الرئيسية » مقالات » متابعة فكر وسياسة أردوغان في مؤتمره الصحفي في واشنطن

متابعة فكر وسياسة أردوغان في مؤتمره الصحفي في واشنطن

عقد رئيس وزراء تركيا السيد رجب طيب أردوغان في السابع من شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2007 مؤتمراً صحفياً في نادي الصحافة الوطني بواشنطن , نشر الإنصات المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني نصه الكامل وتفضل الصديق الأستاذ محمد عثمان أمين بإرساله لي مشكوراً , تحدث فيه عن العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا وعن القضية الأساسية التي كانت السبب وراء سفرته إلى الولايات المتحدة , وأعني بها قضية حزب العمال الكردستاني , كما يطلق عليها في تركيا والعالم , في حين أن القضية هي أزمة الحكومة التركية في تعاملها مع الشعب الكردي وما ينشأ عن ذلك من تعقيدات وردود فعل في صفوف الشعب الكردي وعواقب كل ذلك على المجتمع والاقتصاد وموقع تركيا في المجتمع الدولي وعلاقتها المباشرة وغير المباشرة بالاتحاد الأوروبي وبالدولة العراقية وكذلك بحكومة إقليم كُردستان العراق.
وقبل البدء بمناقشة ما جاء في هذا المؤتمر الصحفي لا بد أن نشير إلى أن المجتمع في الدولة التركية مكون من قوميتين هما القومية التركية والقومية الكردية , إضافة إلى وجود أقلية عربية في المناطق التابعة إلى سوريا والتي ألحقت بتركيا في نهاية الحرب العالمية الأولى , بعد أن كانت سوريا تابعة للدولة العثمانية قبل نهاية تلك الحرب كالإسكندرونة. ووفق الإحصاء المنشور في موقع الحكومة الأمريكية في الكتاب الموسوم كتاب الوقائع أو الحقائق Factbook يبلغ سكان تركيا في هذا العام (2007) 71158647 نسمة, وهم موزعون على القوميتين الرئيستين بنسبة 80 : 20 % أو ما يعادل 56926918 نسمة تركي في مقابل 14231729 نسمة كردي. وهذه الجمهرة من الشعب الكردي في الدولة التركية يعيشون في منطقة جغرافية معروفة للجميع تقع في جنوب شرق تركيا أو في شمال كُردستان. علماً بأن نسبة كبيرة من السكان الكُرد الذين يقطنون في المدن التركية ومنها أنقرة واسطنبول وغيرها لا يمكنهم ذكر قوميتهم الكردية , بل يسجلون كونهم تركاً , وبالتالي يمكن تقدير السكان الكُرد فعلياً أكثر من هذا الرقم في كل الأحوال , حيث تقدره أكثر من الأوساط بأكثر من 20 مليون نسمة.
على امتداد فترة المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء التركي تجنب الحديث كلية عن ثلاثة مصطلحات معروفة على الصعيد العالمي , وهي : الشعب الكردي , القومية الكردية وكُردستان. وكأنها مصطلحات غريبة عن اللغة التركية أو يخشى لسانه ذكرها. وفي مقابل ذلك استخدم مصطلح الترك من أصل كردي , وقبل ذاك كانت الحكومة التركية والإعلام التركي يطلقون على الكُرد , بـ “أتراك الجبال! وعلينا أن نتذكر بأن الحكام والقوميين العرب كانوا يطلقون في فترة ما على الكرد بـ “عرب الجبال”!
