتداخل مع سكوت العالم ممثلا بإعلامه ومؤسساته الحقوقية والإنسانية اتجاه ضياع حقوق عشرة ملايين كردي، في الوقت الذي يتعالى الضجيج صباح مساء حول دورة اليورانيوم وتخصيبها المشؤوم في إيران.