ولكن ماذا يعني عدم الحديث عن شعب قوامه , حتى على وفق ما يرد في الإحصائيات المنشورة , أكثر من 14,2 مليون إنسان؟ إلا يعني ذلك أن هذه الدولة التركية لا تريد الاعتراف بوجود شعب اسمه الشعب الكردي وقومية مستقلة هي القومية الكردية , وأن لهذه القومية حقوق قومية كباقي القوميات في العالم حالها حال القومية التركية والقومية الفارسية والقومية العربية …الخ؟ ألا يعني ذلك رفض رئيس الحكومة وحزب التنمية والعدالة الاعتراف بحق تقرير المصير وهو حق أساسي من حقوق جميع الشعوب صغيرها وكبيرها؟ ألا يعني ذلك رفض الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للشعب الكردي؟ ألا يعني ذلك رفض الاعتراف بالواقع الجغرافي للشعب الكردي وثقافته وتاريخه وتراثه وتقاليده وعاداته ؟ ألا يعني ذلك رفض الاعتراف بحقه في النضال من أجل حقوقه المشروعة التي تكفلها لائحة حقوق الإنسان الدولية وشرعة حقوق الإنسان والحقوق القومية المعترف بها دولياً؟ وإذ كان هذا الرفض قائماً وهناك رغبة جامحة بدمج هذا الشعب بالشعب التركي . فماذا يعني هذا الرفض الدائم؟ ألا يعني ذلك أننا نقف أمام دولة مستبدة وشوفينية وغير ديمقراطية وغير علمانية رغم الادعاء بكل ذلك؟ ألا يعني ذلك أننا نواجه ذهنية تريد لقوميتها كل شيء وترفض القوميات الأخرى وتقيم الحد على من يناضل في سبيل حقوقه؟
لست معنياً بحزب العمال الكردستاني وسياساته ومطالبه في هذا المقال , إذ ليس حزب العمال الكردستاني هو قضيتي ولا أي حزب آخر من الأحزاب الكردية في إقليم كُردستان تركيا , بل أنا , كإنسان وكعضو في التجمع العربي لنصرة القضية الكردية وعضو في منظمة العفو الدولية والعديد من منظمات حقوق الإنسان وكسياسي وباحث , معني جداً ومباشرة بالشعب الكردي في إقليم كُردستان تركيا المحروم من كامل حقوقه القومية , ومنها حقه في تقرير مصيره , حقه في التمتع بثقافته القومية وتطويرها وإغناء الدولة التركية بها , محروم من الدراسة بلغته القومية الكردية , محروم من تشكيل أحزابه الكردية بحرية , محروم من كل ما يمت بالحقوق الإدارية لمنطقة لا تسكنها أكثرية كردية حسب , بل هي محض كردية ومسكونة بالكُرد فقط , رغم محاولات التتريك لتلك المناطق , تماما كما فعلت الدولة الاستبدادية الشوفينية والإرهابية الصدامية في العراق. وإذا كان حال هذا الشعب وبهذه الصورة ألا نتوقع أن تظهر فيه تجمعات وقوى سياسية تناضل في سبيل حقوقها القومية المشروعة والعادلة , ألا نتوقع أن تظهر فيه تيارات واتجاهات سياسية متنوعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار , إضافة إلى بروز أطياف أخرى فيما بين الأقصيين؟ ألا نتوقع أن تظهر جماعة , بعد أن أدركت أنها عاجزة عن تحقيق مطالبها أمام إصرار القوى والحكومة والقوات المسلحة الشوفينية على رفض أي مطلب من تلك المطالب مهما كان صغيراً وعادلاً , تحمل السلاح وتكافح حيثما أمكن في سبيل تلك المطالب؟ ألا نتوقع أن تظهر جماعات تواجه إرهاب وقمع الحكومة , فتقرر ممارسة الإرهاب كرد فعل لفعل الإرهاب الحكومي؟ كل هذا وغيره ممكن؟
ليست تجربة الدولة التركية الوحيدة في العالم بل سبقتها تجارب أخرى , ومنها التجربة العراقية والإيرانية أو السورية , أو إزاء قوميات أخرى في دول في مناطق أخرى من العالم , كما هو حال التبت في الصين مثلاً. ولكن الأسئلة العادلة التي ينبغي على كل تركي وعلى القوات المسلحة التركية والحكومة والأحزاب السياسية في تركيا والمجتمع التركي كله طرحها على نفسه وحزبه وحكومته, وهي : لماذا برزت مثل هذه الظواهر في الدولة التركية؟ ولماذا يحارب الجيش التركي منذ عقود في المناطق الجبلية من تركيا والعراق؟ ولماذا يموت هؤلاء الناس الكُرد والترك على حد سواء؟ ولماذا تلك المليارات من الدولارات تصرف على اقتناء الأسلحة والعتاد لمحاربة شعب بكامله؟ إن طرح مثل هذه الأسئلة على النفس يفترض في الإنسان السوي أو العاقل والمنطقي أن يجد لها جواباً شافياً وواضحاً واحداً هو: أن الدولة والحكومة والشعب والقوى القومية الشوفينية والتربية القومية الشوفينية في تركيا ترفض الاعتراف بوجود شعب ثاني في الدولة التركية , ترفض الاعتراف بوجود قومية ثانية لها أرضها وتاريخها وتراثها وتقاليدها وعاداتها وثقافتها. وعدم الاعتراف هذا يتسبب في كل ذلك. فما هو أذن الحل؟ الحل يكمن في رفض تلك السياسات والاعتراف بحق هذا الشعب بالحياة والعيش جنباً إلى جنب مع الشعب التركي والأقلية العربية في تركيا بسلام وأمن والتمتع بالحقوق القومية المشروعة والعادلة , والتحري عن صيغة للحكم في إطار الجمهورية التركية الموحدة.
يبذل رئيس الحكومة التركية جهوداً كبيرة من أجل خلق محورين للتحالفات السياسية المناهضة لحقوق الشعب الكردي في إقليم كُردستان تركيا , وهما: محور التحالف الأمريكي – التركي – العراقي , ومحور التحالف التركي – الإيراني – السوري , أي من تلك الدول التي في كل منها شعب كردي ومع تلك الدولة العظمى التي لها مصالح في المنطقة وتمارس سياسة الكيل بمكيالين متباينين أمام قضية واحدة, وأعني بها الولايات المتحدة الأمريكية.
يخطئ من يعتقد أن المشكلة تكمن في حزب العمال الكردستاني وأساليب نضاله وعمله , بغض النظر عن تقييم كل منا لهذا الحزب وأساليب عمله ونضاله. إذ أن المشكلة تكمن في القضية الكردية وفي ذهنية الحكام وفي السياسة التي تمارسها الدولة التركية إزاء الشعب الكردي منذ عقود طويلة. لا يحتاج الإنسان إلى ذكاء خاص لكي يقدر بأن الحكام الترك ومن يتحالف معهم حتى لو أمكنهم القضاء على حزب العمال الكردستاني , فأنهم لن يستطيعوا أن يقتلوا القضية الكردية لأنها قضية شعب لا يمكن إبادته. كلنا يعرف ما بذله صدام حسين قبل تركيا ولم يفلح , بل انتهى إلى أسوأ مصير يمكن أن يواجه أي إنسان. ولهذا لا بد من الانتباه من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وجميع الدول المتحضرة إلى أن المشكلة تكمن في جوهر السياسة والمواقف التركية , وحين يغيب هذا السبب سنرى كيف تتفتح ألف زهرة وزهرة في كُردستان تركيا وفي عموم تركيا , أي حين تتحول تركيا إلى دولة مدنية ديمقراطية علمانية حديثة تعترف وتمارس حقوق الإنسان وتعترف وتمارس حقوق القوميات وتخلق مستلزمات العيش الأخوي الودي المشترك بين الشعوب التي يفترض أن تتآخى في تركيا.
من المؤسف حقاً أن أي صحفي من الصحفيين المشاركين في المؤتمر لم يسأل رئيس الوزراء التركي عن الأسباب الكامنة وراء وجود حزب العمال الكردستاني وعن السبب في حمل السلاح , وهل ستنتهي القضية إن اتهمنا هذا الحزب بالإرهاب , كما لم يسأل أي صحفي عن الحقوق المغتصبة لهذا الشعب , ولم يوجه أي صحفي سؤالاً أساسياً مفاده : لماذا لا تعترف تركيا بوجود شعب كردي بجوار الشعب التركي في دولة واحدة؟ ولماذا يخشى تسمية الكرد بالشعب الكردي بدلاً من ترك من أصل كردي. لا أدري لمإذا لم يوجه هؤلاء مثل هذه الأسئلة وغيرها التي تفرض على أردوغان الإجابة عنها. ولكن عدم توجيه هذه الأسئلة لا يعني بأي حال عدم وجود مشكلة كردية في تركيا.
إن هروب بضعة مئات من عناصر حزب العمال الكردستاني من الإرهاب التركي وولوجهم الأراضي العراقية الجبلية الحصينة ليست المشكلة في بعدها الأساسي , ولكنها الذريعة التي يسعى الحكم التركي رفعها بوجه إقليم كُردستان العراق الذي يتمتع اليوم بعدد مهم من حقوقه المشروعة بخلاف ما يجري في تركيا وإيران وسوريا. وهذه المسألة هي التي تغيض الترك والإيرانيين والسوريين وجمهرة من القوميين والإسلاميين السياسيين المتطرفين في العراق أيضاً وتقض مضاجعهم وتؤرقهم ليل نهار , وهي التي توحدهم حالياً ويعملون على تأجيج الصراعات في العراق.
لا ينفع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الادعاء بأن حزب العمال الكردستاني عدو للولايات المتحدة الأمريكية وعدو لتركيا وعدو للعراق في آن واحد. فهو غير واقعي وغير سليم , بغض النظر عن موقفي من هذا الحزب. كما لا يحل المشكلة اتهام هذا الحزب بالإرهاب , فهو شئنا أم أبينا يحظى بتأييد جزء غير قليل من الشعب الكردي , كما يحظى بتأييد واسع من الكُرد في الخارج , إضافة إلى وجود قوى كردية في تركيا تناضل اليوم أيضاً إلى جانب الحكم الذاتي في إطار الدولة التركية والتي أنهت مؤتمرها الأخير يوم أمس. ولهذا لا بد للولايات المتحدة أن تعيد النظر بسياساتها لا من منطلق الوضع الحرج الذي تواجهه حالياً في العراق وتخضع للابتزاز التركي ومن قصر النظر بأبعاد المشكلة , بل من رؤية حقيقة مطالب الشعب الكردي وسبل معالجتها مع الدولة التركية , عندها ستغيب كل الظواهر السلبية التي تواجهها تركيا ويعيش في ظلها الشعب الكردي والشعب التركي في أمان واستقرار في الدولة التركية.
9/11/2007 كاظم حبيب